الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ "
) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ( 9 ) ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾( 10 ) ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾( 11 ) ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾( 12 ) ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾( 13 ) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( نَاعِمَةٌ ) يَقُولُ : هِيَ نَاعِمَةٌ بِتَنْعِيمِ اللَّهِ أَهْلِهَا فِي جَنَّاتِهِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ . وَقَوْلُهُ : لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ يَقُولُ : لِعَمَلِهَا الَّذِي عَمِلَتْ فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَةِ رَبِّهَا رَاضِيَةٌ ، وَقِيلَ : لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ وَالْمَعْنَى : لِثَوَابِ سَعْيِهَا فِي الْآخِرَةِ رَاضِيَةٌ .
وَقَوْلُهُ : ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ وَهِيَ بُسْتَانٌ ، عَالِيَةٌ ، يَعْنِي : رَفِيعَةٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾ يَقُولُ : لَا تَسْمَعُ هَذِهِ الْوُجُوهُ - الْمَعْنَى : لِأَهْلِهَا فِيهَا فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ - لَاغِيَةً . يَعْنِي بِاللَّاغِيَةِ : كَلِمَةُ لَغْوٍ ، وَاللَّغْوُ : الْبَاطِلُ ، فَقِيلَ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ لَغْوٌ لَاغِيَةً ، كَمَا قِيلَ لِصَاحِبِ الدِّرْعِ : دَارِعٌ ، وَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ : فَارِسٌ ، وَلِقَائِلِ الشِّعْرِ شَاعِرٌ ، وَكَمَا قَالَ الْحُطَيْئَةُ : أغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّ كَ لابِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرْ يَعْنِي : صَاحِبَ لَبَنٍ ، وَصَاحِبَ تَمْرٍ .
وَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَسْمَعُ فِيهَا حَالِفَةً عَلَى الْكَذِبِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : لَاغِيَةً ; وَلِهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَذْهَبٌ وَوَجْهٌ ، لَوْلَا أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ عَلَى خِلَافِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ خِلَافُهُمْ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مُجَمِعِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾ يَقُولُ : لَا تَسْمَعُ أَذًى وَلَا بَاطِلًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾ قَالَ : شَتْمًا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴾ : لَا تَسْمَعُ فِيهَا بَاطِلًا وَلَا شَاتِمًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ ( لَا تَسْمَعُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ، بِمَعْنَى : لَا تَسْمَعُ الْوُجُوهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٍ وَأَبُو عَمْرٍو ( لَا تُسْمَعُ ) بِضَمِّ التَّاءِ ، بِمَعْنَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَيُؤَنَّثْ ، تُسْمَعُ لِتَأْنِيثِ لَاغِيَةً . وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالضَّمِّ أَيْضًا ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيرِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ صَحِيحَاتُ الْمَعَانِي ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ يَقُولُ : فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ . وَقَوْلُهُ : ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ وَالسُّرُرُ : جَمْعُ سَرِيرٍ ، مَرْفُوعَةٌ لِيَرَى الْمُؤْمِنَ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهَا جَمِيعَ مَا خَوَّلَهُ رَبُّهُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْمُلْكِ فِيهَا ، وَيَلْحَقُ جَمِيعَ ذَلِكَ بَصَرُهُ .
وَقِيلَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : مَرْفُوعَةٌ : مَوْضُونَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾ يَعْنِي : مَوْضُونَةٌ ، كَقَوْلِهِ : سُرُرٌ مَصْفُوفَةٌ ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ . وَقَوْلُهُ : وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَهِيَ جَمْعُ كُوبٍ ، وَهِيَ الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : ( مَوْضُوعَةٌ ) : أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَافَّةِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ ، كُلَّمَا أَرَادُوا الشُّرْبَ وَجَدُوهَا مَلْأَى مِنَ الشَّرَابِ . وَقَوْلُهُ : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ يَعْنِي بِالنَّمَارِقِ : الْوَسَائِدُ وَالْمَرَافِقُ ; وَالنَّمَارِقُ : وَاحِدُهَا نُمْرُقَةٌ ، بِضَمِّ النُّونِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ كَلْبٍ سَمَاعًا : نِمْرِقَةٌ ، بِكَسْرِ النُّونِ وَالرَّاءِ . وَقِيلَ : مَصْفُوفَةٌ ; لِأَنَّ بَعْضَهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ يَقُولُ : الْمَرَافِقُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنْيَ أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ يَعْنِي بِالنَّمَارِقِ : الْمَجَالِسُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَالنَّمَارِقُ : الْوَسَائِدُ .
وَقَوْلُهُ : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَفِيهَا طَنَافِسٌ وَبُسُطٌ كَثِيرَةٌ مَبْثُوثَةٌ مَفْرُوشَةٌ ، وَالْوَاحِدَةُ : زَرْبِيَّةٌ ، وَهِيَ الطِّنْفِسَةُ الَّتِي لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : ثَنَا تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي عَلَى عَبْقَرِيٍّ ، وَهُوَ الزَّرَابِيُّ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ : الْمَبْسُوطَةُ .