محمد بن أحمد بن محمد الصالحي
«الصالحي»- الاسم
- محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر
- الكنية
- أبو عمر
- الشهرة
- الصالحي
- النسب
- الزاهد ، المقدسي ، الجماعيلي ، الحنبلي
- صلات القرابة
زوجاته : فاطمة ، طاوس امرأة من بيت المقدس ، أم عبد الرحمن آمنة بنت أبي موسى ، فا…
زوجاته : فاطمة ، طاوس امرأة من بيت المقدس ، أم عبد الرحمن آمنة بنت أبي موسى ، فاطمة الدمشقية. أولاده : الشرف عبد الله ، والشمس عبد الرحمن ، العز إبراهيم بن عبد الله ، شرف الدين حسن بن عبد الله ، عمر ، خديجة ، آمنة ، عبد الله ، زينب ، أحمد ، عبد الرحمن ، عائشة ، حبيبة ، خديجة الصغرى. أحفاده : أبو حمزة أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر ، تقي الدين سليمان بن حمزة . أخوه الشيخ الموفق ، ابن أخته الحافظ ضياء الدين- الميلاد
- 528 هـ
- الوفاة
- 607 هـ
- بلد المولد
- جماعيل
- بلد الإقامة
- ظاهر الباب الشرقي
- المذهب
- الحنبلي
- الإمام العالم الفقيه المحدث١
قال الشيخ العماد : سمعت أخي الحافظ يقول : نحن إذا جاء أحد اشتغلنا به عن عملنا ، وإن خالي أبا عمر فيه للدنيا والآخرة ، يخالط الناس ولا يخلي أوراده .
قال الشيخ الموفق : ربانا أخي ، وعلمنا ، وحرص علينا ، كان للجماعة كالوالد يحرص عليهم ، ويقوم بمصالحهم ، وهو الذي هاجر بنا ، وهو سفرنا إلى بغداد ، وهو الذي كان يقوم في بناء الدير ، وحين رجعنا زوجنا وبنى لنا دورا خارج الدير…
- الذهبىتـ ٧٤٨هـ
قلت : كان قدوة صالحا ، عابدا قانتا لله ، ربانيا ، خاشعا مخلصا ، عديم النظير ، كبير القدر ، كثير الأوراد والذكر ، والمروءة والفتوة والصفات الحميدة ، قل أن ترى العيون مثله
تاريخ الإسلام
افتح في المصدر →361- محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر ، الإمام القدوة الزاهد ، أبو عمر المقدسي الجماعيلي ، رحمة الله عليه . قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين : مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل ، شاهدته بخط والده . سمع الكثير بدمشق من والده ، ومن أبي المكارم عبد الواحد بن هلال ، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي ، وأبي الفهم عبد الرحمن ابن أبي العجائز الأزدي ، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي ، وخلق يطول ذكرهم . وبمصر من عبد الله بن بري النحوي ، وإسماعيل بن قاسم الزيات ، وغيرهما . قلت : روى عنه أخوه الشيخ الموفق ، وولداه الشرف عبد الله ، والشمس عبد الرحمن ، والضياء محمد ، والزكي عبد العظيم ، والشمس ابن خليل ، والشهاب القوصي ، والزين ابن عبد الدائم ، والفخر علي ، وآخرون . قال الضياء : باب في اجتهاده : كان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به ، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها ، ولا يسمع حديثاً إلا عمل به . وكان يصلي بالناس في نصف شعبان مائة ركعة وهو شيخ كبير ، وكان أنشط الجماعة ، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته ؛ سافرت معه إلى الغزاة فأراد بعضنا يسهر ، ويحرسنا ، فقال له الشيخ أبو عمر : نم . وقام هو يصلي . وكذا حدثني عنه أحمد ابن يونس المقدسي أنه قام في سفر يصلي ويحرسهم . وسمعت آسية بنت محمد ، وهي التي كانت تلازمه في مرضه ، تقول : إنه قلل الأكل قبل موته في مرضه حتى عاد كالعود . وقالت : مات وهو عاقد على أصابعه ، يعني يسبح ، وسمعتها تحدث عن زوجته أم عبد الرحمن ، قالت : كان يقوم بالليل فإذا جاءه النوم عنده قضيب يضرب به رجله ، فيذهب عنه النوم ، وكان كثير الصيام سفراً وحضراً . وحدثني ولده عبد الله : أنه في آخر عمره سرد الصوم ، فلامه أهله ، فقال : إنما أصوم أغتنم أيامي ، لأني إن ضعفت ، عجزت عن الصوم ، وإن مت ، انقطع عملي . وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها قريبة أو بعيدة ، ولا مريضاً إلا عاده ، لا يكاد يسمع بجهاد إلا خرج فيه . وكان يقرأ في كل ليلة سبعاً من القرآن مرتلاً في الصلاة ، ويقرأ في النهار سبعا بين الظهر والعصر ، وإذا صلى الفجر وفرغ من الدعاء والتسبيح قرأ آيات الحرس وياسين والواقعة وتبارك ، وكان قد كتب في ذلك كراسة وهي معلقة في المحراب ، ربما قرأ فيها خوفاً من النعاس ، ثم يقرئ ويلقن إلى ارتفاع النهار ، ثم يصلي الضحى صلاة طويلة . وسمعت ولده أبا محمد عبد الله يقول : كان يسجد سجدتين طويلتين : إحداهما في الليل والأخرى في النهار يطيل فيهما السجود ، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها في كل يوم ركعتين يقرأ في الأولى أول المؤمنين ، وفي الثاني آخر الفرقان من عقيب سجدتها ، وكان يصلي بين المغرب والعشاء أربع ركعات يقرأ فيهن السجدة و ياسين و تبارك و الدخان ، ويصلي كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها ، ويصلي يوم الجمعة ركعتين بمائة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . وحكى ولده عن أهله : أنه كان يصلي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة . ثم أورد عنه أوراداً كثيرة من الأذكار . قال الضياء : وكان يزور المقابر كل جمعة بعد العصر ، ولا يكاد يأتي إلا ومعه شيء من الشيح في مئزره أو شيء من نبات الأرض ، وكان يقرأ كل ليلة بعد عشاء الآخرة آيات الحرس لا يكاد يتركها . وسمعت أنه كان إذا دخل منزله قرأ آية الكرسي وعوذ بكلمات ، وأشار بيده إلى ما حوله من الدور والجبل يحوطها بذلك ، ولا ينام إلا على وضوء ، وإن أحدث توضأ ، وإذا أوى إلى فراشه قرأ الحمد و آية الكرسي و الواقعة و تبارك و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وربما قرأ ياسين ، ويسبح ثلاثاً وثلاثين ، ويحمد ثلاثاً وثلاثين ، ويكبر أربعاً وثلاثين ، ويقول : اللهم أسلمت نفسي إليك . . . الحديث ، وغير ذلك ، وكان يقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة : يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت . وسمعت آسية بنت محمد ابنة بنته تقول : كان سيدي لا يترك الغسل يوم الجمعة ولا يكاد يومئذ يخرج إلا ومعه شيء يتصدق به ، رحمه الله تعالى . سمعت خالي الإمام موفق الدين يقول : لما قدمنا من أرض بيت المقدس كنا نتردد مع أخي نسمع درس القاضي ابن عصرون في الخلاف ثم إننا انقطعنا ، فلقي القاضي لأخي يوماً ، فقال : لم انقطعت عن الاشتغال ؟ فقال له أخي : قالوا : إنك أشعري . فقال : ما أنا أشعري ، ولكن لو اشتغلت علي سنة ما كان أحد يكون مثلك ، أو قال : كنت تصير إماماً . قال الضياء : وكان رحمه الله يحفظ الخرقي ويكتبه من حفظه . وكان قد جمع الله له معرفة الفقه والفرائض والنحو ، مع الزهد والعمل وقضاء حوائج الناس . وكان يحمل هم الأهل والأصحاب ، ومن سافر منهم يتفقد أهاليهم ، ويدعو للمسافرين ، ويقوم بمصالح الناس ، وكان الناس يأتون إليه في الخصومات والقضايا ، فيصلح بينهم ، ويتفقد الأشياء النافعة كالنهر ، والمصانع والسقاية ، وكانت له هيبة في القلوب . وسألت عنه الإمام موفق الدين ، فقال فيه : أخي وشيخنا ربانا وعلمنا وحرص علينا ، وكان للجماعة كوالدهم يحرص عليهم ، ويقوم بمصالحهم ، ومن غاب عن أهله قام هو بهم ، وهو الذي هاجر بنا ، وهو الذي سفرنا إلى بغداد ، وهو الذي كان يقوم في بناء الدير ، وحين رجعنا من بغداد ، زوجنا ، وبنى لنا دورنا الخارجة عن الدير . وكان مسارعاً إلى الخروج في الغزوات قل ما يتخلف عن غزاة . سمعت ولده أبا محمد عبد الله يقول : إن الشيخ جاءته امرأة ، فشكت إليه أن أخاها حبس ، وأوذي ، فسقط مغشياً عليه . ولما جرى للحافظ عبد الغني مع أهل البدع وفعلوا ما فعلوا ، جاءه الخبر ، فخر مغشيا عليه ، فلم يفق إلا بعد ساعة ، وذلك لرقة قلبه وشدة اهتمامه بالدين وأهله . وسمعت ولده يقول : إنه كان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم ، وكان كثيراً ما يتصدق ببعض ثيابه ، ويبقى معوزاً ويكون بجبة في الشتاء بغير ثوب من تحتها يتصدق بالتحتاني ، وكثيرا من وقته بلا سراويل . وكانت عمامته قطعة بطانة ، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له ، ويلبس الخشن ، وينام على الحصير ، وربما تصدق بالشيء وأهله محتاجون إليه أكثر ممن أخذه . قال الضياء : وكان ثوبه إلى نصف ساقه وكمه إلى رسغه ، سمعت والدتي تقول : مكثنا زمانا لا يأكل أهل الدير إلا من بيت أخي ؛ تطبخ عمتك ويأكل الرجال جميعاً والنساء جميعاً . قال : وكان إذا جاء شيء إلى بيته ، فرقوه على الخاص والعام ، وسمعت محمود بن همام الفقيه يقول : سمعت أبا عمر يقول : الناس يقولون : لا علم إلا ما دخل مع صاحبه الحمام . وأنا أقول : لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر . ومن كلامه : إذا لم تتصدقوا لم يتصدق أحد عنكم ، والسائل إن لم تعطوه أنتم أعطاه غيركم . وكان يحب اللبن إذا صفي بخرقة ، فعمل له مرة فلم يأكله ، فقالوا له في ذلك ، فقال : لحبي إياه تركته . ولم يذقه بعد ذلك . سمعت أبا العباس أحمد بن يونس بن حسن ، قال : كنا نزولاً على بيت المقدس مع الشيخ أبي عمر وقت حصار المسلمين لها مع صلاح الدين ، وكان لنا خيمة ، وكان الشيخ أبو عمر قد مضى إلى موضع ، وجعل يصلي فيها في يوم حار . فجاء الملك العادل فنزل في خيمتنا ، وسأل عن الشيخ ، فمضينا إلى الشيخ وعرفناه ، فقال : أيش أعمل به ؟ ! ولم يجئ إليه فمضى إليه عمر بن أبي بكر وألح عليه ، فما جاء ، وأطال العادل القعود ، قال : فرجعت إلى الشيخ ، فقال : أنزل له شيئاً ، قال : فوضعت له ولأصحابه أقراصاً كانت معنا فأكلوا وقعدوا زماناً ولم يترك الشيخ صلاته ، ولا جاء . سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر يقول : ما رأيت أحداً قط ليس عنده تكلف غير الشيخ أبي عمر . سمعت شيخنا أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد ، قال : سمعت أخي الحافظ يقول : نحن إذا جاء إنسان اشتغلنا به عن عملنا ، وأما خالي أبو عمر فيه للدنيا وللآخرة يخالط الناس وهو في أوراده لا يخليها . سمعت أبا أحمد عبد الهادي بن يوسف يقول : كان الشيخ أبو عمر يقرأ بعض الليالي فربما غشي على بعض الناس من قراءته . وأما خطبه ، فكان إذا خطب ترق القلوب ، ويبكي بعض الناس بكاءً كثيراً ، وكان ربما أنشأ الخطبة وخطب بها . وكان يسمعنا ويقرأ لنا قراءة سريعة من غير لحن . ولا يكاد أحد يقدم من رحلة إلا قرأ عليه شيئاً من مسموعاته . وكتب الكثير بخطه المليح من المصاحف والكتب مثل الحلية لأبي نعيم ، و الإبانة لابن بطة ، و تفسير البغوي ، و المغني لأخيه . وسمعته يقول : ربما كتبت في اليوم كراسين بالقطع الكبير . وكان يكتب لأهله المصاحف وللناس الخرقي بغير أجر . وقد سمعت أن الناس كانوا يأتون إليه يقولون : اكتب لنا إلى فلان الأمير . فيقول : لا أعرفه . فيقال : إنما نريد بركة رقعتك . فيكتب لهم فتقبل رقعته . وكان يكتب كثيراً إلى المعتمد الوالي وإلى غيره ، فقال له المعتمد : إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة ، ونشتهي أن لا نرد رقعتك . فقال : أما أنا ، فقد قضيت حاجتي ، إني قضيت حاجة من قصدني ، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا رقعتي وإلا فلا ، فقال له : لا نردها ، أو كما قال . وكان الناس قد احتاجوا إلى المطر ، فطلع إلى مغارة الدم ومعه جماعة من محارمه النساء ، فصلى بهن ، ودعا في المطر حينئذ ، وجرت الأدوية شيئاً لم نره من مدة . وسمعت أبا عبد الله بن راجح يقول : كان لنور الدين أخ استعان بالفرنج على أخيه ، ونور الدين مريض ، فجاء الفرنج ، فخرجنا مع الشيخ أبي عمر إلى مغارة الدم وقرأنا عشرة آلاف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ودعونا ، فجاء مطر عظيم على الفرنج أشغلهم بنفوسهم وردوا . سمعت عبد الله بن أبي عمر ، حدثني ابن الصوري ، صديق والدي ، قال : جئنا يوماً إلى والدك ونحن جياع وكنا ثلاثة ، فأخرج لنا سكرجة فيها لبن ، وسكرجة فيها عسل وكسيرات ، فأكلنا وشبعنا ، فنظرت إليه كأنه لم ينقص . قلت لخالي أبي عمر : أشتهي أن تهبني جزءاً بخطك من الأجزاء التي سمعناها على أبي الفرج الثقفي ، فأرسل الأجزاء إلي ، وقال لي : خذ لك منها جزءاً ، واترك الباقي عندك ، فأخذت جزءاً ورددتها ، فبعد موته سألت عنها فما وجدت بقي منها إلا جزء أو جزءان ، فندمت إذ لم أسمع منه . سمعت الإمام محمد بن عمر بن أبي بكر يقول : دعاني الشيخ أبو عمر ليلة ، وكنت أخاف من ضرر الأكل ، فابتدأني وقال : إذا قرأ الإنسان قبل الأكل شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ و لإِيلافِ قُرَيْشٍ ثم أكل فإنه لا يضره . وسمعت الإمام أبا بكر بن أحمد بن عمر البغدادي ، قال : جاء الشيخ أبو عمر فقال : تمضي معي إلى كفربطنا ، وكنت مشتغلاً بقراءة القرآن فقلت في نفسي : أمشي معه ، فأشتغل عن القراءة بالحديث في الطريق ، فلما خرجنا من البلد ، قال : تعال أنا وأنت نقرأ حتى لا نشغلك عن القراءة . سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن النحاس يقول : كان والدي يحب الشيخ أبا عمر ، فقال لي يوم جمعة : أنا أصلي الجمعة خلف الشيخ ، ومذهبي أن بسم الله الرحمن الرحيم من الفاتحة ، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة ، وأخاف أن يكون في صلاتي نقص ، فقلت له : اليوم قد ضاق الوقت ، قال : فبعد هذا مضينا إلى المسجد فوجدناه ، فسلم على والدي وعانقه ثم قال : يا أخي صل وأنت طيب القلب فإنني ما تركت بسم الله الرحمن الرحيم في فريضة ولا نافلة مذ أممت بالناس . فالتفت إلي والدي ، وقال : احفظ . سمعت أبا غالب مظفر بن أسعد ابن القلانسي ، قال : كان والدي يرسل إلى الشيخ أبي عمر شيئاً كل سنة ، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما ، قال : فضاق صدري ، ثم فكرت ، فوجدتها من جهة غير طيبة ، قال : فبعث إليه غيرهما من جهة غير طيبة ، فقبلهما أو كما قال . حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي عمر ، قال : حكت زوجته - يعني أم عبد الرحمن آمنة بنت أبي موسى - أنها لم تحمل بولد قط إلا علمت من كلامه وحاله ما حملها من ذكر أو أنثى ، فمرة أتاه رجل بغنيمة هدية ، فقال : هذه نتركها حتى تلدي ونشتري أخرى ونذبحها عقيقة . قالت : ويجيء لنا ابن ؟ فضحك ، فولد له بعد أيام ابنه سليمان . وفي مرة أخرى حملت ، فقال : كان اسم أبي أحمد ففي هذه النوبة أسمي ابنه أحمد ، فولدت له ابنه أحمد . ومرة أخرى حملت ورآها وهي تخاصم بنتها ، فقال : هذا حالك وهي واحدة ، فكيف إذا صارت اثنتين ؟ فولدت بنتاً . وأمثال ذلك . وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان ، قال : جاء أبو رضوان وآخر إلى الشيخ أبي عمر ، فقالا له : إن قراجاً قد أخذ فلاناً وحبسه ، فادع عليه ، فباتا عند الشيخ ، فلما كان الغد ، قال : قضيت حاجتكم ، فلما كان بعد ساعة إذا جنازة قراجا عابرة . سمعت أبا محمد عبد الرزاق بن هبة الله بن كتائب ، قال : سمعت رجلاً صالحاً يقول : أقام الشيخ أبو عمر قطباً ست سنين . ثم ذكر الضياء حكايتين في أن أبا عمر صار القطب في أواخر عمره ، وقال : سمعت أبا بكر بن أحمد بن عمر المقرئ يقول : إنه رأى رجلاً من اليمن بمكة ، فذكر أنهم يستسقون بالشيخ أبي عمر وأنه من السبعة ، أو كما قال . سمعت الزاهد أحمد بن سلامة النجار ، قال : حدثنا الفقيه عبد الرزاق ابن أبي الفهم : أن رجلاً مغربياً جاء إلى دمشق ، فسأل عن جبل قاسيون ، فدل عليه ، فجاء إلى الشيخ أبي عمر ، فقال : ما قدمت من الغرب إلا لزيارتك وأنا عائد إلى الغرب ، فقيل له : أيش السبب ؟ فامتنع فألحوا عليه ، فقال : كان لي شيخ بالمغرب لا يخرج إلا لصلاة ثم يعود إلى البيت ، فسألت عنه بعض الليالي فقيل : ليس هو هنا ، فلما أصبحت ، قلت : أين كنت البارحة ، قال : إن الشيخ محمداً بجبل قاسيون أعطي القطابة ، فمشينا إلى تهنئته البارحة . أو ما هذا معناه . ثم ذكر الضياء حكايتين أيضاً في أنه قطب ، ثم قال : فحكيت لأبي محمد عبد الله بن أبي عمر شيئاً من هذا ، فقال : جاء إلى والدي جماعة من المشايخ فاستأذنوا عليه ، وسلموا عليه ، ثم خرجوا ، ثم جماعة آخرون ، ووصف كثرة من جاء إليه في ذلك اليوم ، فقلت له : تعرفهم ؟ فقال : لا ، وأنا أتفكر إلى اليوم في كثرتهم ، يعني فكأنه أشار إلى أنه قطب ذلك الوقت . كان أبو عمر - رحمه الله - لا يكاد يسمع بشيء لا يجوز قد عمل إلا اجتهد في تغييره ، وإن كان بعض الملوك قد فعله ، كتب إليه ؛ حتى سمعنا عن بعض ملوك الشام قال : هذا الشيخ شريكي في ملكي ، أو كما قال . وكان له هيبة حتى إن كان أحدنا ليشتهي أن يسأله عن شيء فما يجسر أن يسأله ، وإذا دخل المسجد ، سكتوا وخفضوا أصواتهم ، وإذا عبر في طريق والصبيان يلعبون هربوا ، وإذا أمر بشيء لا يجسر أحد أن يخالفه . وسمعت خالي موفق الدين بعد موته يقول : كان أخي يكفينا أشياء كثيرة ما نقوى لما يفعل . وكان الله قد وضع للشيخ المحبة في قلوب الخلق . وكان ليس بالطويل ولا بالقصير ، أزرق العينين وليس بالكثير ، يميل إلى الشقرة ، عالي الجبهة ، حسن الثغر ، صبيح الوجه ، كث اللحية ، نحيف الجسم ، أول زوجاته عمتي فاطمة ، وكانت أسن منه كبرت وأقعدت وماتت قبله بأعوام ، وولدت له عمر ، وخديجة ، وآمنة ، وأولاداً غيرهم ماتوا صغاراً . وتزوج عليها طاووس ، امرأة من بيت المقدس ، وولدت ابنتين ، فماتت هي وبناتها في حياته . ثم تزوج فاطمة الدمشقية فولدت له عبد الله ، وزينب ، وماتت قبل أم عمر . ثم تزوج آمنة بنت أبي موسى فولدت له جماعة كبر منهم أحمد ، وعبد الرحمن ، وعائشة ، وحبيبة ، وخديجة الصغرى . ومن شعره : ألم يك منهاة عن الزهو أنني بدا لي شيب الرأس والضعف والألم ألم بي الخطب الذي لو بكيته حياتي حتى ينفذ الدمع لم ألم وله مرثية في ابنه عمر . وله هذه الأرجوزة ، وهي طويلة فمنها : إني أقول فاسمعوا بياني يا معشر الأصحاب والإخوان أوصيكم بالعدل والإحسان والبر والتقوى مع الإيمان فاستمسكوا بطاعة الرحمن واجتنبوا الرجس من الأوثان سمعت آسية بنت محمد بن خلف تقول : لما كان اليوم الذي توفي فيه سيدي ؛ وصانا فيه ، واستقبل القبلة وقال : اقرؤوا ياسين ، وكان يقول : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اللهم ثبتكم على الكتاب والسنة . وسمعت أهلنا يقولون : إن الماء الذي كان يخرج من تغسيله من السدر وغيره نشفه الناس في خرقهم ومقانعهم . وسمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر غير مرة يقول : حزرت من حضر جنازة الشيخ أبي عمر عشرين ألفاً . وسمعت محمد بن طرخان بن أبي الحسن الدمشقي ومسعود بن أبي بكر المقدسي ، أن عبد الولي بن محمد حدثهم : أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ أبي عمر سورة البقرة ، وكان وحده ، فبلغ إلى بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ قال : فقلت : لا ذلول يعني غلط ، قال : فرد علي الشيخ أبو عمر من القبر ، قال : فخفت وفزعت وارتعدت وقمت . وهذا لفظ حكاية محمد بن طرخان عن ولده عبد الولي . قال والده : وبقي بعد ذلك أياماً ثم مات . وهذه الحكاية مشتهرة . سمعت علي بن ملاعب العراقي المؤدب ، قال : قرأت سورة الكهف عند قبر الشيخ أبي عمر ، فسمعته من القبر يقول : لا إله إلا الله . ثم ذكر الشيخ الضياء باباً في زيارة قبره ، فذكر في ذلك ثلاثة منامات ، ثم ذكر منامات رئيت له بعد موته ، ثم ذكر قصيدة ابن سعد يرثيه بها وهي أربعة وثلاثون بيتاً ، ثم أخرى له اثنا عشر بيتاً ، ثم قصيدة لأبي الفضل أحمد بن أسعد بن أحمد المزدقاني ستة وثلاثون بيتاً . وقال : توفي عشية الاثنين من الثامن والعشرين من ربيع الأول . وقال أبو المظفر الواعظ : حدثني الزاهد أبو عمر ، قال : هاجرنا من بلادنا ، ونزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي ، فأقمنا به مدة ثم انتقلنا إلى الجبل ، فقال الناس : الصالحية الصالحية ! ينسبونا إلى مسجد أبي صالح لا أننا صالحون ، ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني وأماكن يسيرة . قال أبو المظفر : كان معتدل القامة ، حسن الوجه ، عليه أنوار العبادة ، لا يزال متبسماً ، نحيل الجسم من كثرة الصلاة والصيام . صليت الجمعة في سنة ست والشيخ عبد الله اليونيني إلى جانبي فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعاً وصعد إلى مغارة توبة ، وكان نازلاً بها ، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء ، فصليت وطلعت وراءه وقلت له : خير ما الذي أصابك ؟ فقال : هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة ؛ يقول على المنبر الملك العادل وهو ظالم فما يصدق . قلت : إذا كانت الصلاة خلفه لا تصح فخلف من تصح ؟ فبينا نحن في الحديث إذ دخل الشيخ وسلم وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان ، فكسر الجميع ، وقال : بسم الله الصلاة ، ثم قال ابتداءً : قد روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ولدت في زمن الملك العادل كسرى . فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم وأكل وقام الشيخ أبو عمر فنزل ، فقال لي الشيخ عبد الله : ما ذا إلا رجل صالح . قال أبو المظفر : وأصابني قولنج فدخل علي أبو عمر وبيده خروب مدقوق فقال : استف هذا ، وعندي جماعة ، فقالوا : هذا يزيد القولنج ويضره ، فما التفت إلى قولهم ، وأكلته ، فبرأت في الحال . وقلت له يوماً - وما كان يرد أحداً في شفاعة - وقد كتب رقعة إلى الملك المعظم : كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله ؟ فتبسم ورمى إلي الورقة ، وقال : تأملها ، وإذا قد كتب المعظم وكسر الظاء ، فعجبت من ورعه . قلت : وفي هذا ومثله إنما يلحظ العلمية لا الصفة مثل : علي ، ورافع ، والحكم ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في التسمية لما قل استعماله في العلمية إذا لمح فيه النعت مثل : برة ، أما إذا شاع استعماله وغلب ، فلا يسبق إلى الذهن إلا العلمية . وقال الإمام أبو شامة : أول ما زرت قبره - يعني أبا عمر - وجدت بتوفيق الله رقة عظيمة وبكاء ، وكان معي رفيق فوجد مثل ذلك . قال : وأخبرني بعض الثقات أنه رأى الإمام الشافعي في المنام فسأله : إلى أين تمضي ؟ قال : أزور أحمد بن حنبل ، قال : فاتبعته أنظر ما يصنع ، فدخل داراً فسألت : لمن هي ؟ فقيل : للشيخ أبي عمر ، رحمه الله . قلت : وله آثار حميدة ، منها مدرسته بالجبل وهي وقف على القرآن والفقه ، وقد حفظ فيها القرآن أمم لا يحصيهم إلا الله . ومن أولاده : الخطيب الإمام شرف الدين عبد الله خطب بالجامع المظفري مدة طويلة ، وهو والد الإمامين ؛ العلامة الزاهد العابد العز إبراهيم بن عبد الله ، وفي أولاده علماء وصلحاء ، وقاضي القضاة شرف الدين حسن بن عبد الله . ومن أحفاده : الجمال أبو حمزة أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر وهو جد شيخنا شيخ الجبل ، وقاضي القضاة ومسند الشام تقي الدين سليمان بن حمزة . وآخر من مات من أولاد الشيخ - رحمه الله - ولده الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو الفرج ، رضي الله عنهم أجمعين وأثابهم الجنة .