الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ "
) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾( 9 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ ، فَجَحَدُوا تَوْحِيدَهُ فَتَعْسًا لَهُمْ يَقُولُ : فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاءً وَبَلَاءً . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ قَالَ : شَقَاءً لَهُمْ . وَقَوْلُهُ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ يَقُولُ وَجَعَلَ أَعْمَالَهُمْ مَعْمُولَةً عَلَى غَيْرِ هُدًى وَلَا اسْتِقَامَةٍ ؛ لِأَنَّهَا عَمِلَتْ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ ، لَا فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ قَالَ : الضَّلَالَةُ الَّتِي أَضَلَّهُمُ اللَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ كَمَا هَدَى الْآخَرِينَ ، فَإِنَّ الضَّلَالَةَ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ : يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ; قَالَ : وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ جَعَلَ عَمَلَهُ ضَلَالًا وَرَدَّ قَوْلَهَ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ عَلَى قَوْلِهِ فَتَعْسًا لَهُمْ وَهُوَ فِعْلُ مَاضٍ ، وَالتَّعْسُ اسْمٌ ؛ لِأَنَّ التَّعْسَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا فَفِي مَعْنَى الْفِعْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاءِ ، فَهُوَ بِمَعْنَى : أَتْعَسَهُمُ اللَّهُ ، فَلِذَلِكَ صَلَحَ رَدُّ أَضَلَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ مَرْدُودَةً عَلَى أَمْرٍ مُضْمَرٍ نَاصِبٍ لِضَرْبَ . وَقَوْلُهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمْ مِنَ الْإِتْعَاسِ وَإِضْلَالِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَجْلٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوا كِتَابَنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَخَطُوهُ ، فَكَذَّبُوا بِهِ ، وَقَالُوا : هُوَ سِحْرٌ مُبِينٌ .
وَقَوْلُهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ يَقُولُ : فَأَبْطَلَ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْآلِهَةَ ، لَمْ يَنْفَعْهُمُ اللَّهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، بَلْ أَوْبَقَهُمْ بِهَا ، فَأَصْلَاهُمْ سَعِيرًا ، وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي جَمِيعِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ( فَتَعْسًا لَهُمْ ) قَالَ : هِيَ عَامَّةٌ لِلْكُفَّارِ .