الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ "
) ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾( 18 ) ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾( 19 ) ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾( 20 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلَى مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ عَدَاوَتِهِ ، وَالنَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَهْلِ وِلَايَتِهِ : أَفَلَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ ، إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خَلَقَهَا وَسَخَّرَهَا لَهُمْ وَذَلَّلَهَا وَجَعَلَهَا تَحْمِلُ حَمْلَهَا بَارِكَةً ، ثُمَّ تَنْهَضُ بِهِ ، وَالَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ عَزِيزٍ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ مَا وَصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي قَدَرَ بِهَا عَلَى خَلْقِهَا ، لَنْ يُعْجِزَهُ خَلْقُ مَا شَابَهَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ مَا فِي الْجَنَّةِ ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ فَكَانَتِ الْإِبِلُ مِنْ عَيْشِ الْعَرَبِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ شُرَيْحًا يَقُولُ : اخْرُجُوا بِنَا نَنْظُرُ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَفَلَا يَنْظُرُونَ أَيْضًا إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رَفَعَهَا الَّذِي أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ مُعِدٌّ لِأَوْلِيَائِهِ مَا وَصَفَ ، وَلِأَعْدَائِهِ مَا ذَكَرَ ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ قُدْرَتَهُ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يُعَجِّزُهُ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ .
وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ يَقُولُ : وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةٌ لَا تَسْقُطُ ، فَتَنْبَسِطُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّهَا جَعْلُهَا بِقُدْرَتِهِ مُنْتَصِبَةً جَامِدَةً ، لَا تَبْرَحُ مَكَانَهَا ، وَلَا تَزُولُ عَنْ مَوْضِعِهَا . وَقَدْ حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ تَصَاعَدُ إِلَى الْجَبَلِ الصَّيْخُودِ عَامَّةَ يَوْمِكَ ، فَإِذَا أَفْضَيْتَ إِلَى أَعْلَاهُ ، أَفْضَيْتَ إِلَى عُيُونٍ مُتَفَجِّرَةٍ ، وَثِمَارٍ مُتَهَدِّلَةٍ ثُمَّ لَمْ تَحْرُثْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ تَعْمَلْهُ ، نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَبُلْغَةُ الْأَجَلِ . وَقَوْلُهُ : ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ يَقُولُ : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ بُسِطَتْ ، يُقَالُ : جَبَلٌ مُسَطَّحٌ : إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ اسْتِوَاءٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ ؛ أَيْ : بُسِطَتْ ، يَقُولُ : أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا أَرَادَ فِي الْجَنَّةِ .