80 - بَاب إِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ - وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ - إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ 729 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ ) أَيْ : هَلْ يَضُرُّ ذَلِكَ بِالِاقْتِدَاءِ أَوْ لَا ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ شَهِيرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ فَوْقَ سَطْحٍ يَأْتَمُّ بِهِ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُعْتَمِرٍ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ وَهُوَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ، قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي رِوَايَتِهِ ، وَعَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ . قَوْلُهُ : ( فِي حُجْرَتِهِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ حُجْرَةُ بَيْتِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جِدَارِ الْحُجْرَةِ ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظِ : كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ أَزْوَاجِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُجْرَةُ الَّتِي كَانَ احْتَجَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِالْحَصِيرِ ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ، وَكَذَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَبَتْ لَهُ الْحَصِيرَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّعَدُّدِ ، أَوْ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْجِدَارِ وَفِي نِسْبَةِ الْحُجْرَةِ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ نَاسٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَقَامَ أُنَاسٌ وَهَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَهُوَ دَاخِلُ الْحُجْرَةِ وَهُمْ خَارِجَهَا . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : لَيْلَةَ الْغَدَاةِ الثَّانِيَةِ . وَفِي رِوَايَةِ الْأُصَيْلِيِّ : فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ ) أَيْ : لَهُ ، وَأَفَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ ) أَيْ : تُفْرَضَ ، وَهِيَ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ · ص 250 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ · ص 275 80 - باب إذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ وقال الحسنُ : لا بأس أن تصلِّي وبينكَ وبينهُ نهر . وقال أبو مجلزٍ : يأتمُّ بالإمامِ - وإنْ كانَ بينهما طَريقٌ أو جدارٌ - إذا سمعَ تكبيرَ الإمامِ . مرادُ البخاري بهذا الباب : أنَّهُ يجوز اقتداء المأمومِ بالإمام ، وإن كانَ بينهما طريق أو نهر ، أو كانَ بينهما جدار يمنع المأموم مِن رؤية إمامه إذا سمع تكبيره . فهاهنا مسألتان : إحداهما : إذا كانَ بين الإمام والمأموم طريق أو نهر ، وقد حكى جوازه في صورة النهر عَن الحسن ، وفي صورة الطريق عَن أبي مجلز . وقال الأوزاعي في السفينتين : يأتم من في إحداهما بإمام الأخرى ، الصلاة جائزةٌ ، وإن كانَ بينهما فرجةٌ ، إذا كانَ أمام الأخرى ، وبه قالَ الثوري ، نقله ابن المنذر . وروى الأثرم بإسناده ، عَن هشام بن عروة ، قالَ : رأيت أبي وحميد بنِ عبد الرحمن يصليان الجمعة بصلاة الإمام في دار حميدٍ ، وبينها وبين المسجد جدارٌ . وكره آخرون ذَلِكَ : روى ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عَن نعيم بنِ أبي هندٍ ، قالَ : قالَ عمر بنِ الخطاب : مِن صلى وبينه وبين الإمام نهرٌ أو جدار أو طريق لَم يصل معَ الإمام . خرجه أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ ( الشافي ) . وكره أبو حنيفة وأحمد أن يصلي المأموم وبينه وبين إمامه طريقٌ لا تتصل فيهِ الصفوف ، فإن فعل ، فقالَ أبو حنيفة : لا تجزئه صلاته ، وفيه عَن أحمد روايتان . والنهر الذِي تجري فيهِ السفن كالطريق عند أحمد ، وعن أحمد جوازه . واحتج بصلاة أنسٍ في غرفة يوم الجمعة . فَمِن أصحابه مِن خصه بالجمعة عند الزحام ، والأكثرون لَم يخصُّوه بالجمعة . وكذلك مذهب إسحاق : قالَ حربٌ : قلت لإسحاق : الرجل يصلي في دار ، وبينه وبين المسجد طريقٌ يمرُّ فيهِ الناس ؟ قالَ : لا يعجبني ، ولم يرخِّص فيهِ ، قلت : صلاتهُ جائزةٌ ؟ قالَ : لو كانت جائزةً كنت لا أقول : لا يعجبني ، قالَ : إلا أن يكون طريق يقوم فيهِ الناس ، ويصفون فيهِ للصلاة ، قلت : فإنَّا حين صلينا لَم يمرَّ فيهِ أحدٌ ، فذهب إلى أن الصلاة جائزةٌ . قلت لإسحاق : فرجل صلى وبين يديه نهرٌ يجري فيهِ الماء ؟ قالَ : إن كانَ نهراً تجري فيهِ السفن فلا يصلِّ ، وإن لَم يكن تجري فيهِ السفن فَهوَ أسهل . وكره آخرون الصلاة خلف الإمام خارجَ المسجد : روي عَن أبي هريرة وقيس بنِ عبادةَ ، قالا : لا جمعة لمن لَم يصلِّ في المسجد . ورخصت طائفةٌ في الصلاة في الرحاب المتصلة بالمسجد ، منهم : النخعيُّ والشافعيُّ . وكذلك قالَ مالك ، وزاد : أنَّهُ يصلي فيما اتصل بالمسجد مِن غيره . ذكر في ( الموطأِ ) عَن الثقة عنده ، أن الناس كانوا يدخلون حُجَرَ أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، يصلُّون فيها الجمعة ، قالَ : وكان المسجد يضيقُ على أهله . وحجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليست مِن المسجد ، ولكن أبوابها شارعةٌ في المسجد . قالَ مالك : فَمِن صلى في شيء مِن المسجد أو في رحابه التي تليه ، فإن ذَلِكَ مجزئٌ عَنهُ ، ولم يزلْ ذَلِكَ مِن أمر الناس ، لَم يعبه أحدٌ مِن أهل الفقه . قالَ مالك : فأما دارٌ مغلقةٌ لا تدخل إلا بإذن ، فإنه لا ينبغي لأحد أن يصلي فيها بصلاةِ الإمام يوم الجمعة ، وإن قربُت ، فإنها ليست مِن المسجد . وفي ( تهذيب المدونة ) : أن ضابطَ ذَلِكَ : أن ما يُستطرَقُ بغير إذن مِن الدور والحوانيت تجوز الصلاة فيهِ ، وما لا يدخل إليهِ إلا بإذن لا يجوز ، وأن سائر الصلوات في ذَلِكَ كالجمعة . وروى الأثرمُ بإسناده ، عَن محمد بن عمرو بنِ عطاءٍ ، قالَ : صليت معَ ابن عباسٍ في حجرة ميمونةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الإمام يوم الجمعة . وبإسناده ، عَن عطاء بنِ أبي ميمونة ، قالَ كنت معَ أنسِ بنِ مالك يوم جمعة ، فلم يستطع أن يزاحم على أبواب المسجد ، فقالَ : اذهب إلى عبد ربِّه بن مخارقٍ ، فقل لَهُ : إن أبا حمزة يقول لك : أتأذن لنا أن نصلي في دارك ؟ فقالَ : نعم ، فدخل فصلَّى بصلاة الإمام ، والدار عَن يمين الإمام . فهذا أنسٌ قَد صلى في دار لا تُدخل بغير إذن ، وحجر أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدمها وإدخالها في المسجد لَم تكن تُدخل بغير إذنٍ ، أيضاً . وقد استدل أحمد بالمروي عَن أنس في هَذا في رواية حرب ، ورخص في الصلاة في الدار خارج المسجد ، وإن كانَ بينها وبين المسجد طريقٌ ، ولم يشترط الإمام أحمد لذلك رؤية الإمام ، ولا مِن خلفه ، والظاهر : أنه اكتفى بسماعِ التكبير . واشترط طائفة مِن أصحابه الرؤية ، واشترط كثيرٌ مِن متقدميهم اتصال الصفوف في الطريق . وشرطه الشَافِعي - أيضاً - ، قالَ في رواية الربيع فيمن كانَ في دار قرب المسجد ، أو بعيداً منهُ : لَم يجز لَهُ أن يصلي فيها ، إلا أن تتصل الصفوف بهِ ، وَهوَ في أسفل الدار ، لا حائل بينه وبين الصفوف . واستدلَّ بقول عائشة - مِن غير إسناد - وتوقف في صحته عنها . وذكره بإسناده في رواية الزعفراني ، فقالَ : حدثنا إبراهيم بنِ محمد ، عَن ليثٍ ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، أن نسوةً صلْين في حجرتها ، فقالت : لا تصلِّين بصلاة الإمام ؛ فإنكنَّ في حجابٍ . وهذا إسناد ضعيفٌ ، ولذلك توقف الشَافِعي في صحته . المسألة الثانية : إذا كانَ بين المأموم والإمام حائلٌ يمنع الرؤية ، فَقد حكى البخاري عَن أبي مجلَزٍ أنه يجوز الاقتداء بهِ إذا سمع تكبير الإمام . وأجازه أبو حنيفة وإسحاق ، قالَ إسحاق : إذا سمع قراءته واقتدى بهِ . وقد تقدم كلام الشافعي في منعه ، واستدلاله بحديث عائشة ، قالَ الشَافِعي : هَذا مخالف للمقصورة ، المقصورة شيء مِن المسجد ، فَهوَ وإن كانَ حائلاً بينه وبين ما وراءَها ، فإنما هو كحول الأصطوانِ أو أقلَّ ، وكحول صندوق المصاحف وما أشبهَهَ . وحاصلُه : إن صلَّى في المسجد وراء الإمام لَم يشترط أن يرى فيهِ الإمام بخلاف من صلَّى خارج المسجد . وحكى أصحابنا روايتين عَن أحمد فيمن صلَّى في المسجد بسماعِ التكبير ، ولم يرَ الإمام ولا مَنْ خلفهُ ، هل يصح اقتداؤهُ بهِ ، أو لا ؟ وحكوا روايةً ثالثةً : أنَّهُ يصحُّ اقتداؤه بهِ ، سواء صلى معه في المسجد ، أو صلى خارجاً مِن المسجد . قالَ أحمد في رواية حنبلٍ : إذا صلَّى الرجلُ وَهوَ يسمع قراءة الإمام في دار أو في سطح بيته كانَ ذَلِكَ مجزئاً عَنهُ ، وفي الرحبة . قالَ أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ ( الشافي ) : ذَلِكَ جائزٌ إذا اتصلت الصفوف ، وعلم التكبير والركوع والسجود ، وأن لا يكون الدار والسطح مقدم القبلة ، ولا فوق الإمام ؛ فإنهم لا يمكنهم الاقتداء بهِ ولا اتباعه ، ولا يعرفون ركوعه ولا سجوده ، وكذلك في الرحاب والطرق تجوز الصلاة في ذَلِكَ إذا اتصلت الصفوف ، ورأى بعضهم بعضاً ، ولو أغلقت دونهم الأبواب ، وارتفعت الشبابيك بينهم ، أو كانَ عليها أبواب تُغلقُ ، فلا يلحظون الصفوف ، ولا يرى بعضُهم بعضاً - يعني : أنَّهُ لا يصح اقتداؤهم بالإمام - قالَ : وَهوَ مذهب أبي عبد الله . انتهى ما ذكره . وَهوَ مبني على اشتراط الرؤية خارجَ المسجد ، وفيه خلافٌ سبق ذكره . وحُكي عن أحمد رواية : أن الحائل المانع للرؤية ، والطريق الذِي لا تتصل فيهِ الصفوف يمنع الاقتداء في الفرض دونَ النفل . وحُكي عَنهُ : أنه لا يمنع في الجمعة في حال الحاجة إليهِ خاصةً . وحُكي عَنهُ : إن كانَ الحائل حائِطَ المسجد لَم يمنع ، وإلا منع . وإن كانَ الحائل يمنع الاستطراق دونَ الرؤية لَم يمنع . وفيه وجهٌ : يمنع ، وحكاه بعضهم روايةً .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ · ص 279 خرج البخاري في هَذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 729 - حدثنا محمد ، ثنا عبدةُ ، عَن يحيى بنِ سعيد الأنصاريِّ ، عَن عَمرةَ ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي مِن الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قَصير ، فرأى الناس شَخْص النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام أُناسٌ يُصلونَ بصلاته ، فأصبحوا فتحدثوا بذلك ، فقام ليلته الثَّانية ، فقام معه أُناسٌ يصلون بصلاته ، صنعوا ذَلِكَ ليلتين - أو ثلاثاً - حتى إذا كانَ بعد ذَلِكَ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج ، فلما أصبح ذكر ذَلِكَ الناس ، فقالَ : ( إنِّي خَشيت أن تكتبُ عليكم صلاةُ الليلِ ) . ليسَ في هَذهِ الرواية دليل على جواز الائتمام مِن وراء جدارٍ يحول بين المأموم وبين رؤية إمامه ؛ فإنَّ في هَذا التصريح بأن جدار الحجرة كانَ قصيراً ، وأنهم كانوا يرونَ منهُ شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثلُ هَذا الجدار لا يمنع الاقتداء . لكن روى هَذا الحديث هُشيمٌ ، عَن يحيى بنِ سعيد ، فاختصر الحديث ، وقال فيهِ : صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته ، والناس يأتمون به مِن وراء الحجرة . وهذا مختصر . وقد أتم الحديث عبدة بنِ سليمان وعيسى بن يونس وغيرهما ، عَن يحيى بنِ سعيد ، وذكروا فيهِ : أن جدار الحجرة قصير ، وأن الناس كانوا يرون شخص النبي صلى الله عليه وسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة · ص 262 ( باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة ) . أي هذا باب ترجمته إذا كان إلى آخره ، وجواب إذا محذوف ، تقديره : لا يضره ذلك ، والمسألة فيها خلاف ، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية أيضا ، وهو المنقول عن أنس ، وأبي هريرة ، وابن سيرين ، وسالم ، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام ، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق ، وقال مالك : لا بأس أن يصلي وبينه وبين الإمام نهر صغير ، أو طريق ، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه ، وكره ذلك طائفة . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا كان بينه وبين الإمام طريق ، أو حائط ، أو نهر فليس هو معه ، وكره الشعبي ، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق ، وبه قال الليث والأوزاعي وأشهب . ( وقال الحسن : لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن الفاصل بينه وبين الإمام كالحائط والنهر لا يضر ، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح في الرجل يصلي خلف الإمام وهو فوق سطح يأتم به لا بأس بذلك ، قوله : " وبينك " حال ، وقوله : " نهر " ، ويروى : " نهير " مصغرا ، وهو يدل على أن المراد من النهر الصغير والكبير يمنع . ( وقال أبو مجلز : يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق ، أو جدار إذا سمع تكبير الإمام ) . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا ، وأبو مجلز : بكسر الميم ، وسكون الجيم ، وفي آخره زاي معجمة ، اسمه لاحق بن حميد بضم الحاء ابن سعيد البصري الأعور من التابعين المشهورين ، مات بظهر الكوفة في سنة مائة ، أو إحدى ومائة ، وأخرج أثره موصولا ابن أبي شيبة ، عن معتمر بن سليمان ، عن ليث بن أبي سليم عنه ، وليث ضعيف في : " امرأة تصلي وبينها وبين الإمام حائط " قال : إذا كانت تسمع تكبير الإمام أجزأها ذلك . 117 - حدثنا محمد ، قال : أخبرنا عبدة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قصير ، فرأى الناسُ شَخْصَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام أناس يصلون بصلاته ، فأصبحوا ، فتحدثوا بذلك ، فقام ليلة الثانية ، فقام معه أناس يصلون بصلاته ، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثة ، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرج ، فلما أصبح ذكر ذلك الناس ، فقال : إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل . مطابقته للترجمة في قوله : " فقام ناس يصلون بصلاته " ؛ لأنه كان بينه وبينهم جدار الحجرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد هو ابن سلام ، قاله أبو نعيم ، وبه جزم ابن عساكر في روايته . الثاني : عبدة بفتح العين ، وسكون الباء الموحدة ابن سليمان الكلابي ، من أنفسهم ، ويقال : العامري الكوفي ، وكان اسمه عبد الرحمن ، وعبدة لقبه ، فغلب عليه ، ويكنى أبا محمد . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري . الرابع : عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه من غلب لقبه على اسمه ، وهو عبدة ، وفيه رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية ، وفيه أن رواته ما بين البيكندي وهو شيخ البخاري ، وكوفي ، ومدني ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه أن شيخه مذكور بلا نسبة . ( ذكر من أخرجه غيره ) ، أخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي خيثمة زهير بن حرب ، عن هشيم بن بشير ، عن يحيى به مختصرا . ( ذكر معناه ) قوله : " في حجرته" : أي في حجرة بيته يدل عليه ذكر جدار الحجرة ، وأوضح منه