الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : شَرَعَ لَكُمْ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا أَنْ يَعْمَلَهُ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَأَمَرْنَاكَ بِهِ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يَقُولُ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ فَأَنْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِهَا عَنْ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( بِهِ ) ، وَتَفْسِيرًا عَنْهَا ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ ، وَهُوَ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ .
وَإِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ جَمِيعُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَصِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ إِقَامَةُ الدِّينِ الْحَقِّ ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قَالَ : مَا أَوْصَاكَ بِهِ وَأَنْبِيَائِهِ ، كُلُّهُمْ دِينٌ وَاحِدٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قَالَ : هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا بُعِثَ نُوحٌ حِينَ بُعِثَ بِالشَّرِيعَةِ بِتَحْلِيلِ الْحَلَّالِ ، وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قَالَ : الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : حَسْبُكَ مَا قِيلَ لَكَ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أَنِ اعْمَلُوا بِهِ عَلَى مَا شَرَعَ لَكُمْ وَفَرَضَ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي قَوْلِهِ : أَقِيمُوا الصَّلاةَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قَالَ : اعْمَلُوا بِهِ . وَقَوْلُهُ : وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يَقُولُ : وَلَا تَخْتَلِفُوا فِي الدِّينِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالْقِيَامِ بِهِ ، كَمَا اخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ قَبْلِكُمْ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ تَعَلَّمُوا أَنَّ الْفُرْقَةَ هَلَكَةٌ ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ ثِقَةٌ . وَقَوْلُهُ : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ ، وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ قَالَ : أَنْكَرَهَا الْمُشْرِكُونَ ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَصَادَمَهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ ، فَأَبَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا وَيُفْلِجَهَا وَيُظْهِرَهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا . وَقَوْلُهُ : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ يَقُولُ : اللَّهُ يَصْطَفِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مَنْ خَلْقِهِ ، وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ ، وَوِلَايَتِهِ مَنْ أَحَبَّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ يَقُولُ : وَيُوَفِّقُ لِلْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ مَا بُعِثَ بِهِ نَبِيُّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْحَقِّ مَنْ أَقْبَلَ إِلَى طَاعَتِهِ ، وَرَاجَعَ التَّوْبَةَ مِنْ مَعَاصِيهِ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ : مَنْ يُقْبِلُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ .