الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : سَنُرِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِنَا مِنَ الذِّكْرِ ، آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْآيَاتِ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنْ يُرِيَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِالْآيَاتِ فِي الْآفَاقِ وَقَائِعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَوَاحِي بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَطْرَافِهَا ، وَبُقُولِهِ : وَفِي أَنْفُسِهِمْ فَتْحَ مَكَّةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُوكُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، فِي قَوْلِهِ : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ قَالَ : ظُهُورُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ يَقُولُ : مَا نَفْتَحُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ، يَقُولُ : نَفْتَحُ لَكَ مَكَّةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيهِمْ نُجُومَ اللَّيْلِ وَقَمَرَهُ ، وَشَمْسَ النَّهَارِ ، وَذَلِكَ مَا وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُرِيهِمْ فِي الْآفَاقِ . وَقَالُوا : عَنَى بِالْآفَاقِ : آفَاقَ السَّمَاءِ ، وَبِقَوْلِهِ : وَفِي أَنْفُسِهِمْ سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ قَالَ : آفَاقُ السَّمَوَاتِ : نُجُومُهَا وَشَمْسُهَا وَقَمَرُهَا اللَّاتِي يَجْرِينَ ، وَآيَاتٍ فَى أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ مَا قَالَهُ السُّدِّيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرِيَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهِ مُكَذِّبِينَ آيَاتٍ فِي الْآفَاقِ ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ أَنْ يَكُونَ تَهَدُّدُهُمْ بِأَنْ يُرِيَهُمْ مَا هُمْ رَأَوْهُ ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يُرِيَهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلُ مِنْ ظُهُورِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِهِمْ وَعَلَى بَلَدِهِمْ ، فَأَمَّا النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَهَا كَثِيرًا قَبْلُ وَبَعْدُ وَلَا وَجْهَ لِتَهَدُّدِهُمْ بِأَنَّهُ يُرِيهِمْ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَرِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَقَائِعَنَا بِأَطْرَافِهِمْ وَبِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةً مَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْوَعْدِ لَهُ بِأَنَّا مُظْهِرُو مَا بَعَثْنَاهُ بِهِ مِنَ الدِّينِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
وَقَوْلُهُ : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوْلَمَ يَكْفِ بِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ خُلُقُهُ ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، الْمُحْسِنِ بِالْإِحْسَانِ ، وَالْمُسِيءِ جَزَاءَهُ . وَفِي قَوْلِهِ : ( أَنَّهُ ) وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى وَجْهِ تَكْرِيرِ الْبَاءِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : أَوْلَمَ يَكْفِ بِرَبِّكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؟ وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، رَفْعًا بِقَوْلِهِ : يَكْفِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : أَوْلَمَ يَكْفِ بِرَبِّكَ شَهَادَتُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .