الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى . . . "
) ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾( 18 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَبَيَّنَّا لَهُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَطَرِيقَ الرُّشْدِ . كَمَا حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ : أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ بَيَّنَّا لَهُمْ سَبِيلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ بَيَّنَّا لَهُمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ قَالَ : أَعْلَمْنَاهُمُ الْهُدَى وَالضَّلَالَةَ ، وَنَهَيْنَاهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الضَّلَالَةَ ، وَأَمَرْنَاهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْهُدَى . وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( ثَمُودُ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ مِنَ الْأَمْصَارِ غَيْرَ الْأَعْمَشِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ بِرَفْعِ ثَمُودَ ، وَتَرْكِ إِجْرَائِهَا عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِلْأُمَّةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا الْأَعْمَشُ فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُجْرِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَاصَّةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَكَانَ يُوَجِّهُ ثَمُودَ إِلَى أَنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مَعْرُوفٍ ، أَوِ اسْمُ جَبَلٍ مَعْرُوفٍ . وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ نَصْبًا . وَأَمَّا ثَمُودَ بِغَيْرِ إِجْرَاءٍ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ ، فَإِنَّ أَفْصَحَ مِنْهُ وَأَصَحَّ فِي الْإِعْرَابِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الرَّفْعُ لِطَلَبِ أَمَّا الْأَسْمَاءُ وَأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا تَلِيهَا ، وَإِنَّمَا تُعْمِلُ الْعَرَبُ الْأَفْعَالَ الَّتِي بَعْدَ الْأَسْمَاءِ فِيهَا إِذَا حَسُنَ تَقْدِيمُهَا قَبْلَهَا وَالْفِعْلُ فِي أَمَّا لَا يَحْسُنُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الِاسْمِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ : وَأَمَّا هَدْيُنَا فَثَمُودُ ، كَمَا يُقَالُ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الرَّفْعُ وَتَرَكُ الْإِجْرَاءِ؛ أَمَّا الرَّفْعُ فَلَمَّا وَصَفْتَ ، وَأَمَّا تَرْكُ الْإِجْرَاءِ فَلِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْأُمَّةِ . وَقَوْلُهُ : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى يَقُولُ : فَاخْتَارُوا الْعَمَى عَلَى الْبَيَانِ الَّذِي بَيَّنْتُ لَهُمْ ، وَالْهُدَى الَّذِي عَرَّفْتُهُمْ ، بِأَخْذِهِمْ طَرِيقَ الضَّلَالِ عَلَى الْهُدَى ، يَعْنِي عَلَى الْبَيَانِ الَّذِي بَيَّنَهُ لَهُمْ ، مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ . عَنِ السُّدِّيِّ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى قَالَ : اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ وَالْعَمَى عَلَى الْهُدَى . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى قَالَ : أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالْهُدَى فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى يَقُولُ : بَيَّنَّا لَهُمْ ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى قَالَ : اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى ، وَقَرَأَ : وَ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَزَيَّنَ لِثَمُودَ عَمَلَهَا الْقَبِيحَ ، وَقَرَأَ : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ .
إِلَى آخِرِ الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ : فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَقُولُ : فَأَهْلَكْتُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْمُذِلِّ الْمُهِينِ لَهُمْ مُهْلِكَةً أَذَلَّتْهُمْ وَأَخْزَتْهُمْ؛ وَالْهَوْنُ : هُوَ الْهَوَانُ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( عَذَابَ الْهُونِ ) قَالَ : الْهَوَانُ .
وَقَوْلُهُ : بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الْآثَامِ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَخِلَافِهِمْ إِيَّاهُ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ . وَقَوْلُهُ : وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ : وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي أَخَذَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ، الَّذِينَ وَحَّدُوا اللَّهَ ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ . يَقُولُ : وَكَانُوا يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْ يُحِلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ لَوْ كَفَرُوا مَا حَلَّ بِالَّذِينِ هَلَكُوا مِنْهُمْ ، فَآمَنُوا اتِّقَاءَ اللَّهِ وَخَوْفَ وَعِيدِهِ ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ ، وَخَلَعُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ .