الخورنق
معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبويةجُزء ١ · صَفحة ١١٦ حرف الخاء · الْخَوَرْنَقُالْخَوَرْنَقُ : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ النُّونِ، وَآخِرُهُ قَافٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ، أَوْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيّ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ هُوَ لِلْأَعْشَى، وَعَقَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ هِشَامٍ بِأَنَّهُ لِلْأَسْوَدِ: بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ مِنْ سِنْدَادِ وَيُقَالُ: الْبَيْتُ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ وَكَانَ الْخَوَرْنَقُ قَصْرًا بِالْحِيرَةِ مِنْ ظَاهِرِهَا بَيْنَ نَهْرِ الْفُرَاتِ، وَالْبَرِّ، يُشْرِفُ عَلَى النَّجَفِ. بَنَاهُ - عَلَى أَرْجَحِ مَا قِيلَ - النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرٍو اللَّخْمِيّ، وَقَدْ حَكَمَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ الَّذِي بَنَى الْخَوَرْنَقَ رَجُلٌ مِنْ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ سِنِمَّارُ، بَنَاهُ فِي سِتِّينَ سَنَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ وَنَظَرَ إلَيْهِ النُّعْمَانُ فَأَعْجَبَهُ قَالَ لَهُ سِنِمَّارُ: إنِّي أَعْرِفُ مَوْضِعَ آجُرَّةٍ لَوْ زَالَتْ انْقَضَّ الْقَصْرُ مِنْ أَسَاسِهِ! فَقَالَ لَهُ: أَيَعْرِفُهَا أَحَدٌ غَيْرَك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَأَدَعَنَّهَا وَمَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ بِهِ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ فَقَضَى. فَضَرَبَتْ الْعَرَبُ بِفِعْلِهِ الْمَثَلَ، فَقِيلَ: جَزَاءُ سِنِمَّارَ. لِمَنْ يُجَازِي عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ بِالسُّوءِ «مُلَخَّصٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ». وَفِي «مُرُوجِ الذَّهَبِ»: مَلَكَ النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ - قَاتِلُ الْفُرْسِ - خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَمْ يُذْكَرْ خَوَرْنَقُ عِنْدَ ذِكْرِ النُّعْمَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْبَادِيَةِ»: اللِّوَاءُ عَبْدُ الْجَبَّارِ الرَّاوِي، وَلَكِنِّي لَا أَعْتَقِدُ اخْتِفَاءَهُ تَمَامًا، فَلَعَلَّهُ - الْيَوْمَ - مَعْلُومٌ مِنْ آثَارِ الْحِيرَةِ. وَكَانَ الْخَوَرْنَقُ لَا يُذْكَرُ إلَّا مَعَ السَّدِيرِ، فَيُقَالُ: الْخَوَرْنَقُ وَالسَّدِيرُ، وَلَا يُذْكَرَانِ إلَّا وَمَعَهُمَا الْفَخْرُ وَالْأُبَّهَةُ، وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِيرَةَ قَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَمْرِو بْنُ بُقَيْلَةَ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ: أَبَعْدَ الْمُنْذَرَيْنِ أَرَى سُوَامًا تَرُوحُ بِالْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ تَحَامَاهُ فَوَارِسُ كُلِّ حَيٍّ مَخَافَةَ ضَيْغَمٍ عَالِي الزَّئِيرِ فَصِرْنَا، بَعْدَ هَلْكِ أَبِي قُبَي ْسٍ كَمِثْلِ الشَّاءِ فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ تَقَسَّمُنَا الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ كَأَنَّا بَعْضُ أَجْزَاءِ الْجَزُورِ وَفِي قِصَّةِ سِنِمَّارَ وَهَلَاكِهِ بَعْدَ بِنَاءِ الْخَوَرْنَقِ، يَقُولُ شَاعِرٌ: جَزَانِي، جَزَاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزَائِهِ جَزَاءَ سِنِمَّارَ، وَمَا كَانَ ذَا ذَنْبِ سِوَى رَمِّهِ الْبُنْيَانَ سِتِّينَ حَجَّةً يُعَلَّ عَلَيْهِ بِالْقَرَامِيدِ وَالسَّكْبِ قُلْنَا: بَلَى إنَّ لِسِنِمَّارَ لَذَنْبًا، وَأَنَّهُ كَانَ يُضْمِرُ غَدْرًا، وَإِلَّا مَا بَالُ بِنَائِهِ الْعَجِيبِ يَتَوَقَّفُ مَصِيرُهُ عَلَى آجُرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟! وَفِي الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ: كَمْ وَقْفَةٍ لَك بِالْخَوَرْ نَقِ مَا تَوَازَى بِالْمَوَاقِفْ بَيْنَ الْغَدِيرِ إلَى السَّدِيرِ إلَى دِيَارَاتِ الْأَسَاقِفْ وَيَقُولُ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: وَتَبَيَّنْ رَبَّ الْخَوَرْنَقِ، إذْ أَشْرَفَ يَوْمًا، وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ سَرَّهُ مَا رَأَى وَكَثْرَةَ مَا يَمْلِكُ وَالْبَحْرُ مُعْرِضًا، وَالسَّدِيرُ «عَنْ مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ».
