الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ "
) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾( 23 ) ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ﴾( 24 ) ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾( 25 ) ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾( 26 ) . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَذَكِّرْ ) يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي بِآيَاتِي ، وَعِظْهُمْ بِحُجَجِي وَبَلِّغْهُمْ رِسَالَتِي إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ يَقُولُ : إِنَّمَا أَرْسَلْتُكُ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرًا لِتُذَكِّرَهُمْ نِعْمَتِي عِنْدَهُمْ ، وَتُعَرِّفَهُمُ اللَّازِمَ لَهُمْ ، وَتَعِظَهُمْ . وَقَوْلُهُ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ يَقُولُ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ ، وَلَا أَنْتَ بِجَبَّارٍ تَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا تُرِيدُ .
يَقُولُ : كِلْهُمْ إِلَيَّ ، وَدَعْهُمْ لِي وَحُكْمِي فِيهِمْ ; يُقَالُ : قَدْ تَسَيْطَرَ فُلَانٌ عَلَى قَوْمِهِ : إِذَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ يَقُولُ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ؛ أَيْ : كِلْ إِلَيَّ عِبَادِي . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( بِمُسَيْطِرٍ ) قَالَ : جَبَّارٌ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ قَالَ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ أَنْ تُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ هَذَا : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ وَارْصُدُوهُمْ لَا يَخْرُجُوا فِي الْبِلَادِ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ : فَنَسَخَتْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ قَالَ : جَاءَ اقْتُلْهُ أَوْ يُسْلِمُ ; قَالَ : وَالتَّذْكِرَةُ كَمَا هِيَ لَمْ تُنْسَخْ ، وَقَرَأَ : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ . حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
وَقَوْلُهُ : ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ يَتَوَجَّهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فَذَكِّرْ قَوْمَكَ يَا مُحَمَّدُ ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ عَنْكَ ، وَأَعْرَضَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ فَكَفَرَ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ إِلَّا اسْتِثْنَاءً مِنَ الَّذِينَ كَانَ التَّذْكِيرُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرُوا ، كَمَا يُقَالُ : مَضَى فُلَانٌ ، فَدَعَا إِلَّا مَنْ لَا تُرْجَى إِجَابَتُهُ ، بِمَعْنَى : فَدَعَا النَّاسُ إِلَّا مَنْ لَا تُرْجَى إِجَابَتُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ : ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ مُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهُ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾، يُعَذِّبُهُ اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ يُمْتَحَنُ بِأَنْ يَحْسُنَ مَعَهُ إِنَّ ، فَإِذَا حَسُنَتْ مَعَهُ كَانَ مُنْقَطِعًا ، وَإِذَا لَمْ تَحْسُنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا صَحِيحًا ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ، وَلَا يَصْلُحُ دُخُولُ إِنَّ هَاهُنَا لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ . وَقَوْلُهُ : ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ﴾ : هُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ ، يَقُولُ : ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾عَلَى كُفْرِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَعَذَابَ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ يَقُولُ : إِنَّ إِلَيْنَا رُجُوعَ مَنْ كَفَرَ وَمَعَادَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ يَقُولُ : ثُمَّ إِنَّ عَلَى اللَّهِ حِسَابَهُ ، وَهُوَ يُجَازِيهِ بِمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ، يُعْلِمُ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي عُقُوبَتَهُ دُونَهُ ، وَهُوَ الْمَجَازِي وَالْمُعَاقِبُ ، وَأَنَّهُ الَّذِي إِلَيْهِ التَّذْكِيرُ وَتَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ قَالَ : حِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ يَقُولُ : إِنَّ إِلَى اللَّهِ الْإِيَابَ وَعَلَيْهِ الْحِسَابَ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