رواية حماد بن زيد ، عن يحيى عند أبي نعيم بلفظ : " كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه " ، والحجرة : الموضع المنفرد من الدار ، قوله : " شخص النبي - صلى الله عليه وسلم – " الشخص : سواد الإنسان وغيره ، يراه من بعيد ، وإنما قال بلفظ الشخص ؛ لأنه كان ذلك بالليل ، ولم يكونوا يبصرون منه إلا سواده . قوله : " فقام ناس " ، وفي رواية الكشميهني : " فقام أناس " بزيادة همزة في أوله ، قوله : " بصلاته " : أي متلبسين بصلاته ، أو مقتدين بها ، قوله : " فأصبحوا " : أي دخلوا في الصباح ، وهي تامة ، قوله : " فقام ليلة الثانية " هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي : " فقام الليلة الثانية " وجه الرواية الأولى أن فيه حذفا تقديره : ليلة الغداة الثانية ، وقال الكرماني : الليلة مضافة إلى الثانية من باب إضافة الموصوف إلى صفته . قوله : " ذلك " : أي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : " إذا كان " : أي الوقت والزمان ، قوله : " فلم يخرج " : أي إلى الموضع المعهود الذي كان صلى فيه تلك الليالي فلم يروا . شخصه قوله : " فلما أصبح ذكر ذلك الناس " : أي للنبي – صلى الله عليه وسلم - ، وذكر عبد الرزاق أن الذي خاطبه بذلك عمر رضي الله تعالى عنه ، أخرجه معمر ، عن الزهري ، عن عروة عنها . قوله : " أن تكتب " : أي تفرض ، وقال الخطابي : قد يقال عليه : كيف يجوز أن تكتب علينا صلاة وقد أكمل الله الفرائض ، ورد عدد الخمسين منها إلى الخمس ، فقيل : إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأفعاله التي تفضل بالشريعة واجب على الأمة الائتساء به فيها ، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل يقتدون به ، ويرونه واجبا ، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الخروج في الليلة الرابعة ، وترك الصلاة فيها ؛ لئلا يدخل ذلك الفعل في الواجبات ، كالمكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به ، فالزيادة إنما تجب عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا من جهة إنشاء فرض يستأنف زائدا ، وهذا كما يوجب الرجل على نفسه صلاة نذر ، ولا يدل ذلك على زيادة جملة في الشرع المفروض في الأصل . وفيه وجه آخر وهو : أن الله تعالى فرض الصلاة أولا خمسين ، ثم حط بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معظمها ؛ تخفيفا عن أمته ، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت ، وتبرعت بالعمل به لم يستنكر أن يكتب فرضا عليهم ، وقد ذكر الله عن النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم ، ثم لما قصروا فيها لحقتهم الملامة في قوله : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فأشفق – صلى الله عليه وسلم - أن يكون سبيلهم أولئك ، فقطع العمل به ؛ تخفيفا عن أمته . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه ما قاله المهلب : جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إماما في تلك الصلاة ؛ لأن الناس ائتموا به – صلى الله عليه وسلم - من وراء الحائط ، ولم يعقد النية معهم على الإمامة ، وهو قول مالك والشافعي . ( قلت ) : هو مذهب أبي حنيفة أيضا ، إلا أن أصحابنا قالوا : لا بد من نية الإمامة في حق النساء ، خلافا لزفر . وفيه : أن فعل النوافل في البيت أفضل ، وقال ابن القاسم ، عن مالك : إن التنفل في البيوت أفضل إلي منه في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا للغرباء . وفيه : جواز النافلة في جماعة ، وفيه أيضا : شفقته – صلى الله عليه وسلم - على أمته ؛ خشية أن تكتب عليهم صلاة الليل ، فيعجزوا عنها ، فترك الخروج ؛ لئلا يخرج ذلك الفعل منه . وفيه : أن الجدار ونحوه لا يمنع الاقتداء بالإمام ، وعليه ترجمة الباب . ( قلت ) : إنما يجوز ذلك إذا لم يلتبس عليه حال الإمام .