الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ "
) ) ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴾( 22 ) ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾( 23 ) ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾( 24 ) ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾( 25 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَتَنَادَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ . يَقُولُ : نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُصْبِحِينَ ، يَقُولُ : بَعْدَ أَنْ أَصْبَحُوا أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ وَذَلِكَ الزَّرْعُ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ يَقُولُ : إِنْ كُنْتُمْ حَاصِدِي زَرْعِكُمْ ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يَقُولُ : فَمَضَوْا إِلَى حَرْثِهِمْ وَهُمْ يَتَسَارُّونَ بَيْنَهُمْ ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ يَقُولُ : وَهُمْ يَتَسَارُّونَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لَا يَدْخُلَنَّ جَنَّتَكُمُ الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ٢٢ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يَقُولُ : يُسِرُّونَ ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾.
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا ، فَقَالُوا : لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَرْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : عَلَى قُدْرَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ وَجِدٍّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : ذَوِي قُدْرَةٍ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ قَالَ : عَلَى جِدٍّ قَادِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ . قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى جُهْدٍ ، أَوْ قَالَ عَلَى جِدٍّ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ غَدَا الْقَوْمُ وَهُمْ مُحْرَدُونَ إِلَى جَنَّتِهِمْ ، قَادِرُونَ عَلَيْهَا فِي أَنْفُسِهِمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ عَلَى جِدٍّ قَادِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَغَدَوْا عَلَى أَمْرِهِمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ ، وَاسْتَسَرُّوهُ ، وَأَسَرُّوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : كَانَ حَرْثٌ لِأَبِيهِمْ ، وَكَانُوا إِخْوَةً ، فَقَالُوا : لَا نُطْعِمُ مِسْكِينًا مِنْهُ حَتَّى نَعْلَمَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : عَلَى حَرْدٍ قَالَ : عَلَى أَمْرٍ مُجْمَعٍ . حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى أَمْرٍ مُجْمَعٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَغَدَوْا عَلَى فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى فَاقَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : عَلَى حَنَقٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى حَنَقٍ ، وَكَأَنَّ سُفْيَانَ ذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مِثْلِ قَوْلِ الْأَشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ : أُسُودُ شَرًى لَاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَسَاقَوْا عَلَى حَرْدٍ دِمَاءَ الْأَسَاوِدِ يَعْنِي : عَلَى غَضَبٍ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ : وَغَدَوْا عَلَى مَنْعٍ . وَيُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : حَارَدَتِ السَّنَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَطَرٌ ، وَحَارَدَتِ النَّاقَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَإذَا مَا حَارَدَتْ أَوْ بَكَأَتْ فُتَّ عَنْ حَاجِبِ أُخْرَى طِينُهَا وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ قَائِلًا مِنْ مُتَقَدِّمِي الْعِلْمِ قَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ عِنْدَنَا أَنْ يَتَعَدَّى مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ، فَمَا صَحَّ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الْحَرْدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : قَدْ حَرَدَ فُلَانٌ حَرْدَ فُلَانٍ : إِذَا قَصَدَ قَصْدَهُ; وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : وَجَاءَ سَيْلٌ كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهْ يَحْرُدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ الْمُغِلَّهْ يَعْنِي : يَقْصِدُ قَصْدَهَا ، صَحَّ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ وَغَدَوْا عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَصَدُوهُ وَاعْتَمَدُوهُ ، وَاسْتَسَرُّوهُ بَيْنَهُمْ ، قَادِرِينَ عَلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ .