الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . "
) ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾( 2 ) يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ يُسَبِّحُهُ تَعْظِيمًا لَهُ ، وَإِقْرَارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ ، وَإِذْعَانًا لِطَاعَتِهِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . وَقَوْلُهُ : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَقُولُ : وَلَكِنَّهُ - جَلَّ جَلَالُهُ - الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ ، فَخَالَفَ أَمْرَهُ مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ ( الْحَكِيمُ ) فِي تَدْبِيرِهِ أَمْرَهُمْ ، وَتَصْرِيفِهِ إِيَّاهُمْ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ . وَقَوْلُهُ : لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَهُ سُلْطَانُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَلَا شَيْءَ فِيهِنَّ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، وَهُوَ فِي جَمِيعِهِمْ نَافِذُ الْأَمْرِ ، مَاضِي الْحُكْمِ .
وَقَوْلُهُ : يُحْيِي وَيُمِيتُ يَقُولُ : يُحْيِي مَا يَشَاءُ مِنَ الْخَلْقِ ، بِأَنْ يُوجِدَهُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْدِثَ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَيْتَةِ حَيَوَانًا ، بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا مِنْ بَعْدِ تَارَاتٍ يُقَلِّبُهَا فِيهَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَيُمِيتُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَحْيَاءِ بَعْدَ الْحَيَاةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجَلَهُ فَيُفْنِيهِ . وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ ذُو قُدْرَةٍ ، لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ مِنْ إِحْيَاءٍ وَإِمَاتَةٍ ، وَإِعْزَازٍ وَإِذْلَالٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ .