75 - بَاب إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ 724 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ : مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ . وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ ... بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ : مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِ الْإِثْمِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الشَّأْنُ وَالْحَالُ لَا مُجَرَّدُ الصِّيغَةِ ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْثَمَ ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ ، وَإِنْكَارُ أَنَسٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ ، فَعَلَى هَذَا تَسْتَلْزِمُ الْمُخَالَفَةُ التَّأْثِيمَ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَشِيدٍ مُلَخَّصًا . وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مَسْنُونٌ ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيمَ إِنَّمَا يَحْصُلُ عَنْ تَرْكِ وَاجِبٍ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : إِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ لَمَّا كَانَتْ مِنَ السُّنَنِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا الَّتِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْمَدْحَ عَلَيْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَهَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ ، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمِّ تَارِكِ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ آثِمًا . سَلَّمْنَا ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ التَّعَقُّبُ الَّذِي قَبْلَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَ الْوُجُوبَ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَمِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَمِنْ وُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ أَنَّ إِنْكَارَ أَنَسٍ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ فَصَلَاةُ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُسَوِّ صَحِيحَةٌ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ أَنَسًا مَعَ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ . وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَجَزَمَ بِالْبُطْلَانِ ، وَنَازَعَ مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِمَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ قَدَمَ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ لِإِقَامَةِ الصَّفِّ ، وَبِمَا صَحَّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ : كَانَ بِلَالٌ يُسَوِّي مَنَاكِبنَا وَيَضْرِبُ أَقْدَامَنَا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : مَا كَانَ عُمَرُ ، وَبِلَالٌ يَضْرِبَانِ أَحَدًا عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ التَّعْزِيرَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ . قَوْلُهُ : ( بُشَيْرٌ ) هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : ( مَا أَنْكَرْتَ مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، والْكُشْمِيهَنِيِّ : مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ عَهِدْتَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ) هُوَ أَبُو الرَّحَّالِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ أَخُو سَعِيدِ بْنِ عَبَيْدٍ رَاوِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَيْسَ لِعُقْبَةَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ الْمُعَلَّقُ ، وَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ سَمَاعِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ لَهُ مِنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ : حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ : جَاءَ أَنَسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا : مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : مَا أَنْكَرْتُ مِنْكُمْ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَذِهِ الْقَدْمَةُ لِأَنَسٍ غَيْرُ الْقَدْمَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ فِيهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ تَأْخِيرَ الظُّهْرِ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ كَمَا مَضَى ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ أَيْضًا غَيْرُ الْإِنْكَارِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا حَيْثُ قَالَ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا الصَّلَاةَ وَقَدْ ضُيِّعَتْ فَإِنَّ ذَاكَ كَانَ بِالشَّامِ وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَمْثَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ · ص 245 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصَّفَّ · ص 260 75 - باب إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصَّفَّ 724 - حدثنا معاذ بن أسد ، ثنا الفضل بن موسى ، أنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، أنه قدم المدينة ، فقيل لهُ : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : ما أنكرت شيئاً ، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف . وقال عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار : قدم علينا أنس المدينة ، بهذا . عقبة بن عبيد الطائي ، هوَ : أخو سعيد بن عبيد الذي روى هذا الحديث عن أنس ، ويكنى أبا الرحال . لم يخرج لهُ في الكتب الستة سوى هذا الحديث الذي علقه البخاري هاهنا . وقد خرج حديثه الإمام أحمد ، عن أبي معاوية ، عن عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار ، قالَ : قلت لأنس بن مالك : ما أنكرت من حالنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : أنكرت أنكم لا تقيمون الصفوف . وفي هذا الحديث دليل على أن تسوية الصفوف كانَ معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الناس غيروا ذَلِكَ بعده . والظاهر : أن أنس بن مالك إنما قالَ هذا في أوائل الأمر ، قبل أن يؤخر بنو أمية الصلوات عن مواقيتها ، فلما غير بنو أمية مواقيت الصلاة قالَ أنس : ما أعرف شيئا مما كانَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل لهُ : ولا الصلاة ؟ قالَ : أوليس قد صنعتم فيها ما صنعتم ، وقد سبق هذا الحديث في أوائل ( المواقيت ) . وأما استدلال البخاري به على إثم من لم يتم الصف ففيه نظر ؛ فإن هذا إنما يدل على أن هذا مما ينكر ، وقد ينكر المحرم والمكروه . وكان الاستدلال بحديث : ( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) على الإثم أظهر ، كما سبق التنبيه عليهِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من لم يتم الصفوف · ص 257 ( باب إثم من لم يتم الصفوف ) . أي هذا باب في بيان إثم من لا يتم الصفوف عند القيام إلى الصلاة . 112 - حدثنا معاذ بن أسد قال : أخبرنا الفضل بن موسى قال : أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الأنصاري ، عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن أنسا حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصفوف ، وإنكاره يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبة ، فتارك الواجب آثم ، وظاهر ترجمة البخاري يدل على أنه أيضا يرى وجوب التسوية ، والصواب . هذا لورود الوعيد الشديد في ذلك ، قيل : الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم ( قلت ) الإنكار يستلزم المنكر ، وفاعل المنكر آثم ، على أنه – صلى الله عليه وسلم - أمر بالتسوية ، والأصل في الأمر الوجوب ، إلا إذا دلت قرينة على غيره ، ومع ورود الوعيد على تركها ، وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم - من إقامة الصفوف ، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم ، وقال بعضهم وهو ضعيف : لأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون ؛ لأن التأثيم إنما يحصل من ترك واجب . ( قلت ) قول هذا القائل ضعيف ، بل هو كلام ظاهر الفساد ؛ لأنا لا نسلم أن حصول التأثيم منحصر على ترك الواجب ، بل التأثيم يحصل أيضا عن ترك السنة ، ولا سيما إذا كانت مؤكدة ، ومع القول بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته ؛ لأنها خارجة عن حقيقة الصلاة ، ألا ترى أن أنسا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة ؟ ولا يعتبر ما ذهب إليه ابن حزم من بطلان صلاته مستدلا بما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف . وبما صح عن سويد بن غفلة قال : كان بلال يسوي مناكبنا ، ويضرب أقدامنا في الصلاة ، فقال ابن حزم : ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب . قال بعضهم : فيه نظر ؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة . ( قلت ) في هذا النظر نظر ؛ لأن قائله قد ناقض في قوله حيث قال فيما مر عن قريب التأثيم : إنما يحصل عن ترك واجب ، فإذا لم يكن تارك السنة آثما فكيف يستحق التعزير ؟ بل الظاهر أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب ، ولاستحقاق الوعيد الشديد في الترك . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : معاذ بضم الميم ابن أسد أبو عبد الله المروزي ، نزل البصرة . الثاني : الفضل بن موسى المروزي السيناني بكسر السين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وتخفيف النون ، وبعد الألف نون أخرى نسبة إلى سينان قرية من قرى مرو ، ومات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة . الثالث : سعيد بن عبيد الطائي أبو الهذيل الكوفي . الرابع : بشير بضم الباء الموحدة ، وفتح الشين المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف ، وتخفيف السين المهملة ، وبعد الألف راء المدني ، مولى الأنصار . الخامس : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه بشير المذكور ليس له في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث ، والحديث أيضا من أفراد البخاري ، وفيه أن رواته ما بين مروزي ، وكوفي ، ومدني ، وتابع الفضل أبو معاوية ، وإسحاق الأزرقي ، عن سعيد ، كما أخرجه الإسماعيلي عنهما . ( ذكر معناه ) قوله : " أنه قدم المدينة " أي من بصرة ، قوله : " ما أنكرت " : أي أي شيء أنكرت منا منذ يوم عهدت ، وقد علمت أن منذ ومذ حرفا جر وهو الصحيح ، وقيل : اسمان مضافان ، فيكون بمعنى : " من " إن كان الزمان ماضيا ، وبمعنى " في " إن كان حاضرا ، وبمعنى " من وإلى " جميعا إن كان معدودا ، نحو : ما رأيته منذ يوم الخميس ، أو منذ يومنا أو عامنا ، أو منذ ثلاثة أيام . والمعنى هاهنا ما أنكرت منا من يوم عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمذكور في المتن رواية الكشميهني والمستملي ، وفي رواية غيرهما : " ما أنكرت منذ يوم عهدت " بغير لفظ منا ، قوله : " ما أنكرت شيئا " إلى آخره يدل على أن إنكاره على ترك الواجب أو السنة المؤكدة فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة . ( وقال عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار قدم علينا أنس بن مالك المدينة بهذا ) . عقبة بضم العين المهملة ، وسكون القاف أخو سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبله ، وليس للبخاري عن عقبة إلا هذا المعلق ، ويكنى عقبة بأبي الرحال بفتح الراء ، وتشديد الحاء المهملة ، وقد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ ، عن أبي بكر بن مالك ، عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قال : حدثنا أبو معاوية ، ويحيى بن سعيد قالا : حدثنا عقبة بن عبيد ، فذكره . ووصله أحمد أيضا في مسنده ، عن يحيى القطان ، عن عقبة بن عبيد الطائي ، حدثني بشير بن يسار ، قال : " جاء أنس إلى المدينة ، فقلنا : ما أنكرت منا من عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال : ما أنكرت منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف " ، وهذه المقدمة لأنس غير المقدمة التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر ، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر ، وهذا الإنكار أيضا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها ، حيث قال : لا أعرف شيئا مما كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الصلاة ، وقد ضيعت ، فإن ذلك كان بالشام ، وهذا بالمدينة ، فإن قلت : ما فائدة ذكر هذا المعلق ، وما الفرق بين الطريقين ؟ . ( قلت ) : الجواب عن الأول أن البخاري أراد بذكر الطريق الثاني بيان سماع بشير بن يسار له ، عن أنس رضي الله تعالى عنه ، وعن الثاني : أنه في الأول روى عن أنس وفي الثاني ما روى عنه ، بل شاهد بنفسه الحال .