الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ "
) ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾( 62 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ ) وَمَا الْمَعْنِيُّ بِهَا ، وَمِنْ ذِكْرِ مَا هِيَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ مِنْ ذِكْرِ عِيسَى ، وَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ . وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِنَّ عِيسَى ظُهُورُهُ عِلْمٌ يُعْلَمُ بِهِ مَجِيءُ السَّاعَةِ ، لِأَنَّ ظُهُورَهُ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَنُزُولَهُ إِلَى الْأَرْضِ دَلِيلٌ عَلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدَيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَثَلِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ : ثَنَا غَالِبُ بْنُ قَائِدٍ قَالَ : ثَنَا قَيْسٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَا أَدْرِي عَلِمَ النَّاسُ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، أَمْ لَمْ يَفْطَنُوا لَهَا ؟ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَا نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَقَرَأَهَا أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : آيَةٌ لِلسَّاعَةِ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ : الْقِيَامَةُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
حَدَّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يَعْنِي خُرُوجَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَنُزُولَهُ مِنَ السَّمَاءِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ : نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ حِينَ يَنْزِلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ ) مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يُعْلِمُكُمْ بِقِيَامِهَا ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْهَا وَعَنْ أَهْوَالِهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ هَذَا الْقُرْآنُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ : الْقُرْآنُ عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . وَاجْتَمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ عَلَى كَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْتُ عَنْهُ فِي فَتْحِهَا ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ : الْكَسْرُ فِي الْعَيْنِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسَّاعَةِ ، فَذَلِكَ مُصَحِّحُ قِرَاءَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ : ( لَعِلْمٌ ) .
وَقَوْلُهُ : فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا يَقُولُ : فَلَا تَشُكُّنَّ فِيهَا وَفِي مَجِيئِهَا أَيُّهَا النَّاسُ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا قَالَ : تَشُكُّونَ فِيهَا . وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّبِعُونِ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَطِيعُونِ فَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ يَقُولُ : اتِّبَاعُكُمْ إِيَّايَ أَيُّهَا النَّاسُ فِي أَمْرِي وَنَهْيِ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، يَقُولُ : طَرِيقٌ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ قَوِيمٌ .
وَقَوْلُهُ : وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَلَا يَعْدِلَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ عَنْ طَاعَتِي فِيمَا آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ ، فَتُخَالِفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَتَجُورُوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَضِلُّوا إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يَقُولُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ يَدْعُوكُمْ إِلَى مَا فِيهِ هَلَاكُكُمْ ، وَيَصُدُّكُمْ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، لِيُورِدَكُمُ الْمَهَالِكَ ، مُبِينٌ قَدْ أَبَانَ لَكُمْ عَدَاوَتَهُ ، بِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِأَبِيكُمْ آدَمَ ، وَإِدْلَائِهِ بِالْغُرُورِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّةِ حَسَدًا وَبَغْيًا .