7 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ . وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَقُولُ جَهَنَّمُ : قَطْ قَطْ ، وَعِزَّتِكَ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وهو آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ . وَقَالَ أَيُّوبُ : وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لي عَنْ بَرَكَتِكَ . 7383 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَوَقَعَتْ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ وَتَكَرَّرَتْ فِي بَعْضِهَا ، وَأَوَّلُ مَوْضِعٍ وَقَعَ فِيهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فَأَوَّلُ مَا وَقَعَ فِي الْبَقَرَةِ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَهْلِ مَكَّةَ : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ الْآيَةَ ، وَآخِرُهَا : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتَكَرَّرَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ : عَزِيزٌ حَكِيمٌ بِغَيْرِ لَامٍ فِيهِمَا فِي عِدَّةٍ مِنَ السُّوَرِ . وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَفِي إِضَافَةِ الْعِزَّةِ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : ذُو الْعِزَّةِ ، وَأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِزَّةِ هُنَا الْعِزَّةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ ، فَالرَّبُّ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْخَالِقِ وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِزَّةِ لِلْجِنْسِ ، فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ كُلُّهَا لِلَّهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُعْتَزًّا إِلَّا بِهِ ، وَلَا عِزَّةَ لِأَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ مَالِكُهَا ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَيُعْرَفُ حُكْمُهَا مِنَ الثَّانِيَةِ ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ جَوَابًا لِمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ الْأَعَزُّ وَأَنَّ ضِدَّهُ الْأَذَلُّ ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ قَوْلُهُ : ( وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : وَسُلْطَانِهِ بَدَلَ وَصِفَاتِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بَابُ الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ هُنَاكَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْعَزِيزُ : يَتَضَمَّنُ الْعِزَّةَ ، وَالْعِزَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ ، وَأَنْ تَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْقَهْرِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَالْغَلَبَةِ لَهُمْ ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ إِضَافَةُ اسْمِهِ إِلَيْهَا ، قَالَ : وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ ذَاتِهِ وَالْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي صِفَةُ فِعْلِهِ ، بِأَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ ، بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْحَلِفِ بِهَا ، كَمَا نُهِيَ عَنِ الْحَلِفِ بِحَقِّ السَّمَاءِ وَحَقِّ زَيْدٍ . قُلْتُ : وَإِذَا أَطْلَقَ الْحَالِفُ انْصَرَفَ إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ وَانْعَقَدَتِ الْيَمِينُ إِلَّا إِنْ قَصَدَ خِلَافَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ : وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْعَزِيزُ : الَّذِي يَقْهَرُ وَلَا يُقْهَرُ ؛ فَإِنَّ الْعِزَّةَ الَّتِي لِلَّهِ هِيَ الدَّائِمَةُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمَمْدُوحَةُ ، وَقَدْ تُسْتَعَارُ الْعِزَّةُ لِلْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ ، فَيُوصَفُ بِهَا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَهِيَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا فَمَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَزَّ فَلْيَكْتَسِبِ الْعِزَّةَ مِنَ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهَا لَهُ ، وَلَا تُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ أَثْبَتَهَا لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ تَرِدُ الْعِزَّةُ بِمَعْنَى الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ وَبِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَمِنْهُ : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ وَبِمَعْنَى الْقِلَّةِ كَقَوْلِهِمْ : شَاةٌ عَزُوزٌ ، إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا ، وَبِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : أَرْضٌ عَزَازٌ ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا - أَيْ : صُلْبَةٌ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْعِزَّةُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ فَتَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِالتَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الْعِزَّةِ لِلَّهِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ الْعَزِيزُ بِلَا عِزَّةٍ ، كَمَا قَالُوا : الْعَلِيمُ بِلَا عِلْمٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : ( قَوْلُهُ : وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَقُولُ جَهَنَّمُ : قَطْ قَطْ ، وَعِزَّتِكَ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مَعَ شَرْحِهِ ، وَيَأْتِي مَزِيدُ كَلَامٍ فِيهِ فِي بَابِ قَوْلِهِ : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَقَدْ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا هُنَا فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَ عَنْ جَهَنَّمَ أَنَّهَا تَحْلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ ، وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ ، فَيَحْصُلُ الْمُرَادُ سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ النَّاطِقَةُ حَقِيقَةً أَمِ النَّاطِقُ غَيْرُهَا كَالْمُوَكَّلِينَ بِهَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي : ( قَوْلُهُ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ : لَا وَعِزَّتِكَ وَتَوْجِيهُهُ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : ( قَوْلُهُ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَذْكُورٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ : عَشْرَةُ أَمْثَالِهِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : ( قَوْلُهُ : وَقَالَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا غَنَاءً وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، وَأَوَّلُهُ : بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ : لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ الْحَدِيثَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ( أَبُو مَعْمَرٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمِنْقَرِيُّ ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ ، وَ عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ ضَمُّ مِيمِهِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَقُولُ : أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْعَائِدُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ نَفْسُ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فَيَحْصُلُ الِارْتِبَاطُ . وَمِثْلُهُ : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ؛ لِأَنَّ نَسَقَ الْكَلَامِ سَمَّتْهُ أُمُّهُ . قَوْلُهُ : ( الَّذِي لَا يَمُوتُ ) بِلَفْظِ الْغَائِبِ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ . قَوْلُهُ : ( وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَمُوتُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَا اعْتِبَارَ لَهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَيُعَارِضُهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، وَهُوَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْجِنِّ ؛ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الِاسْتِتَارِ عَنْ عُيُونِ الْإِنْسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ قَتَادَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شُعْبَةَ فِي تَفْسِيرِ ق ، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ : خَلِيفَةَ وَهُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْبَصْرِيُّ ، وَلَقَبُهُ شَبَابٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ : لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَ سُلَيْمَانُ هُوَ التَّيْمِيُّ وَالِدُ مُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ : لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ ، وَفِي أَوَّلِهِ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ · ص 380 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم · ص 88 باب قول الله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ومن حلف بعزة الله وصفاته . أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذكر فيه ثلاث قطع من ثلاث آيات . ( الأولى ) قوله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالعزيز متضمن للعزة ، ويجوز أن يكون صفة ذات ، يعني القدرة والعظمة ، وأن يكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ، وقال الحليمي : معناه الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه ، فإن العزيز في لسان العرب من العزة وهي الصلابة ، وقال الخطابي : العزيز المنيع الذي لا يغلب ، والعز قد يكون من الغلبة ، يقال : منه عز يعز بفتح العين ، وقد يكون بمعنى نفاسة القدر ، يقال : منه عز يعز بكسر العين ، فيؤول معنى العز على هذا ، وأنه لا يعازه شيء . قوله : الحكيم متضمن لمعنى الحكمة ، وهو إما صفة ذات يكون بمعنى العلم ، والعلم من صفات الذات ، وإما صفة فعل بمعنى الأحكام . ( الآية الثانية ) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ففي إضافة العزة إلى الربوبية إشارة إلى أن المراد ههنا القهر والغلبة ، ويحتمل أن يكون الإضافة للاختصاص ، كأنه قيل : ذو العزة ، وأنها من صفات الذات ، والتعريف في العزة للجنس ، فإذا كانت العزة كلها لله تعالى فلا يصح أن يكون أحد معتزا إلا به ، ولا عزة لأحد إلا وهو مالكها . ( والآية الثالثة ) يعرف حكمها من الثانية ، وهي بمعنى الغلبة ؛ لأنها جواب لمن ادعى أنه الأعز وأن ضده الأذل ، فرد عليه بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فهو كقوله : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ قوله : ومن حلف بعزة الله وصفاته كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي وسلطانه بدل وصفاته ، والأول أولى ، وقد تقدم في كتاب الأيمان والنذور باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه ، وقد تقدم الكلام فيه ، وقال ابن بطال ما ملخصه : الحالف بعزة الله التي هي صفة ذات يحنث ، والحالف بعزة الله التي هي صفة فعل لا يحنث ، بل هو منهي عن الحلف بها كما نهي عن الحلف بحق السماء وحق زيد ، انتهى ، لكن إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقد اليمين ، إلا إن قصد خلاف ذلك . وقال أنس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تقول جهنم : قط قط وعزتك . هذا طرف من حديث مطول مضى في تفسير سورة ( ق ) والمراد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقل عن جهنم أنها تحلف بعزة الله ، وأقرها على ذلك ، فيحصل المراد سواء كانت هي الناطقة حقيقة أم الناطق غيرها كالموكلين بها . وقال أبو هريرة : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يبقى رجل بين الجنة والنار آخر أهل النار دخولا الجنة ، فيقول : رب اصرف وجهي عن النار ، لا وعزتك لا أسألك غيرها ، قال أبو سعيد : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله - عز وجل - : لك ذلك وعشرة أمثاله . مطابقة هذا والذي قبله للترجمة ظاهرة . هذا طرف حديث طويل تقدم مع شرحه في آخر كتاب الرقاق . قوله : يبقى رجل يروى أن اسمه جهينة بالجيم والنون ، قيل : ليس كلام هذا حجة ، وأجيب بأن حكاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التقرير والتصديق حجة . قوله : وقال أبو سعيد من تتمة حديث أبي هريرة ، قاله الكرماني ، قلت : ليس كذلك ، بل المراد أن أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور إلا ما ذكره من الزيادة في قوله : عشرة أمثاله . وقال أيوب : وعزتك لا غنى بي عن بركتك . هذا أيضا طرف من حديث لأبي هريرة مضى في كتاب الأيمان والنذور ، وتقدم أيضا موصولا في كتاب الطهارة في الغسل ، وأوله : بينا أيوب يغتسل ، وتقدم أيضا في أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - مع شرحه ، ووقع في رواية الحاكم : لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب ، الحديث . قوله : لا غنى بي بالقصر في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : لا غناء ممدودا ، وكذا في رواية أبي ذر للسرخسي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم · ص 90 12 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا حسين المعلم ، حدثني عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والإنس يموتون . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد البصري ، وعبد الوارث بن سعيد ، وحسين هو ابن ذكوان ، وعبد الله بن بريدة بضم الباء الموحدة ابن حصيب الأسلمي قاضي مرو ، مات بمرو ، ويحيى بن يعمر بلفظ المضارع بفتح الميم وبضمها أيضا ، والفتح أشهر ، وهو القاضي بمرو أيضا . والحديث أخرجه مسلم في الدعاء عن حجاج بن المسارع ، وأخرجه النسائي في النعوت عن عثمان بن عبد الله . قوله : الذي لا إله إلا أنت قيل : ما العائد للموصول ؟ وأجيب بأنه إذا كان المخاطب نفس المرجوع إليه يحصل الارتباط ، وكذلك المتكلم نحو : أنا الذي سمتني أمي حيدرة قوله : لا يموت بلفظ الغائب ، ويروى بالخطاب . قوله : والجن والإنس يموتون استدلت به طائفة على أن الملائكة لا تموت ، ولا يصح هذا الاستدلال ؛ لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار به ، فيعارضه ما هو أقوى منه ، وهو عموم قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ وقال بعضهم : لا مانع من دخول الملائكة في مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستتار ، قلت : هذا كلام واه ؛ لأن مسمى الجن غير مسمى الملائكة ، ولا يلزم من استتارهم عن أعين الناس صحة دخول الملائكة الذين هم من النور في الجن الذين خلقوا من مارج من نار .