الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدٌ بِالدِّينِ "
) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾( 8 ) . اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ : فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا ، بِالدِّينِ ، يَعْنِي : بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَمَا بَعَثَكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ؟ قَالُوا : مَا فِي مَعْنَى مَنْ ؛ لِأَنَّهُ عُنِيَ بِهِ ابْنُ آدَمَ ، وَمَنْ بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ بِالدِّينِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ عُنِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ! عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَمَّنْ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ قُلْتُ : يَعْنِي بِهِ : النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ! إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْإِنْسَانَ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ أَعَنَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ! إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ ؟ إِنَّمَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ ، يَقُولُ : خَلَقْتُكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، فَمَا يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بَعْدُ بِالدِّينِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ لَهُ : اسْتَيْقْنْ مَعَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْبَيَانِ ، أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ أَيْ : اسْتَيْقِنْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ الْبَيَانُ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى مَا مَعْنَى مَنْ وَوَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى : فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ ؟ يَعْنِي : بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَمُجَازَاتِهِ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ . وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى : فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ؟ وَكَأَنَّهُ قَالَ : فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ خَلْقُنَا الْإِنْسَانِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( بِالدِّينِ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : بِالْحِسَابِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ قَالَ : الْحِسَابُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : بِحُكْمِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ يَقُولُ : مَا يُكَذِّبُكَ بِحُكْمِ اللَّهِ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الدِّينُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي الدِّينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : كَمَا تَدِينُ تُدَانُ . وَلَا أَعْرِفُ مِنْ مَعَانِي الدِّينِ الْحُكْمَ فِي كَلَامِهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِذَلِكَ : فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ أَنْ تُطِيعَهُ فِيهِ ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِأَحْكَمِ مَنْ حَكَمَ فِي أَحْكَامِهِ ، وَفَصَلَ قَضَاءَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا قَالَ : بَلَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ : بَلَى ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا قَرَأَ : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، وَبَلَى . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : كَانَ قَتَادَةُ إِذَا تَلَا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ قَالَ : بَلَى ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ ، أَحْسِبُهُ كَانَ يَرْفَعُ ذَلِكَ ; وَإِذَا قَرَأَ : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَإِذَا تَلَا ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ قَالَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ ، وَبِمَا أَنْزَلَ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالتِّينِ