الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا "
) ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا ﴾( 9 ) ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴾( 10 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وَاذْكُرْ ) يَا مُحَمَّدُ اسْمَ رَبِّكَ فَادْعُهُ بِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا يَقُولُ : وَانْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا لِحَوَائِجِكَ وَعِبَادَتِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : تَبَتَّلْتُ هَذَا الْأَمْرَ; وَمِنْهُ قِيلَ لِأُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْبَتُولُ ، لِانْقِطَاعِهَا إِلَى اللَّهِ ، وَيُقَالُ لِلْعَابِدِ الْمُنْقَطِعِ عَنِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ : قَدْ تَبَتَّلَ; وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ لَهُ إِخْلَاصًا .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ لَهُ إِخْلَاصًا . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّلٌ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ لَهُ إِخْلَاصًا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَخْلِصْ إِلَيْهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ إِلَيْهِ إِخْلَاصًا . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ إِلَيْهِ إِخْلَاصًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ إِلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ وَالدُّعَاءَ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : بَتِّلْ نَفْسَكَ وَاجْتَهِدْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا يَقُولُ : أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِنَحْوِهِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَخْلِصْ إِلَيْهِ إِخْلَاصًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا قَالَ : أَيْ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِهِ ، قَالَ : تَبَتُّلٌ ، فَحَبَّذَا التَّبَتُّلَ إِلَى اللَّهِ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ قَالَ : إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾.
وَقَوْلُهُ : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، إِذْ كَانَ ابْتِدَاءَ آيَةٍ بَعْدَ أُخْرَى تَامَّةٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالْخَفْضِ عَلَى وَجْهِ النَّعْتِ ، وَالرَّدِّ عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَالَمِ . وَقَوْلُهُ : لا إِلَهَ إِلا هُوَ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ إِلَهٌ سِوَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَقَوْلُهُ : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا فِيمَا يَأْمُرُكَ وَفُوِّضْ إِلَيْهِ أَسْبَابَكَ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمِكَ لَكَ ، وَعَلَى أَذَاهُمْ ، وَاهْجُرْهُمْ فِي اللَّهِ هَجْرًا جَمِيلًا . وَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ : هُوَ الْهَجْرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ . الْآيَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ نُسِخَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴾ بَرَاءَةٌ نَسَخَتْ مَا هَهُنَا; أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهَا .