الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ "
) ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾( 2 ) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾( 3 ) ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾( 4 ) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾( 5 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْشَقَّتْ ، وَإِذَا كَوَاكِبُهَا انْتَثَرَتْ مِنْهَا فَتَسَاقَطَتْ ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ يَقُولُ : فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، فَمَلَأَ جَمِيعَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ يَقُولُ : بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ فُجِّرَ عَذْبُهَا فِي مَالِحِهَا ، وَمَالِحُهَا فِي عَذْبِهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ قَالَ : فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، فَذَهَبَ مَاؤُهَا .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : مُلِئَتْ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ يَقُولُ : وَإِذَا الْقُبُورُ أُثِيرَتْ فَاسْتُخْرِجَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى أَحْيَاءً ، يُقَالُ : بَعْثَرَ فَلَانٌ حَوْضَ فُلَانٍ : إِذَا جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ ، يُقَالُ : بَعْثَرَةً وَبَحْثَرَةً : لُغَتَانِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ يَقُولُ : بُحِثَتْ . وَقَوْلُهُ : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ لِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُهُ ، وَأَخَّرَتْ وَرَاءَهُ مِنْ شَيْءٍ سَنَّهُ فَعُمِلَ بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ثَنِي عَنِ الْقُرَظِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِمَّا عَمِلَتْ ، وَأَمَّا مَا أَخَّرَتْ فَالسُّنَّةُ يَسُنُّهَا الرَّجُلُ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ مَا قَدَّمَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي أَدَّتْهَا ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي ضَيَّعَتْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ قَالَ : مَا افْتُرِضَ عَلَيْهَا ( وَأَخَّرَتْ ) قَالَ : مِمَّا افْتُرِضَ عَلَيْهَا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ قَالَ : تَعْلَمُ مَا قَدَّمَتْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَمَا أَخَّرَتْ مِمَّا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ حَقٍّ لِلَّهِ عَلَيْهِ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ ، وَأَخَّرَتْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ : عَمِلَتْ ، وَمَا أَخَّرَتْ : تَرَكَتْ وَضَيَّعَتْ ، وَأَخَّرَتْ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي دَعَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَأَخَّرَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ قَالَ : أَنَا مِمَّا أَخَّرَ الْحِجَاجَ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا عَمِلَ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ مِمَّا قَدَّمَهُ ، وَأَنَّ مَا ضَيَّعَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَفَرَّطَ فِيهِ فَلَمْ يَعْمَلْهُ ، فَهُوَ مِمَّا قَدْ قَدَّمَ مِنْ شَرٍّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا أَخَّرَ مِنَ الْعَمَلِ ، لِأَنَّ الْعَمَلَ هُوَ مَا عَمِلَهُ . فَأَمَّا مَا لَمْ يَعْمَلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ سَيِّئَةٌ قَدَّمَهَا ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا : مَا أَخَّرَ : هُوَ مَا سَنَّهُ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ ، مِمَّا إِذَا عَمِلَ بِهِ الْعَامِلُ ، كَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِ بِهَا أَوْ وِزْرِهِ .