17 - بَاب مَنْ قَالَ : لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ 628 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا ، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا ، قَالَ : ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ فِي السَّفَرِ أَذَانَيْنِ وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ : أَنَّ الْأَذَانَ فِي السَّفَرِ لَا يَتَكَرَّرُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤَيِّدُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي السَّفَرِ ، لِأَنَّ الْحَضَرَ أَيْضًا لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ ، وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى تَعَدُّدِهِمْ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِ الْبَلَدِ ، أَذَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي جِهَةٍ ، وَلَا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ التَّأْذِينَ جَمِيعًا بَنُو أُمَيَّةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ ، وَلَا يُؤَذِّنُ جَمَاعَةٌ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنْهُ مُؤَذِّنٌ ، يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . قوله ( في نفر ) هم من ثلاثة إلى عشرة . قوله ( من قومي ) هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة , وكان قدوم وفد بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة : أن واثلة الليثي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتجهز لتبوك . قوله ( رفيقا ) بفاء ثم قاف من الرفق , وفي رواية الأصيلي قيل والكشميهني بقافين أي رقيق القلب . قوله ( وصلوا ) زاد في رواية إسماعيل بن علية ، عن أيوب كما رأيتموني أصلي , وهو في باب رحمة الناس والبهائم من كتاب الأدب , ومثله في باب خبر الواحد من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب . قوله ( فإذا حضرت الصلاة ) وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهره يخالفها قوله : فكونوا فيهم ، وعلموهم ، فإذا حضرت . فظاهره : أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم ، لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا ، فإن فيها : إذا أنتما خرجتما فأذنا . ولا تعارض بينهما أيضا وبين قوله في هذه الترجمة : مؤذن واحد ، لأن المراد بقوله : أذنا ، أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن ، وذلك لاستوائهما في الفضل ، ولا يعتبر في الأذان السن ، بخلاف الإمامة ، وهو واضح من سياق حديث الباب ، حيث قال : فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم . واستدل بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان ، وعلى وجوب الأذان . وقد تقدم القول فيه في أوائل الأذان وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب . وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة من أبواب الإمامة ، إن شاء الله تعالى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ لِلْمُسَافِرِ بِالْإِفْرَادِ ، وَهُوَ لِلْجِنْسِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً ) هُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ أَذَانَ الْمُنْفَرِدِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا التَّأْذِينُ لِجَيْشٍ ، أَوْ رَكْبٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ ، فَيُنَادَى بِالصَّلَاةِ لِيَجْتَمِعُوا لَهَا ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ الْإِقَامَةُ . وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ : إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ وَهُوَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ ، وَبَالَغَ عَطَاءٌ فَقَالَ : إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدِ الصَّلَاةَ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، أَوْ يَرَى اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لَا وُجُوبَهَا . قَوْلُهُ : ( وَالْإِقَامَةِ ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَانِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي كُلِّ حَالٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقَامَ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ . قَوْلُهُ : ( وَجَمْعٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ مُزْدَلِفَةُ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِيهِ : أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ ) هُوَ بِالْخَفْضِ أَيْضًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ · ص 130 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد · ص 538 17 - باب من قال : ليؤذن في السفر مؤذن واحد 628 - ثنا معلى بن أسد : ثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيما رقيقا ، فلما رأى شوقنا إلى أهلنا ، قال : ( ارجعوا ، فكونوا فيهم ، وعلموهم ، وصلوا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . مراده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مالك بن الحويرث وأصحابه بالرجوع إلى أهلهم ، وأمرهم إذا حضرت الصلاة أن يؤذن أحدهم ، كان دليلا على أن المسافرين لا يشرع لهم تكرير الأذان وإعادته مرتين في الفجر ولا في غيره . ويعضد هذا : أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له في السفر مؤذنان ، يؤذن أحدهما بعد الآخر . وحديث زياد بن الحارث الصدائي المتقدم يدل على ذلك . ولكن اللفظ الذي ساقه البخاري في هذا الباب إنما يدل على أنه أمرهم بذلك إذا رجعوا إلى أهليهم ، لا أنه أمرهم به في سفرهم قبل وصولهم ، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي ، وترجم عليه النسائي : ( اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر ) . وقد خرجه البخاري في الباب الذي يلي هذا بلفظ صريح ، بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم وسفرهم ، فكان تخريجه بذلك اللفظ في هذا الباب أولى من تخريجه بهذا اللفظ الذي يدل على أنه لم يأمرهم بذلك في السفر . فإن قيل : بل قوله : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ) عام في السفر والحضر ، ولا يمنع من عمومه تخصيص أول الكلام بالحضر . قيل : إن سلم ذلك لم يكن فيه دليل على أنه لا تستحب الزيادة على مؤذن واحد في السفر خاصة ، لأن الكلام إذا كان شاملا للحضر والسفر فلا خلاف أنه في الحضر لا يكره اتخاذ مؤذنين ، فكيف خص كراهة ذلك بالسفر وقد شملها عموم واحد ؟ وفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي ، عن أبيه ، أنه لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( إذا حضرت صلاة فليؤذن لكم أحدكم ) - وذكر الحديث . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وأمره هذا لا يختص بحال سفرهم ، بل يشمل سفرهم وإقامتهم في حيهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد · ص 142 ( باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد ) أي هذا باب في بيان قول من قال إلى آخره ، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن واحدا من المسافرين إذا أذن يكفي ، ولا يحتاج إلى أذان البقية لأنه ربما كان يتخيل أنه لا يكفي الأذان إلا من جميعهم لأن حديث الباب يدل ظاهرا أن الأذان في السفر لا يتكرر ، سواء كان في الصبح أو في غيره . 24 - حدثنا معلى بن أسد قال : حدثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيما رفيقا ، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال : ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم . مطابقته للترجمة في قوله : " فليؤذن لكم أحدكم " . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : معلى بن أسد بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة أبو الهيثم البصري العمري ، أخو بهز بن أسد ، مات بالبصرة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين. الثاني : وهيب مصغر وهب بن خالد البصري الكرابيسي وقد تقدم. الثالث : أيوب السختياني وقد تقدم غير مرة. الرابع : أبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد. الخامس : مالك بن الحويرث مصغر الحارث بالثاء المثلثة ابن أشيم الليثي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه : القول في موضعين ، وفيه : أن رواته كلهم بصريون ، وفيه : رواية التابعي عن التابعي على قول من قال : إن أيوب رأى أنس بن مالك . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن سليمان بن حرب ، وفي خبر الواحد عن محمد بن المثنى ، وفي الأدب عن مسدد ، وفي الصلاة أيضا عن محمد بن يوسف ، وفيه : وفي الجهاد عن أحمد بن يونس ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن زهير بن حرب ، وعن أبي الربيع الزهراني وخلف بن هشام ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي سعيد الأشبح ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد . وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي فيه عن حاجب بن الوليد ، وعن زياد بن أيوب ، وعن علي بن حجر ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف . ( ذكر معناه ) قوله : " في نفر " بفتح الفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ، والنفير مثله ولا واحد له من لفظه ، وسموا بذلك لأنهم إذا حزبهم أمر اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم ، وفي ( الواعي ) ولا يقولون عشرون نفرا ولا ثلاثون نفرا . قوله : " من قومي " هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة . قوله : " " فأقمنا عنده " أي : عند النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة المراد بأيامها بدليل الرواية الثانية في الباب " بعد عشرين يوما وليلة " . قوله : " وكان " أي : النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " رحيما " بمعنى ذا رحمة وشفقة ورقة قلب . قوله : " رقيقا " بقافين في رواية الأصيلي ، قيل : والكشميهني أيضا ومعناه كان رقيق القلب ، وفي رواية غيرهما " رفيقا " بالفاء أولا ثم بالقاف من الرفق ، وقال النووي : رواية البخاري بوجهين بالقافين وبالفاء والقاف ، ورواية مسلم بالقافين خاصة ، وقال ابن قرقول : رواية القابسي بالفاء والأصيلي وأبي الهيثم بالقاف . قوله : " إلى أهلينا " هو جمع أهل والأهل من النوادر حيث يجمع مكسرا نحو الأهالي ومصححا بالواو والنون نحو الأهلون وبالألف والتاء نحو الأهلات . قوله : " ارجعوا " من الرجوع لا من الرجع . قوله : " وصلوا " زاد في رواية إسماعيل بن علية عن أيوب : " كما رأيتموني أصلي " . قوله : " فإذا حضرت الصلاة " يعني إذا حان وقتها . قوله : " فليؤذن لكم أحدكم " ( فإن قلت ) : في الرواية الآتية في الباب الذي يليه في حديث مالك بن الحويرث أيضا " إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما " وبينهما تعارض ظاهر . ( قلت ) : قيل : معناه من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن ، وذلك لاستوائهما في الفضل وفيه نظر ، وقال الكرماني : قد يقال : فلان قتله بنو تميم مع أن القاتل واحد منهم ، وكذا في الإنشاء ، يقال : يا تميم اقتلوه . ( قلت ) : حاصله أن التثنية تذكر ويراد به الواحد مثل قوله : قفا نبك ومراده الخطاب للواحد وكذلك يأتي في الجمع ، وقال التيمي : المراد من قوله : أذنا الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ . ( ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث ) الرواية هاهنا " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي " وعن خالد بن أبي قلابة في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة أتى رجلان النبي صلى الله عليه وسلم يريدان السفر ، فقال : " إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ، ثم ليؤمكما أكبركما " وفي باب : " الاثنان فما فوقهما جماعة إذا حضرت الصلاة فأذنا " الحديث ، وفي باب : " إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم " قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون ، وفيه : " لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا ، وفي إجازة خبر الواحد ، فلما ظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا سألنا عمن تركنا بعدنا ، فأخبرناه فقال : ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها ، وصلوا كما رأيتموني أصلي " الحديث ، وفي باب : رحمة الناس والبهائم نحوه ، وعند أبي داود : " كنا يومئذ متقاربين في العلم " وفي رواية لأبي قلابة : " فأين القرآن ؟ قال : إنهما كانا متقاربين وفي رواية ابن حزم : " متقارنين " بالنون في الموضعين من المقارنة ، يقال : فلان قرين فلان إذا كان قرينه في السن وكذا إذا كان في العلم ، وقال القرطبي : يحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت منه في وفادتين أو في وفادة واحدة غير أن النقل تكرر منه ومن النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الأمر بأذان للجماعة وهو عام للمسافر وغيره وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر إلا عطاء ، فإنه قال : إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة وإلا مجاهدا فإنه قال : إذا نسي الإقامة أعاد وأخذا بظاهر الأمر وهو : أذنا وأقيما ، وقيل : الإجماع صارف عن الوجوب ، وفيه نظر وحكى الطبري عن مالك أنه يعيد إذا ترك الأذان ومشهور مذهبه الاستحباب ، وفي ( المختصر ) عن مالك ولا أذان على مسافر ، وإنما الأذان على من يجتمع إليه لتأذينه وبوجوبه على المسافر ، قال داود : قالت طائفة : هو مخير إن شاء أذن وأقام ، وروي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه ، وهو قول عروة والثوري والنخعي ، وقالت طائفة : تجزيه الإقامة ، روي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح ، فإنه كان يؤذن لها ويقيم ، وقال قاضيخان من أصحابنا : رجل صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يكره ، قال : فالكراهة مقصورة على المسافر ، ومن صلى في بيته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم ليكون على هيئة الجماعة ، ولهذا كان الجهر بالقراءة في حقه أفضل وقال القرطبي في قوله : " ثم ليؤمكما أكبركما " يدل على تساويهما في شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن . ( قلت ) : لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال لأنهم هاجروا جميعا ، وأسلموا جميعا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازموه عشرين ليلة ، فاستووا في الأخذ عنه فلم يبق ما يقدم به إلا السن . وفيه حجة لأصحابنا في تفضيل الإمامة على الأذان لأنه صلى الله عليه وسلم قال : " ليؤمكما أكبركما " خص الإمامة بالأكبر . وفيه : دليل على أن الجماعة تصح بإمام ومأموم وهو إجماع المسلمين . وفيه : الحض على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر . وفيه : أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين .