الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ . . . "
) ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾( 31 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا تَشَاءُونَ اتِّخَاذَ السَّبِيلِ إِلَى رَبِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ إِلَيْهِ لَا إِلَيْكُمْ ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا ذُكِرَ ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) . وَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَلَنْ يَعْدُوَ مِنْكُمْ أَحَدٌ مَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِهِ بِتَدْبِيرِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ يَقُولُ : يُدْخِلُ رَبُّكُمْ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ فِي رَحْمَتِهِ ، فَيَتُوبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ تَائِبًا مِنْ ضَلَالَتِهِ ، فَيَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ ، وَيُدْخِلُهُ جَنَّتَهُ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا يَقُولُ : الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَمَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ ، أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابًا مُؤْلِمًا مُوجِعًا ، وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ . وَنُصِبَ قَوْلُهُ : ( وَالظَّالِمِينَ ) لِأَنَّ الْوَاوَ ظَرْفٌ لِأَعَدَّ ، وَالْمَعْنَى : وَأَعَدَّ لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( وَلِلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ ) بِتَكْرِيرِ اللَّامِ ، وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ ، وَيُنْشَدُ لِبَعْضِهِمْ : أَقُولُ لَهَا إِذَا سَأَلَتْ طَلَاقًا إِلَامَ تُسَارِعِينَ إِلَى فِرَاقِي ؟ وَلِآخَرَ : فأصْبَحْنَ لَا يسْأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بِهِ أصَعَّدَ فِي غَاوِي الْهَوَى أَمْ تَصَوَّبَا ؟ بِتَكْرِيرِ الْبَاءِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ لَا يَسْأَلْنَهُ عَمَّا بِهِ .
آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِنْسَانِ .