32 - بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ خَبَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ وَزَادَ : وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الزِّيَادَةَ بِلَفْظِ : وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَاللَّذَانِ بَلَغَا سِنًّا يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ : الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ ، وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَلَا يُجْلَدَانِ ، وَالشَّيْخَانِ يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقَ عَلَى نَفْيِ الزَّانِي إِلَّا عَنِ الْكُوفِيِّينَ ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا تُنْفَى . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْرِيبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ بِالتَّعْمِيمِ ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ : لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ ، وَخَصَّ الْأَوْزَاعِيُّ النَّفْيَ بِالذُّكُورِيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِالْحُرِّيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ . وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ بِأَنَّ فِي نَفْيِ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ ؛ لِمَنْعِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ نَفْيِهِ ، وَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ إِلَّا الْجَانِي ، وَمِنْ ثَمَّ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنِ الْعَبْدِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَقْسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَخَطَبَ عُمَرُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُنْفَى إِلَيْهَا : فَقِيلَ هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، وَقِيلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ إِلَى يَوْمَيْنِ ، وَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَقِيلَ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ ، وَقِيلَ إِلَى مِيلٍ ، وَقِيلَ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ نَفْيٍ . وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَبْسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا نَفْيَ وَمِنْ عَجِيبِ الِاسْتِدْلَالِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ لِسُقُوطِ النَّفْيِ أَصْلًا بِأَنَّ نَفْيَ الْأَمَةِ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ : بِيعُوهَا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَالَ : وَإِذَا سَقَطَ عَنِ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا ، وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ قَالَ : وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى النِّسَاءِ نَفْيٌ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّجَالِ ، كَذَا قَالَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا سَقَطَ خُصَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا . قَوْلُهُ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ : الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْبِكْرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُحْصَنِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ ؛ فَعَنْ مَالِكٍ : يَخْتَصُّ بِالظَّهْرِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا جَلْدٌ فِي ظَهْرِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ ، وَيُجْلَدُ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا مُجَرَّدًا ، وَالْمَرْأَةَ قَاعِدَةً ، وَفِي الْقَذْفِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يُجَرَّدُ أَحَدٌ فِي الْحَدِّ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ لِلنَّفْيِ ذِكْرٌ فَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا : لَا يُزَادُ عَلَى الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ عَمِلُوا بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا : خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنَّ يُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوتِ إِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ : لَمَّا نَزَلَ وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا حَتَّى نَزَلَتْ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ فِي لِبَعْضِهِمْ ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنُ عُلَيَّةَ بِلَامٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رَآهُ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . قُلْتُ : وَوَقَعَ نَظِيرُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ : يُقَامُ وَلَا يُعَطَّلُ وَالْمُرَادُ بِتَعْطِيلِ الْحَدِّ تَرْكُهُ أَصْلًا أَوْ نَقْصُهُ عَدَدًا وَمَعْنًى ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الِاجْتِزَاءَ بِوَاحِدٍ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ اثْنَيْنِ ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٍ ، وَعَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيٍّ أَرْبَعَةٍ ، وَعَنْ رَبِيعَةَ مَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَعَنِ الْحَسَنِ عَشَرَةٍ . وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَدْنَاهَا رَجُلٌ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ قَالَ : هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ ، وَعَنْ عَطَاءٍ اثْنَانِ ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٌ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا 6831 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ . 6832 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْعَزِيزِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ 63 ) هَكَذَا اخْتَصَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ السَّنَدِ ذِكْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنَ الْمَتْنِ سِيَاقَ قِصَّةِ الْعَسِيفِ كُلِّهَا ، وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِ : يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ اخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَقَوْلُهُ : جَلْدَ مِائَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ وَقَوْلُهُ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ أَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . قَوْلُهُ : ( غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ : حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَانُ ثُمَّ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ · ص 162 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب البكران يجلدان وينفيان · ص 12 باب البكران يجلدان وينفيان . أي هذا باب فيه البكران يجلدان وينفيان ، وهو تثنية بكر ، وهو الذي لم يجامع في نكاح صحيح ، وإنما ثناه ليشمل الرجل والمرأة ، فقوله : البكران مبتدأ ، ويجلدان على صيغة المجهول خبره ، وقد ورد خبر بلفظ الترجمة أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي ، عن مسروق ، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه مثله . الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ساق في رواية كريمة إلى قوله : الْمُؤْمِنِينَ كما ذكر هنا ، وفي رواية أبي ذر ساق من قوله : الزَّانِيَةُ إلى قوله : فِي دِينِ اللَّهِ ثم قال الآية ، ثم إنه ذكر الآية الأولى لبيان أن الجلد ثابت بكتاب الله عز وجل ، وذكر الآية الثانية لتعلقها بما قبلها ، وذلك لأن قوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يدلان على الجنسين المنافيين لجنسي العفيف والعفيفة ، ثم أشار إلى أن هذا الزاني لا ينكح إلا زانية يعني لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وكذا الزانية لا ترغب في نكاح الصلحاء من الرجال . وسبب نزول هذه الآية ما قاله مجاهد : إنه كان في الجاهلية نساء يزنين ، فأراد أناس من المسلمين نكاحهن ، فنزلت ، وبه قال الزهري ، وقتادة ، وعن سعيد بن المسيب : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ والآية الأولى ناسخة لقوله تعالى : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ الآية ، ولقوله : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فكل من زنى منهما أوذي إلى الموت ، قاله مجاهد ، وقال النحاس : لا خلاف في ذلك بين المفسرين ، قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ أي لا تأخذكم بسببهما رحمة ، والمعنى لا تخففوا العذاب ، ولكن أوجعوهما ، قوله : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يعني إن كنتم تصدقون بتوحيد الله وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال . قوله : طائفة اختلفوا في مبلغ عددها ، فعن النخعي ، ومجاهد : أقله رجل واحد فما فوقه ، وعن عطاء ، وعكرمة : رجلان فصاعدا ، وعن الزهري : ثلاثة فصاعدا ، وعن ابن زيد : أربعة بعدد من تقبل شهادته على الزنا ، وعن قتادة : نفر من المسلمين ، وقال الزجاج : لا يجوز أن تكون الطائفة واحدا لأن معناها معنى الجماعة ، والجماعة لا تكون أقل من اثنين ، وقال غيره : لا يمنع ذلك على قول أهل اللغة لأن معنى طائفة قطعة يقال : أكلت طائفة من الشاة أي قطعة منها . وقال ابن عيينة : رأفة في إقامة الحدود . أي قال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ يعني رحمة في إقامة الحدود ، ويروى رأفة إقامة الحدود بدون لفظ في ، ويروى قال ابن علية : بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف ، وعليه جرى ابن بطال ، والمعتمد هو الأول ، وابن علية اسمه إسماعيل بن إبراهيم الأسدي البصري ، وعليه اسم أمه مولاة لبني أسد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب البكران يجلدان وينفيان · ص 13 26 - حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز ، أخبرنا ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد العزيز هو ابن أبي سلمة الماجشون . والحديث مضى في الشهادات عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن الزهري ، عن عبيد الله إلخ ، وأخرجه بقية الجماعة . قوله : ولم يحصن على صيغة المجهول والمعلوم ، قوله : جلد مائة بالنصب بنزع الخافض أي بجلد مائة ، قوله : وتغريب عام عطف عليه . وفي التوضيح : في الحديث تغريب البكر مع الجلد وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد في إنكار التغريب ، قلت : أبو حنيفة يحتج بظاهر القرآن فإنه لا نفي فيه ، وقال مالك : ينفى البكر الحر ولا تغرب المرأة ولا العبد ، وقال الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي : يغرب المرأة والرجل ، واختلف قول الشافعي في نفي العبد ، وعند الشافعية : لا تغرب المرأة وحدها ، بل مع زوج ، أو محرم ، واختلف في المسافة التي تغرب إليها فروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : إلى فدك ، ومثله عن ابنه وبه قال عبد الملك ، وزاد إلى مثل الجيار من المدينة ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه : من الكوفة إلى البصرة ، وقال الشعبي : ينفيه من عمله إلى غيره ، وقال مالك : يغرب عاما في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه ، وعن أحمد : إلى قدر ما تقصر فيه الصلاة ، وقال أبو ثور : إلى ميل ، وأقل منه ، وقال ابن المنذر : يجزئ من ذلك ما يقع عليه اسم النفي قل أو كثر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب البكران يجلدان وينفيان · ص 13 قال ابن شهاب : وأخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب غرب ثم لم تزل تلك السنة . هذا موصول بالسند المذكور أي قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري : أخبرني عروة بن الزبير بن العوام أن عمر إلى آخره ، وهذا منقطع لأن عروة لم يسمع من عمر رضي الله عنه ، لكنه ثبت عن عمر من وجه آخر أخرجه الترمذي ، حدثني أبو كريب ، ويحيى بن أكتم قالا : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب ، وأن أبا بكر ضرب وغرب ، وأن عمر ضرب وغرب ، ورواه النسائي أيضا ، وابن خزيمة ، وصححه الحاكم ، وذكر الترمذي أن أكثر أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه موقوفا على أبي بكر ، وعمر رضي الله تعالى عنهما ، قوله : ثم لم تزل بفتح الزاي ، قوله : تلك السنة بالرفع ، والنصب أي دامت ، وزاد عبد الرزاق ، عن مالك ، ثم لم تزل تلك السنة حتى غرب مروان ثم ترك الناس ذلك يعني أهل المدينة .