الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى "
) ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾( 2 ) ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾( 3 ) ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾( 4 ) ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾( 5 ) ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾( 6 ) ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾( 7 ) . اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : عَظِّمْ رَبَّكَ الْأَعْلَى ، لَا رَبَّ أَعْلَى مِنْهُ وَأَعْظَمَ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا قَرَأَ ذَلِكَ قَالَ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ قَالَ : وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلْيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأَ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ فَقَالَ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَدَانِيِّ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ فَأَتَى عَلَى آخِرِهَا ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ ؟ يَقُولُ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبَلَى . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ خَارِجَةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : نَزِّهْ يَا مُحَمَّدُ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، أَنْ تُسَمِّيَ بِهِ شَيْئًا سِوَاهُ ، يَنْهَاهُ بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتُهُمْ بَعْضُهَا الْلَاتِ وَبَعْضُهَا الْعُزَّى . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : نَزِّهِ اللَّهَ عَمَّا يَقُولُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ كَمَا قَالَ : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَقَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : سَبِّحْ رَبَّكَ الْأَعْلَى; قَالُوا : وَلَيْسَ الِاسْمُ مَعْنِيًّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : نَزِّهْ تَسْمِيَتَكَ يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ الْأَعْلَى وَذِكْرَكَ إِيَّاهُ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا وَأَنْتَ لَهُ خَاشِعٌ مُتَذَلِّلٌ; قَالُوا : وَإِنَّمَا عُنِيَ بِالِاسْمِ : التَّسْمِيَةُ ، وَلَكِنْ وُضِعَ الِاسْمُ مَكَانَ الْمَصْدَرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ : صَلِّ بِذِكْرِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : صَلِّ وَأَنْتَ لَهُ ذَاكِرٌ ، وَمِنْهُ وَجِلٌ خَائِفٌ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أَنْ تَدْعُوَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ ، لَمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَخْبَارِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَرَءُوا ذَلِكَ قَالُوا : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومًا : عَظِّمِ اسْمَ رَبِّكَ وَنَزِّهْهُ .
وَقَوْلُهُ : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ يَقُولُ : الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَسَوَّى خَلْقَهَا ، وَعَدَّلَهَا ، وَالتَّسْوِيَةُ التَّعْدِيلُ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالَّذِي قَدَّرَ خَلْقَهُ فَهَدَى . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ : ( فَهَدَى ) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَدَى الْإِنْسَانَ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالْبَهَائِمِ لِلْمَرَاتِعِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( قَدَّرَ فَهَدَى ) قَالَ : هَدَى الْإِنْسَانَ لِلشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ ، هَدَى الذُّكُورَ لِمَأْتَى الْإِنَاثِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ : ( فَهَدَى ) الْخَبَرَ عَنْ هِدَايَتِهِ خَلْقِهِ ، وَلَمْ يُخَصَّصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى ، وَقَدْ هَدَاهُمْ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهَدَى الذُّكُورَ لِمَأْتَى الْإِنَاثِ ، فَالْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَأْتِيَ خَبَرٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، دَالٌّ عَلَى خُصُوصِهِ . وَاجْتَمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى تَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ قَدَّرَ ، غَيْرَ الْكِسَائِيِّ فَإِنَّهُ خَفَّفَهَا . وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ التَّشْدِيدُ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ يَقُولُ : وَالَّذِي أَخْرَجَ مِنَ الْأَرْضِ مَرْعَى الْأَنْعَامِ مِنْ صُنُوفِ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْحَشِيشِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُكْرَمٍ ، قَالَ ثَنَا الْحَفَرِيُّ ، قَالَ ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَخْرَجَ الْمَرْعَى قَالَ : النَّبَاتَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ الْآيَةَ ، نَبَتَ كَمَا رَأَيْتُمْ بَيْنَ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَبْيَضَ . وَقَوْلُهُ : ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَجَعَلَ ذَلِكَ الْمَرْعَى غُثَاءً ، وَهُوَ مَا جَفَّ مِنَ النَّبَاتِ وَيَبِسَ ، فَطَارَتْ بِهِ الرِّيحُ; وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ هَاهُنَا أَنَّهُ جَعَلَهُ هَشِيمًا يَابِسًا مُتَغَيِّرًا إِلَى الْحُوَّةِ ، وَهِيَ السَّوَادُ مِنْ بَعْدِ الْبَيَاضِ أَوِ الْخُضْرَةِ مِنْ شِدَّةِ الْيُبْسِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : غُثَاءً أَحْوَى يَقُولُ : هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : غُثَاءً أَحْوَى قَالَ : غُثَاءُ السَّيْلِ أَحَوَى ، قَالَ : أَسْوَدُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : غُثَاءً أَحْوَى قَالَ : يَعُودُ يُبْسًا بَعْدَ خُضْرَةٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنْ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ قَالَ : كَانَ بَقْلًا وَنَبَاتًا أَخْضَرَ ، ثُمَّ هَاجَ فَيَبِسَ ، فَصَارَ غُثَاءً أَحَوَى تَذْهَبُ بِهِ الرِّيَاحُ وَالسُّيُولُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾أَحَوَى ؛ أَيْ : أَخْضَرَ إِلَى السَّوَادِ ، فَجَعَلَهُ غُثَاءً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَعْتَلُّ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ : حَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا الْبَرَاعِيمُ وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّبَاتِ ، قَدْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ أَسْوَدَ ، غَيْرَ صَوَابٍ عِنْدِي بِخِلَافِهِ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي أَنَّ الْحَرْفَ إِنَّمَا يَحْتَالُ لِمَعْنَاهُ الْمُخْرَجِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مَفْهُومٌ إِلَّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ ، أَوْ تَأْخِيرِهِ ، فَأَمَّا وَلَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَجْهٌ صَحِيحٌ فَلَا وَجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيَالِ لِمَعْنَاهُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ . وَقَوْلُهُ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : سَنُقْرِئُكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنُ فَلَا تَنْسَاهُ ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ هَذَا الْقُرْآنَ وَيُحَفِّظُهُ عَلَيْهِ ، وَنَهَى مِنْهُ أَنْ يَعْجَلَ بِقِرَاءَتِهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ; قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾ قَالَ : كَانَ يَتَذَكَّرُ الْقُرْآنَ فِي نَفْسِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَى ، فَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةَ : مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى النِّسْيَانِ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَلَا تَنْسَى ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَنْسَاهُ ، وَلَا تَذْكُرَهُ ، قَالُوا : ذَلِكَ هُوَ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَرَفَعَ حُكْمَهُ وَتِلَاوَتَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْسَى شَيْئًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النِّسْيَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : التَّرْكُ; وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : سَنُقْرِئُكَ يَا مُحَمَّدُ فَلَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ ، مِمَّا نَنْسَخُهُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ : لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْ تَنْسَى شَيْئًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ وَلَا يَشَاءُ . قَالَ : وَأَنْتَ قَائِلٌ فِي الْكَلَامِ : لَأُعْطِيَنَّكَ كُلَّ مَا سَأَلْتَ إِلَّا مَا شِئْتُ ، وَإِلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنْ أَمْنَعَكَ ، وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا تَمْنَعُهُ ، وَلَا تَشَاءُ شَيْئًا . قَالَ : وَعَلَى هَذَا مُجَارِي الْأَيْمَانِ ، يُسْتَثْنَى فِيهَا ، وَنِيَّةُ الْحَالِفِ : اللِّمَامُ .
وَالْقَوْلُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَلَا تَنْسَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ نَحْنُ أَنْ نُنْسِيَكَهُ بِنَسْخِهِ وَرَفْعِهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ . وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْجَهْرَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عَمَلِكَ مَا أَظْهَرْتَهُ وَأَعْلَنْتَهُ ( وَمَا يَخْفَى ) يَقُولُ : وَمَا يَخْفَى مِنْهُ فَلَمْ تُظْهِرْهُ مِمَّا كَتَمْتَهُ ، يَقُولُ : هُوَ يَعْلَمُ جَمِيعَ أَعْمَالِكَ سِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ; يَقُولُ : فَاحْذَرْهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ عَامِلٌ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِكَ بِغَيْرِ الَّذِي أَذِنَ لَكَ بِهِ .