معجم البلدانجُزء ٢ · صَفحة ٤٠١ حرف الخاء · الخورنقالخورنق : بفتح أوله وثانيه، وراء ساكنة ونون مفتوحة، وآخره قاف : بلد بالمغرب، قرأت في كتاب النوادر الممتعة لأبي الفتح بن جني : أخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد ، عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي قال : قال الأصمعي : سألت الخليل بن أحمد عن الخورنق فقال : ينبغي أن يكون مشتقا من الخرنق الصغير من الأرانب قال الأصمعي : ولم يصنع شيئا ، إنما هو من الخورنقاه، بضم الخاء وسكون الواو وفتح الراء وسكون النون والقاف، يعني موضع الأكل والشرب بالفارسية، فعربته العرب ، فقالت الخورنق ردته إلى وزن السفرجل، قال ابن جني : ولم يؤت الخليل من قبل الصنعة؛ لأنه أجاب على أن الخورنق كلمة عربية، ولو كان عربيا لوجب أن تكون الواو فيه زائدة كما ذكر؛ لأن الواو لا تجيء أصلا في ذوات الخمسة على هذا الحد فجرى مجرى الواو كذلك، وإنما أتي من قبل السماع، ولو تحقق ما تحققه الأصمعي لما صرف الكلمة، أنى وسيبويه إحدى حسناته والخورنق أيضا : قرية على نصف فرسخ من بلخ، يقال لها : خبنك ، وهو فارسي معرب من خرنكاه، تفسيره موضع الشرب، ينسب إليها أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد البسطامي الخورنقي، وهو أخو عمر البسطامي الخورنقي، كان يسكن الخورنق فنسب إليها، سمع أباه أبا الحسن بن أبي محمد وأبا هريرة عبد الرحمن بن عبد الملك بن يحيى بن أحمد القلانسي وأبا حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي وأبا القاسم أحمد بن محمد الخليلي وأبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني التاجر، وكانت له إجازة من أبي علي السرخسي، كتب عنه أبو سعد، وكانت ولادته في العشر الأخير من شهر رمضان سنة 468 ببلخ، ووفاته بالخورنق في السابع عشر من رمضان سنة 551 ، وأما الخورنق الذي ذكرته العرب في أشعارها وضربت به الأمثال في أخبارها فليس بأحد هذين إنما هو موضع بالكوفة، قال أبو منصور : هو نهر، وأنشد : وتجبى إليه السيلحون ودونها صريفون في أنهارها والخورنق قال : وهكذا قال ابن السكيت في الخورنق، والذي عليه أهل الأثر والأخبار أن الخورنق قصر كان بظهر الحيرة، وقد اختلفوا في بانيه ، فقال الهيثم بن عدي : الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الحارث بن عمرو بن لخم بن عدي بن مرة بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستين سنة، بناه له رجل من الروم يقال له سنمار، فكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس سنين وأكثر من ذلك وأقل، فيطلب فلا يوجد، ثم يأتي فيحتج، فلم يزل يفعل هذا الفعل ستين سنة حتى فرغ من بنائه، فصعد النعمان على رأسه ونظر إلى البحر تجاهه والبر خلفه فرأى الحوت والضب والظبي والنخل فقال : ما رأيت مثل هذا البناء قط! فقال له سنمار : إني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله، فقال النعمان : أيعرفها أحد غيرك؟ قال : لا، قال : لا جرم لأدعنها وما يعرفها أحد! ثم أمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطع، فضربت العرب به المثل، فقال شاعر : جزاني، جزاه الله شر جزائه، جزاء سنمار، وما كان ذا ذنب سوى رمه البنيان، ستين حجة، يعل عليه بالقراميد والسكب فلما رأى البنيان تم سحوقه، وآض كمثل الطود والشامخ الصعب فظن سنمار به كل حبوة، وفاز لديه بالمودة والقرب فقال : اقذفوا بالعلج من فوق رأسه! فهذا، لعمر الله، من أعجب الخطب وقد ذكرها كثير منهم وضربوا سنمار مثلا، وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا وكان من أشد الملوك بأسا، فبينما هو ذات يوم جالس في مجلسه في الخورنق فأشرف على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي المشرق والخورنق مقابل الفرات يدور عليه على عاقول كالخندق فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار ، فقال لوزيره : أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه؟ فقال : لا والله أيها الملك ما رأيت مثله لو كان يدوم! قال : فما الذي يدوم؟ قال : ما عند الله في الآخرة، قال : فبم ينال ذلك؟ قال : بترك هذه الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده، فترك ملكه في ليلته ولبس المسوح وخرج مختفيا هاربا، ولا يعلم به أحد ولم يقف الناس على خبره إلى الآن، فجاؤوا بابه بالغداة على رسمهم فلم يؤذن لهم عليه كما جرت العادة، فلما أبطأ الإذن أنكروا ذلك وسألوا عن الأمر فأشكل الأمر عليهم أياما ثم ظهر تخليه من الملك ولحاقه بالنسك في الجبال والفلوات، فما رؤي بعد ذلك، ويقال : إن وزيره صحبه ومضى معه، وفي ذلك يقول عدي بن زيد : وتبين رب الخورنق، إذ أشرف يوما، وللهدى تفكير سره ما رأى وكثرة ما يمـ ـلك والبحر، معرضا، والسدير فارعوى قلبه وقال : فما غبـ ـطة حي إلى الممات يصير! ثم بعد الفلاح والملك والإمـ ـمة وارتهم هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورق جفـ ـف، فألوت به الصبا والدبور وقال عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة عند غلبة خالد بن الوليد على الحيرة في خلافة أبي بكر، رضي الله عنه : أبعد المنذرين أرى سواما تروح بالخورنق والسدير تحاماه فوارس كل حي، مخافة ضيغم عالي الزئير فصرنا، بعد هلك أبي قبيس، كمثل الشاء في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد كأنا بعض أجزاء الجزور وقال ابن الكلبي : صاحب الخورنق والذي أمر ببنائه بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف ، وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد وكان قد لحق ابنه بهرام جور في صغره علة تشبه الاستسقاء فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام ليبعث بهرام إليه خوفا عليه من العلة، فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده إلى أرض العرب ويسقى أبوال الإبل وألبانها، فأنفذه إلى النعمان ، وأمره أن يبني له قصرا مثله على شكل بناء الخورنق، فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه، ثم استأذن أباه في المقام عند النعمان فأذن له، فلم يزل عنده نازلا قصره الخورنق حتى صار رجلا ومات أبوه فكان من أمره في طلب الملك حتى ظفر به ما هو متعارف مشهور، وقال الهيثم بن عدي : لم يقدم أحد من الولاة الكوفة إلا وأحدث في قصرها المعروف بالخورنق شيئا من الأبنية ، فلما قدم الضحاك بن قيس بنى فيه مواضع وبيضه وتفقده، فدخل إليه شريح القاضي فقال : يا أبا أمية أرأيت بناء أحسن من هذا؟ قال : نعم، السماء وما بناها! قال : ما سألتك عن السماء، أقسم لتسبن أبا تراب، قال : لا أفعل، قال : ولم؟ قال؛ لأنا نعظم أحياء قريش ولا نسب موتاهم، قال : جزاك الله خيرا! وقال علي بن محمد العلوي الكوفي المعر