133 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمَا احْتَرَقَ . 1022 - حدثنا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ قَالُوا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حدثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ عَاهَانَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمَا احْتَرَقَ ) . فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَنْ تَقَدَّمَنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ قَالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَإِخْبَارُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْقُرْآنُ مَنَعَهُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ النَّارُ وَلَوْ أُلْقِيَ فِيهَا ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِالْإِهَابِ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ الْقُرْآنُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقِيهِ بِهِ مِنْ النَّارِ كَمِثْلِ مَا وَقَى إبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَكَانِهِ مِنْهُ مِنْ عَمَلِ النَّارِ فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهَا : كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : أَنَّ الْإِهَابَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْإِهَابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْقُرْآنُ ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَنْزِيهِهِ الْقُرْآنَ عَنْ النَّارِ يَمْنَعُهَا مِنْهُ فَيَنْزِعُهُ مِنْ الْإِهَابِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْإِهَابُ خَالِيًا مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ تُحْرِقُ النَّارُ الْإِهَابَ وَلَا قُرْآنَ فِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ حَسَنٌ ، مُحْتَمِلٌ هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الْمُتَأَوَّلِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَهَلْ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، أَوْ مَعْنًى سِوَاهُمَا مِمَّا لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُنَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 363 تأويل مختلف الحديثحَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ احْتِرَاقُ وَرَقِ الْمُصْحَفِ · ص 290 5 - قَالُوا : حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ احْتِرَاقُ وَرَقِ الْمُصْحَفِ قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ ابْنِ لُهَيْعَةَ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ عَاهَانَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ ، قَالُوا : وَهَذَا خَبَرٌ لَا نَشُكُّ فِي بُطْلَانِهِ ؛ لِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَصَاحِفَ تَحْتَرِقُ وَيَنَالُهَا مَا يَنَالُ غَيْرَهَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالْكُتُبِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ لِهَذَا تَأْوِيلًا ذَهَبَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ ، وَأَنَا مُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : سَأَلَتُ الْأَصْمَعِيَّ ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : يَعْنِي لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِنْسَانٍ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ . وَأَرَادَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ مِنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَفَّظَهُ إِيَّاهُ لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ أُلْقِيَ فِيهَا بِالذُّنُوبِ ، كَمَا قَالَ أَبُو أُمَامَةَ : احْفَظُوا الْقُرْآنَ أَوِ اقْرَأُوا الْقُرْآنَ ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ . وَجَعَلَ الْجِسْمَ ظَرْفًا لِلْقُرْآنِ كَالْإِهَابِ . وَالْإِهَابُ : الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ . وَلَوْ كَانَ الْإِهَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْبُوغًا مَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ كِنَايَةً عَنِ الْجِسْمِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ خَطَبَتْ وَوَصَفَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ : قَرَّرَ الرُّؤُوسَ عَلَى كَوَاهِلِهَا وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا . تَعْنِي فِي الْأَجْسَادِ . وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ قَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ هَذَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَمًا لِلنُّبُوَّةِ ، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ عِنْدِهِ نَزَلَ أَبَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي وَقْتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ طَعْنِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَمَا تَكُونُ الْآيَاتُ فِي عُصُورِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ مَيِّتٍ يَحْيَا ، وَذِئْبٍ يَتَكَلَّمُ ، وَبَعِيرٍ يَشْكُو ، وَمَقْبُورٍ تَلْفِظُهُ الْأَرْضُ ، ثُمَّ يُعْدَمُ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ . وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنْ يُرَدَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: مَا احْتَرَقَ إِلَى الْقُرْآنِ لَا إِلَى الْإِهَابِ . يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ كُتِبَ الْقُرْآنُ فِي جِلْدٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، احْتَرَقَ الْجِلْدُ وَالْمِدَادُ وَلَمْ يَحْتَرِقِ الْقُرْآنُ ، كَأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَرْفَعُهُ مِنْهُ وَيَصُونُهُ عَنِ النَّارِ ، وَلَسْنَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ : إِنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ دَلِيلٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَلَيْسَ بِهِ . وَاللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، يُرِيدُ الْمُصْحَفَ .