الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ "
) ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾( 20 ) ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾( 21 ) ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾( 22 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِوَعِيدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ أَنْبَاءٌ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلُ اللَّهِ كَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، وَثَمُودَ وَأَشْكَالِهِمْ ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ ، وَلَكِنَّهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ ، إِيثَارًا مِنْهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ ، وَاتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِسُنَنِ آبَائِهِمْ ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ بِأَعْمَالِهِمْ مُحْصٍ لَهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيعِهَا . وَقَوْلُهُ : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ يَقُولُ - تَكْذِيبًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْقَائِلِينَ لِلْقُرْآنِ هُوَ شِعْرٌ وَسَجْعٌ - : مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ يَقُولُ : قُرْآنٌ كَرِيمٌ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ قَالَ : كَرِيمٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ مُثْبَتٌ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( مَحْفُوظٍ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَهُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ أَبُو جَعْفَرِ الْقَارِئِ وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَمَنْ قَرَأَهُ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ، وَمِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَبُو عَمْرٍو ( مَحْفُوظٍ ) خَفْضًا عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّوْحَ هُوَ الْمَنْعُوتُ بِالْحِفْظِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ التَّأْوِيلُ : ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ عَمَّا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ مِنَ الْمَكِّيِّينَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ، وَمِنَ الْمَدَنِيِّينَ نَافِعٌ ( مَحْفُوظٌ ) رَفْعًا ، رَدًّا عَلَى الْقُرْآنِ ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ .
وَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَتِهِمَا : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ فِي لَوْحٍ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قَرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ ، فَتَأْوِيلُ الْقِرَاءَةُ الَّتِي يَقْرَؤُهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا .
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي لَوْحٍ قَالَ : فِي أُمِّ الْكِتَابِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : مَحْفُوظٌ لِأَنَّهُ فِي جَبْهَةِ إِسْرَافِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ قُرَّةَ بْنَ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : ثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ قَالَ : إِنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فِي جَبْهَةِ إِسْرَافِيلَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