الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ . . . "
) ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾( 14 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اللَّهِ ، يَقُولُ : هُمْ يَرْهَبُونَهُمْ أَشَدَّ مِنْ رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذِهِ الرَّهْبَةُ الَّتِي لَكَمَ فِي صُدُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ مِنْ رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ قَدْرَ عَظَمَةِ اللَّهِ ، فَهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَخِفُّونَ بِمَعَاصِيهِ ، وَلَا يَرْهَبُونَ عِقَابَهُ قَدْرَ رَهْبَتِهِمْ مِنْكُمْ . وَقَوْلُهُ : لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَا يُقَاتِلُكُمْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ مُجْتَمِعِينَ إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ بِالْحُصُونِ ، لَا يَبْرُزُونَ لَكُمْ بِالْبَرَازِ ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ يَقُولُ : أَوْ مِنْ خَلْفِ حِيطَانٍ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ عَلَى الْجِمَاعِ بِمَعْنَى الْحِيطَانِ .
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ : مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ عَلَى التَّوْحِيدِ بِمَعْنَى الْحَائِطِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : عَدَاوَةُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ بَعْضًا شَدِيدَةٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ ، يَقُولُ : تَظُنُّهُمْ مُؤْتَلِفِينَ مُجْتَمِعَةً كَلِمَتُهُمْ ، وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يَقُولُ : وَقُلُوبُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لِمُعَادَاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا .
وَقَوْلُهُ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ - وَذَلِكَ تَشْتِيتُ أَهْوَائِهِمْ ، وَمُعَادَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَهُمْ مِمَّا فِيهِ عَلَيْهِمُ الْبَخْسُ وَالنَّقْصُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ قَالَ : تَجِدُ أَهْلَ الْبَاطِلِ مُخْتَلِفَةً شَهَادَتُهُمْ ، مُخْتَلِفَةً أَهْوَاؤُهُمْ ، مُخْتَلِفَةً أَعْمَالُهُمْ ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي عَدَاوَةِ أَهْلِ الْحَقِّ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قَالَ : الْمُنَافِقُونَ يُخَالِفُ دِينُهُمْ دِينَ النَّضِيرِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ . قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، مِثْلَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قَالَ : الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ . وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ بِمَعْنَى : أَشَدُّ تَشَتُّتًا : أَيْ أَشَدُّ اخْتِلَافًا .