23 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِأَخِيهِ : اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ، يُقَالُ : ذِي الْمَعَارِجِ الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ 7429 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهمْ ، فَيَقُولُ : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ، فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْحَدِيثَ ، ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ، يُقَالُ : ذِي الْمَعَارِجِ : الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ ) أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَأَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي الْكَلَامِ الْأَخِيرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ : وَالْمَعَارِجُ مِنْ نَعْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ذِي الْمَعَارِجِ أَيِ : الْفَوَاضِلِ الْعَالِيَةِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَأَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ لَهَا فِي الْأَثَرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا : الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَدَاءُ فَرَائِضِ اللَّهِ ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رَدَّ كَلَامَهُ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ ، أَيْ : يُتَقَبَّلُ الْكَلَامُ الطَّيِّبُ إِذَا كَانَ مَعَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ فَمَضَى مَوْصُولًا فِي بَابِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ وَسَاقَهُ هُنَاكَ بِطُولِهِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ لِأَخِيهِ : اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ ثَمَّةَ ، قَالَ الرَّاغِبُ : الْعُرُوجُ ذَهَابٌ فِي صُعُودٍ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَارِعِ : الْمَعَارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَالْمَصَاعِدِ جَمْعُ مَصْعَدٍ ، وَالْعُرُوجُ الِارْتِقَاءُ ، يُقَالُ : عَرَجَ بِفَتْحِ الرَّاءِ يَعْرُجُ بِضَمِّهَا عُرُوجًا وَمَعْرَجًا ، وَالْمِعْرَجُ الْمَصْعَدُ ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي تَعْرُجُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَالْمِعْرَاجُ شَبِيهُ السُّلَّمِ أَوْ دَرَجٌ تَعْرُجُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ إِذَا قُبِضَتْ ، وَحَيْثُ تَصْعَدُ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُوَ الَّذِي يُعَانِيهِ الْمَرِيضُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَيَشْخَصُ فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ بَالِغٌ فِي الْحُسْنِ بِحَيْثُ إِنَّ النَّفْسَ إِذَا رَأَتْهُ لَا تَتَمَالَكُ أَنْ تَخْرُجَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : صُعُودُ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالصَّدَقَةِ الطَّيِّبَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَبُولِ ، وَعُرُوجُ الْمَلَائِكَةِ هُوَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي السَّمَاءِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ التَّعْبِيرِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِلَى اللَّهِ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنِ السَّلَفِ فِي التَّفْوِيضِ ، وَعَنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ فِي التَّأْوِيلِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : غَرَضُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الْمُجَسِّمَةِ فِي تَعَلُّقِهَا بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ فَقَدْ كَانَ وَلَا مَكَانَ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْمَعَارِجَ إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ ، وَمَعْنَى الِارْتِفَاعِ إِلَيْهِ اعْتِلَاؤُهُ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنِ الْمَكَانِ ، انْتَهَى . وَخَلْطُهُ الْمُجَسِّمَةَ بِالْجَهْمِيَّةِ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُسْمَعُ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِبَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاحِدَةِ . الْحَدِيثُ الَأَوَّلُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، إِسْمَاعِيلُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَعْنَى الْعُلُوِّ فِي حَقِّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ · ص 426 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ · ص 427 7430 - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ . وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ فِي شَرْحِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ الْمَشْهُورُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ فَذَكَرَهُ ، مِثْلَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ سَوَاءً ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ وَبَيَّضَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، ثُمَّ قَالَ : رَوَاهُ ، فَقَالَ : وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، لَكِنْ خَالَفَ فِي شَيْخِ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ : عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَدَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَمُوَافَقَةُ الْجَوْزَقِيِّ لَهَا عَلَى أَنَّ لِخَالِدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ ، كَمَا أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ وَرْقَاءُ ) يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ ) ، يُرِيدُ أَنَّ رِوَايَةَ وَرْقَاءَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ إِلَّا فِي شَيْخِ شَيْخِهِمَا ، فَعِنْدَ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَعِنْدَ وَرْقَاءَ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا فِي السَّنَدِ ، وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ : الطَّيِّبَ فَإِنَّهُ فِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ : طَيِّبٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، فَوَقَعَ عِنْدَهُ الطَّيِّبَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : مِثْلَ أُحُدٍ عِوَضُ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ : مِثْلَ الْجَبَلِ ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ : يَتَقَبَّلُهَا ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : يَقْبَلُهَا مُخَفَّفًا بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ ، وَقَوْلُهُ : يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا وَهِيَ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الزَّكَاةِ أَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ الْمُعَلَّقَةِ ثُمَّ وَجَدْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ كِتَابَتِي هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابُ الزَّكَاةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذِكْرُ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ حُسْنُ الْقَبُولِ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ مِنْ ذَوِي الْأَدَبِ بِأَنْ تُصَانَ الْيَمِينُ عَنْ مَسِّ الْأَشْيَاءِ الدَّنِيئَةِ ، وَإِنَّمَا تُبَاشَرُ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَهَا قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَلَيْسَ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَةِ الْيَدَيْنِ شِمَالٌ ؛ لِأَنَّ الشِّمَالَ لِمَحَلِّ النَّقْصِ فِي الضَّعِيفِ ، وَقَدْ رُوِيَ : كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَلَيْسَ الْيَدُ عِنْدَنَا الْجَارِحَةُ إِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ فَنَحْنُ نُطْلِقُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا نُكَيِّفُهَا وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، انْتَهَى . وَقَدْ مَضَى بَعْضُ مَا يُتَعَقَّبُ بِهِ كَلَامُهُ فِي بَابِ قَوْلِهِ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه · ص 117 باب قول الله تعالى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وقوله جل ذكره : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ إلى آخره ، ذكر هاتين القطعتين من الآيتين الكريمتين ، وأراد بالأولى الرد على الجهمية المجسمة في تعلقهم بظاهر قوله تعالى : ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه ، فقد كان ولا مكان ، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ، والمعارج جمع معرج كالمصاعد جمع مصعد ، والعروج الارتقاء ، يقال : عرج بفتح الراء يعرج بضمها عروجا ومعرجا ، والمعرج المصعد والطريق الذي تعرج فيه الملائكة إلى السماء ، والمعراج شبيه سلم أو درج تعرج فيه الأرواح إذا قبضت وحيث تصعد أعمال بني آدم ، وقال الفراء : المعارج من نعت الله ، ووصف بذلك نفسه ؛ لأن الملائكة تعرج إليه ، وقيل : معنى قوله : ذِي الْمَعَارِجِ أي : الفواضل العالية . قوله : وَالرُّوحُ اختلف فيه ، فقيل : جبريل - عليه السلام - وقيل : ملك عظيم تقوم الملائكة صفا ويقوم وحده صفا ، قال الله - عز وجل - : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وقيل : هو خلق من خلق الله تعالى ، لا ينزل ملك إلا ومعه اثنان منهم ، وعن ابن عباس أنه ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة ، وقيل : هم خلق كخلق بني آدم لهم أيد وأرجل ، وأما الآية الثانية فرد شبهتهم أيضا ؛ لأن صعود الكلم إليه لا يقتضي كونه في جهة ؛ إذ الباري سبحانه وتعالى لا تحويه جهة ؛ إذ كان موجودا ولا جهة ، ووصف الكلم بالصعود إليه مجاز ؛ لأن الكلم عرض والعرض لا يصح أن ينتقل . قوله : الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قيل : القرآن ، والعمل الصالح يرفعه القرآن ، وعن قتادة : العمل الصالح يرفعه الله - عز وجل - والعمل الصالح أداء فرائض الله تعالى . وقال أبو جمرة : عن ابن عباس : بلغ أبا ذر مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لأخيه : اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء . أبو جمرة بالجيم والراء نضر بن عمران الضبعي البصري ، وهذا التعليق مضى موصولا في باب إسلام أبي ذر . قوله : اعلم من العلم . قوله : لي أي : لأجلي أو من الإعلام ، أي : أخبرني خبر هذا الرجل الذي بمكة يدعي النبوة . وقال مجاهد : العمل الصالح يرفع الكلم الطيب . هذا التعليق وصله الفريابي من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وهو قول ابن عباس ، وزاد فيه مجاهد : والعمل الصالح ، أي : أداء فرائض الله ، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وكان أولى به . يقال : ذي المعارج الملائكة تعرج إليه . أي قال : معنى ذي المعارج الملائكة العارجات . قوله : إليه أي : إلى الله ، ويروى : إلى الله أيضا . 57 - حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ، وهو أعلم بكم ، فيقول : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون . مطابقته للترجمة ظاهرة . وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث مضى في أوائل كتاب الصلاة في باب فضل صلاة العصر ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : يتعاقبون أي : يتناوبون ، وهو نحو : أكلوني البراغيث ، والسؤال عن التزكية ، فقالوا : وأتيناهم وهم يصلون ، فزادوا على الجواب إظهارا لبيان فضيلتهم واستدراكا لما قالوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وأما اتفاقهم في هذين الوقتين فلأنهما وقتا الفراغ من وظيفتي الليل والنهار ووقت رفع الأعمال ، وأما اجتماعهم فهو من تمام لطف الله بالمؤمنين ليكونوا لهم شهداء ، وأما السؤال فلطلب اعتراف الملائكة بذلك ، وأما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك ذكر الذين ظلوا فإما اكتفاء بذكر اجتماعهما عن الأخرى ، وإما لأن الليل مظنة المعصية ومظنة الاستراحة ، فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك ، وإما لأن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرف الليل فذكره كالتكرار .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه · ص 118 وقال خالد بن مخلد : حدثنا سليمان ، حدثني عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب ، فإن الله يتقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يصعد إلى الله إلا الطيب . وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام ، وسليمان هو ابن بلال ، وأبو صالح ذكوان الزيات . والحديث مضى في أوائل الزكاة في باب الصدقة من كسب طيب مسندا ، وهذا معلق ، وأخرجه مسلم عن أحمد بن عثمان عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال ، لكن خالف في شيخ سليمان فقال : عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه . قوله : وقال خالد بن مخلد كذا هو عند جميع الرواة ، ووقع عند الخطابي في شرحه ، قال أبو عبد الله البخاري : حدثنا خالد بن مخلد . قوله : بعدل تمرة بكسر العين وفتحها بمعنى المثل ، وقيل : بالفتح ما عادله من جنسه ، وبالكسر ما ليس من جنسه ، وقيل بالعكس ، والعدل بالكسر نصف الحمل ، وقال الخطابي : عدل التمرة ما يعادلها في قيمتها ، يقال : عدل الشيء مثله في القيمة وعدله مثله في المنظر . قوله : بيمينه فيه معنى حسن القبول ، فإن العادة جارية بأن تصان اليمين عن مس الأشياء الدنية ، وليس فيما يضاف إليه تعالى من صفة اليد شمال لأنها محل النقص والضعف ، وقد روي : كلتا يديه يمين ، وليست بمعنى الجارحة ، إنما هي صفة جاء بها التوقيف ، فنطلقها ولا نكيفها وننتهي حيث انتهى التوقيف . قوله : يتقبلها ، وفي رواية الكشميهني : يقبلها بدون التاء المثناة من فوق . قوله : لصاحبه ، وفي رواية المستملي : لصاحبها . قوله : فلوه بفتح الفاء وضمها وشدة الواو : الجحش والمهر إذا فطمه . ورواه ورقاء عن عبد الله بن دينار عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ولا يصعد إلى الله إلا طيب . أي : روى الحديث المذكور ورقاء بن عمر بن كليب ، أصله من خوارزم ، ويقال : من الكوفة ، سكن المدائن ، عن عبد الله بن دينار ، عن سعيد بن يسار ضد اليمين ، وأشار بهذا إلى أن رواية ورقاء موافقة لرواية سليمان بن بلال إلا في الشيخ ، فإن سليمان يروي عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، وورقاء يروي عن عبد الله بن دينار ، عن سعيد بن يسار ، وفي المتن متفقان إلا في قوله : الطيب ، فإن رواية ورقاء طيب بغير الألف واللام ، وهو معنى قول الكرماني : والفرق بين الطريقين أن الطيب في الأول معرفة ، وفي الثاني نكرة ، واقتصر على هذا الفرق ولم يذكر اختلاف الشيخ ، ثم إن تعليق ورقاء وصله البيهقي من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم عن ورقاء ، فوقع عنده الطيب بالألف واللام ، وقال في آخره : مثل أحد ، عوض مثل الجبل .