6471 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ - أَوْ تَنْتَفِخَ - قَدَمَاهُ ، فَيُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ : قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَرِمَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَوْلُهُ : أَوْ تَنْتَفِخَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : فَيُقَالُ لَهُ الْقَائِلُ لَهُ ذَلِكَ عَائِشَةُ . قَوْلُهُ : ( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَعَ شَرْحِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ ، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الشُّكْرَ وَاجِبٌ وَتَرْكَ الْوَاجِبِ حَرَامٌ ، وَفِي شَغْلِ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ صَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الْحَرَامِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّكْرَ يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : الصَّبْرُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ ، وَبِالْعَكْسِ فَمَتَى ذَهَبَ أَحَدُهُمَا ذَهَبَ الْآخَرُ ، فَمَنْ كَانَ فِي نِعْمَةٍ فَفَرْضُهُ الشُّكْرُ وَالصَّبْرُ ، أَمَّا الشُّكْرُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الصَّبْرُ فَعَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَمَنْ كَانَ فِي بَلِيَّةٍ فَفَرْضُهُ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ ، أَمَّا الصَّبْرُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الشُّكْرُ فَالْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلِيَّةِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعَبْدِ عُبُودِيَّةً فِي الْبَلَاءِ كَمَا لَهُ عَلَيْهِ عُبُودِيَّةً فِي النَّعْمَاءِ ، ثُمَّ الصَّبْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَرْتَكِبُهَا ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، وَصَبْرٌ عَلَى الْبَلِيَّةِ فَلَا يَشْكُو رَبَّهُ فِيهَا ، وَالْمَرْءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، فَالصَّبْرُ لَازِمٌ لَهُ أَبَدًا لَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهُ ، وَالصَّبْرُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ كُلِّ كَمَالٍ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : إِنَّ الصَّبْرَ خَيْرُ مَا أُعْطِيَهُ الْعَبْدُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الصَّبْرُ تَارَةً يَكُونُ لِلَّهِ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِاللَّهِ ، فَالْأَوَّلُ الصَّابِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ فَيَصْبِرُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالثَّانِي : الْمُفَوِّضُ لِلَّهِ بِأَنْ يَبْرَأَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَيُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ ، فَالصَّبْرُ لِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِإِلَهِيَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، وَالصَّبْرُ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، وَالثَّالِثُ : يَرْجِعُ إِلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الصَّبْرِ عَلَى أَحْكَامِهِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى ابْتِلَائِهِ وَهُوَ أَحْكَامُهُ الْكَوْنِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ · ص 311 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصبر عن محارم الله · ص 68 58 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا مسعر ، حدثنا زياد بن علاقة ، قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم - أو تنتفخ - قدماه ، فيقال له ، فيقول : أفلا أكون عبدا شكورا . مطابقته للترجمة في الصبر على الطاعة ، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم صبر عليها حتى تورمت قدماه . وخلاد : بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ، ابن يحيى بن صفوان ، أبو محمد السلمي الكوفي ، سكن مكة ومات بها سنة ثلاث عشرة ومائتين ، ومسعر : بكسر الميم وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية وبالراء ، ابن كدام الكوفي ، وزياد : بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ، ابن علاقة ، بكسر العين وتخفيف اللام وبالقاف . والحديث مضى في صلاة الليل عن أبي نعيم ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه في الصلاة ، فالأولان عن قتيبة ، وابن ماجه عن هشام بن عمار . قوله : حتى ترم أصله : تورم ، لأنه من ورم يرم ، بالكسر فيهما ، والقياس : يورم ، وهو أحد ما جاء على هذا البناء ، ومجيئه على هذا البناء شاذ ، وهو من الورم وهو الانتفاخ . قوله : أو تنتفخ بالنصب ، قال الكرماني : كلمة أو للتنويع ، ويحتمل أن يكون شكا من الراوي ، وجزم غيره أنه للشك . قوله : فيقال له أي : إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيقول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أفلا أكون عبدا شكورا على ما أنعم الله علي من هذا الفضل العظيم الذي اختصصت به .