حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُثَبِّتَهُ عَلَى الْمُضِيِّ لِمَا قَلَّدَهُ مِنْ عِبْءِ الرِّسَالَةِ ، وَثِقَلِ أَحْمَالِ النُّبُوَّةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَهُ بِالِائْتِسَاءِ فِي الْعَزْمِ عَلَى النُّفُوذِ لِذَلِكَ بِأُولِي الْعَزْمِ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ رُسُلِهِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى عَظِيمِ مَا لَقُوا فِيهِ مِنْ قَوْمِهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ ، وَنَالَهُمْ فِيهِ مِنْهُمْ مِنَ الْأَذَى وَالشَّدَائِدِ ( فَاصْبِرْ ) يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا أَصَابَكَ فِي اللَّهِ مِنْ أَذَى مُكَذِّبِيكَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ مِنْ رُسُلِهِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنِ النُّفُوذِ لِأَمْرِهِ ، مَا نَالَهُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةٍ . وَقِيلَ : إِنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ ، كَانُوا الَّذِينَ امْتُحِنُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْمِحَنِ ، فَلَمْ تَزِدْهُمُ الْمِحَنُ إِلَّا جِدًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ، كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : ثَنِي ثَوَابَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مِنْهُمْ . وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قَالَ : كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ ، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرُوا .

حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قَالَ : سَمَّاهُ اللَّهُ مِنْ شِدَّتِهِ الْعَزْمَ . وَقَوْلُهُ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يَقُولُ : وَلَا تَسْتَعْجِلْ عَلَيْهِمْ بِالْعَذَابِ ، يَقُولُ : لَا تَعْجَلْ بِمَسْأَلَتِكَ رَبَّكَ ذَلِكَ لَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ نَازِلٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ يَقُولُ : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ عَذَابَ اللَّهِ الَّذِي يَعِدُهُمْ أَنَّهُ مُنْزِلُهُ بِهِمْ ، لَمْ يَلْبَثُوا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ يُنْسِيهِمْ شِدَّةَ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ ، قَدْرَ مَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَبِثُوا ، وَمَبْلَغَ مَا فِيهَا مَكَثُوا مِنَ السِّنِينَ وَالشُّهُورِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - . ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ .

وَقَوْلُهُ ( بَلَاغٌ ) فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ذَلِكَ لُبْثُ بِلَاغٍ ، بِمَعْنَى : ذَلِكَ بَلَاغٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَجَلِهِمْ ، ثُمَّ حُذِفَتْ ذَلِكَ لُبْثُ ، وَهِيَ مُرَادَةٌ فِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : هَذَا الْقُرْآنُ وَالتَّذْكِيرُ بِلَاغٌ لَهُمْ وَكِفَايَةٌ ، إِنْ فَكَّرُوا وَاعْتَبَرُوا فَتَذَكَّرُوا . وَقَوْلُهُ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَهَلْ يُهْلِكُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ إِذَا أَنْزَلَهُ إِلَّا الْقَوْمَ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَهُ ، وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ وَكَفَرُوا بِهِ .

وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا يُهْلِكُ اللَّهُ إِلَّا الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ تَعْلَّمُوا مَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ أَوْ مُنَافِقٌ صَدَقَ بِلِسَانِهِ وَخَالَفَ بِعَمَلِهِ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ أُمَّتِي هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا .

وَأَيُّمَا عَبْدٍ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ كَانَ يَتْبَعُهَا ، وَيَمْحُوهَا اللَّهُ وَلَا يَهْلِكُ إِلَّا هَالِكٌ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ

موقع حَـدِيث