الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ "
) ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾( 48 ) ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴾( 49 ) ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾( 50 ) ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴾( 51 ) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾( 52 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَا مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ أَحَدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ، فَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾، حَاجِزِينَ يَحْجِزُونَنَا عَنْ عُقُوبَتِهِ ، وَمَا نَفْعَلُهُ بِهِ . وَقِيلَ : حَاجِزِينَ ، فَجُمِعَ ، وَهُوَ فِعْلٌ لِأَحَدٍ ، وَأَحَدٌ فِي لَفْظِ وَاحِدٍ؛ رَدًّا عَلَى مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْجَمْعُ ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ أَحَدًا لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ ، كَمَا قِيلَ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ بَيْنَ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لِتَذْكِرَةٌ ، يَعْنِي عِظَةً يُتَذَكَّرُ بِهِ ، وَيُتَّعَظُ بِهِ ، لِلْمُتَّقِينَ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ عِقَابَ اللَّهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ قَالَ : الْقُرْآنُ . قَوْلُهُ : ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴾أَيُّهَا النَّاسُ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ لَحَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ : ذَاكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴾ يَقُولُ : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ الْيَقِينُ الَّذِينَ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لَمْ يَتَقَوَّلْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ بِذِكْرِ رَبِّكَ ، وَتَسْمِيَتِهِ ، الْعَظِيمِ ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ فِي عَظَمَتِهِ صَغِيرٌ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَاقَّةِ .