650 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ مُغْضَبٌ ، فَقُلْتُ : مَا أَغْضَبَكَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ سَالِمًا ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هِيَ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّةُ لَا الْكُبْرَى الصَّحَابِيَّةُ لِأَنَّ الْكُبْرَى مَاتَتْ فِي حَيَاةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَعَاشَتِ الصُّغْرَى بَعْدَهُ زَمَانًا طَوِيلًا . وَقَدْ جَزَمَ أَبُو حَاتِمٍ بِأَنَّ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يُدْرِكْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ الْكُبْرَى . وَفَسَّرَهَا الْكِرْمَانِيُّ هُنَا بِصِفَاتِ الْكُبْرَى ، وَهُوَ خَطَأٌ لِقَوْلِ سَالِمٍ : سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَ الصُّغْرَى هَجِيمَةُ ، وَالْكُبْرَى خَيِّرَةُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ ، وَلِلْبَاقِينَ مِنْ مُحَمَّدٍ بِحَذْفِ الْمُضَافِ ، وَعَلَيْهِ شَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالَ : يُرِيدُ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَكَذَا سَاقَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدٍ وَمُسْتَخْرَجَيِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَعِنْدَهُمْ مَا أَعْرِفُ فِيهِمْ أَيْ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، وَكَأَنَّ لَفْظَ فِيهِمْ لَمَّا حُذِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ صَحَّفَ بَعْضُ النَّقَلَةِ أَمْرَ بِأُمَّةٍ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ . قَوْلُهُ : ( يُصَلُّونَ جَمِيعًا ) أَيْ مُجْتَمِعِينَ ، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ وَتَقْدِيرُهُ الصَّلَاةُ أَوِ الصَّلَوَاتُ ، وَمُرَادُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ أَعْمَالَ الْمَذْكُورِينَ حَصَلَ فِي جَمِيعهَا النَّقْصُ وَالتَّغْيِيرُ إِلَّا التَّجْمِيعَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ ، لِأَنَّ حَالَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ كَانَ أَتَمَّ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَهَا ، ثُمَّ كَانَ فِي زَمَنِ الشَّيْخَيْنِ أَتَمَّ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَهُمَا ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَصْرُ الْفَاضِلُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنَ الطَّبَقَاتِ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ ؟ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْغَضَبِ عِنْدَ تَغَيُّرِ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِإِظْهَارِ الْغَضَبِ ، إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَالْقَسَمُ عَلَى الْخَبَرِ لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ · ص 161 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فَضْلِ صَلاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةِ · ص 37 الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 650 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص ، ثنا أَبِي ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت سالماً ، قَالَ : سَمِعْت أم الدرداء تَقُول : دَخَلَ عَلِيّ أبو الدرداء وَهُوَ مغضب ، فَقُلْت : مَا أغضبك ؟ فَقَالَ : والله مَا أعرف من أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم شيئاً ، إلا أنهم يصلون جميعاً . وليس فِي هَذَا الحَدِيْث ذكر للجماعة فِي صلاة الفجر بخصوصها ، وإنما فِيهِ أن الصلاة فِي الجماعة من أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ودينه وشرعه ، فهو كقول ابن مسعودٍ : إن الله شرع لنبيه سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، وقد تقدم ذكره . وفي رِوَايَة للإمام أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث : ( إلا الصلاة ) . وهذا بخلاف قَوْلِ أَنَس : مَا أعرف شيئاً مِمَّا كَانَ عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل : الصلاة ؟ قَالَ : أليس قَدْ صنعتم ما صنعتم فيها ؟ وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر . وخرجه - أيضاً - بلفظ آخر ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ يبكي - : لا أعرف شيئاً مِمَّا أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قَدْ ضيعت . وأشار أَنَس إلى مَا أحدثه بنو أمية من تضييع مواقيت الصلاة ، وكان أبو الدرداء قَدْ توفي قَبْلَ ذَلِكَ فِي زمن معاوية . يبين هَذَا : مَا خرجه الإمام أحمد من رِوَايَة ثابت ، عَن أَنَس ، قَالَ : مَا أعرف فيكم اليوم شيئاً كُنْتُ أعهده عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس قولكم : لا إله إلا الله ، قُلتُ : يَا أَبَا حَمْزَة الصلاة ؟ قَالَ : قَدْ صليتم حِينَ تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وفي رِوَايَة للإمام أحمد من حَدِيْث عُثْمَان بْن سعد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أوليس قَدْ علمت مَا قَدْ صنع الحجاج فِي الصلاة ؟ ! وكان هَذَا الإنكار عَلَى الأمراء ، كما رَوَى أبو إِسْحَاق ، عَن معاوية بْن قرة ، قَالَ : دخلت أنا ونفر معي عَلَى أنس بْن مَالِك ، فَقَالَ : مَا أمراؤكم هؤلاء عَلَى شيء مِمَّا كَانَ عَلِيهِ مُحَمَّد وأصحابه ، إلا أنهم يزعمون أنهم يصلون ويصومون رمضان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل صلاة الفجر في جماعة · ص 168 45 - حدثنا عمر بن حفص قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : سمعت سالما قال : سمعت أم الدرداء تقول : دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب فقلت : ما أغضبك ؟ فقال : والله ما أعرف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا . مطابقته للترجمة من حيث إن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع فيها النقص والتغيير ما خلا صلاتهم بالجماعة ، ولم يقع فيها شيء من ذلك ، فدل ذلك على أن فضل الصلاة بالجماعة عظيم . ( فإن قلت ) الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر ، والذي يفهم من هذا الحديث أعم من ذلك ، فكيف يكون التطابق . ( قلت ) : إذا طابق جزء من الحديث الترجمة يكفي ، ومثل هذا وقع له كثيرا في هذا الكتاب . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عمر بن حفص النخعي الكوفي . الثاني : أبوه حفص بن غياث بن طلق النخعي . الثالث : سليمان الأعمش . الرابع : سالم بن أبي الجعد . الخامس : أم الدرداء التي اسمها هجيمة وهي أم الدرداء الصغرى التابعية لا الكبرى التي اسمها خيرة ، وهي الصحابية ، وإنما قلنا كذلك لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء ، وعاشت الصغرى بعده بزمان طويل ، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء ، فعلى هذا لم يدرك أم الدرداء الكبرى ، وقال الكرماني : أم الدرداء هي خيرة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بنت أبي حدرد الأسلمية من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن ماتت بالشام في خلافة عثمان . ( قلت ) : هذا سهو منه والصحيح ما ذكرناه . السادس : أبو الدرداء واسمه عويمر بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في سبعة مواضع ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه رواية التابعية عن الصحابي ، وفيه رواية التابعي عن التابعية ، وفيه أن رواته الأربعة كوفيون . وهذا من أفراد البخاري رضي الله تعالى عنه . ( ذكر معناه ) قوله : مغضب بفتح الضاد المعجمة . قوله : ما أعرف من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كذا في رواية أبي ذر وكريمة ، وفي رواية الباقين من محمد بدون لفظة أمة وعليه شرح ابن بطال ومن تبعه فقال : يريد من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم شيئا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة ، فحذف المضاف إليه لدلالة الكلام عليه ، ووقع في رواية أبي الوقت من أمر محمد بفتح الهمزة وسكون الميم ، وفي آخره راء ، وكذا ساقه الحميدي في ( جمعه ) وكذا هو في ( مسند أحمد ) و( مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم ) من طرق عن الأعمش وعندهم بلفظ ما أعرف فيهم أي : في أهل البلد الذي كان فيه أبو الدرداء ، قيل : كان لفظ فيهم لما حذف من رواية البخاري صحف بعض النقلة لفظ أمر بلفظة أمة ليعود الضمير في أنهم على الأمة . ( قلت ) : لا محذور في كون لفظة أمة بل الظاهر هذا على ما لا يخفى . قوله : يصلون جميعا أي : مجتمعين وانتصابه على الحال ومفعول يصلون محذوف تقديره يصلون الصلاة أو الصلوات . ( ومما يستفاد منه ) جواز الغضب عند تغير شيء من أمور الدين وجواز إنكار المنكر بالغضب إذا لم يستطع أكثر من ذلك .