93 - بَاب الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ 751 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ ) لَمْ يُبَيِّنِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَهُ ؛ لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ ؛ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّنْزِيهِ . وَقَالَ الْمُتَوَلِّيُّ : يَحْرُمُ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . وَوَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ الِالْتِفَاتِ صَرِيحًا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ : لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ انْصَرَفَ ، وَمِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ نَحْوُهُ وَزَادَ : فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ، وَأَخْرَجَ الْأَوَّلَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيَّ . وَالْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَسْتَدْبِرِ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ أَوْ عُنُقِهِ كُلِّهِ . وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصِ الْخُشُوعِ ، أَوْ لِتَرْكِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيُّ ، وَوَافَقَ أَبَا الْأَحْوَصِ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شَيْبَانُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَزَائِدَةُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَمِسْعَرٌ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ ، وَخَالَفَهُمْ إِسْرَائِيلُ فَرَوَاهُ عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ عَلَى أَشْعَثَ ، وَالرَّاجِحُ رِوَايَةُ أَبِي الْأَحْوَصِ . وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَسْرُوقٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَشْعَثِ فِيهِ شَيْخَانِ ، أَبُوهُ وَأَبُو عَطِيَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبُو عَطِيَّةَ حَمَلَهُ عَنْ مَسْرُوقٍ ثُمَّ لَقِيَ عَائِشَةَ فَحَمَلَهُ عَنْهَا . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فَشَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هُوَ اخْتِلَاسٌ ) أَيِ : اخْتِطَافٌ بِسُرْعَةٍ ، وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ : وَالِاخْتِلَاسُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخِلْسَةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ سَلْبًا مُكَابَرَةً ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَخْطِفُ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَيَهْرُبُ وَلَوْ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ لَهُ ، وَالنَّاهِبُ يَأْخُذُ بِقُوَّةٍ ، وَالسَّارِقُ يَأْخُذُ فِي خُفْيَةٍ . فَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى شَيْءٍ مَا بِغَيْرِ حُجَّةٍ يُقِيمُهَا أَشْبَهَ الْمُخْتَلِسَ . وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : سُمِّيَ اخْتِلَاسًا تَصْوِيرًا لِقُبْحِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ بِالْمُخْتَلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالشَّيْطَانُ مُرْتَصِدٌ لَهُ يَنْتَظِرُ فَوَاتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا الْتَفَتَ اغْتَنَمَ الشَّيْطَانُ الْفُرْصَةَ فَسَلَبَهُ تِلْكَ الْحَالَةَ . قَوْلُهُ : ( يَخْتَلِسُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَخْتَلِسُهُ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ . قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ سُجُودِ السَّهْوِ جَابِرًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ دُونَ الِالْتِفَاتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقِصُ الْخُشُوعُ ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْمُكَلَّفِ ، فَشُرِعَ لَهُ الْجَبْرُ دُونَ الْعَمْدِ لِيَتَيَقَّظَ الْعَبْدُ لَهُ فَيَجْتَنِبُهُ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ . وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ أَعْلَامَ الْخَمِيصَةِ إِذَا لَحَظَهَا الْمُصَلِّي وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الِالْتِفَاتِ وَلِذَلِكَ خَلَعَهَا مُعَلِّلًا بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى أَعْلَامِهَا وَسَمَّاهُ شَغْلًا عَنْ صَلَاتِهِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ كَوْنُهُ يُؤَثِّرُ فِي الْخُشُوعِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْخَمِيصَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ لَمْحَ الْعَيْنِ يَغْلِبُ الْإِنْسَانَ وَلِهَذَا لَمْ يُعِدِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الصَّلَاةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ · ص 273 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ · ص 398 93 - باب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ فِيهِ حديثان : الأول : 751 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا أبو الأحوص ، ثنا أشعث بْن سليم - هُوَ : أبو الشعثاء - ، عَن أَبِيه ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن الالتفات فِي الصلاة ، فَقَالَ : ( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) . الثاني : 752 - حَدَّثَنَا قتيبة ، ثنا سُفْيَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فِي خميصة لها أعلام ، فَقَالَ : ( شغلتني أعلام هذه ، اذهبوا بِهَا إلى أَبِي جهم ، وأتوني بأنبجانية ) . حَدِيْث عَائِشَة فِي الخميصة ، قَدْ سبق فِي ( أبواب : الصلاة فِي الثياب ) فِي ( بَاب : إذا صلى فِي ثوب وله أعلام ونظر إلى علمها ) ، وسبق الكلام عَلِيهِ مستوفى . وبعده حَدِيْث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لعائشة : ( أميطي عنا قرامك ؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض فِي صلاتي ) . وذكرنا أن في الحديثين دليلاً عَلَى كراهة أن يصلي إلى مَا يلهي النظر إليه ، أو لبسه فِي الصلاة . وأما حَدِيْث عَائِشَة الَّذِي خرجه هاهنا فِي الالتفات ، فتفرد بِهِ دون مُسْلِم ، وفي إسناده اخْتِلاَف عَلَى أشعث بْن أَبِي الشعثاء . فالأكثرون رووه عَنْهُ ، كما رواه عَنْهُ أبو الأحوص ، كما أسنده البخاري من طريقه . قَالَ الدارقطني : وَهُوَ الصحيح عَنْهُ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، لَمْ يذكر : ( مسروقاً ) فِي إسناده . ورواه إسرائيل ، عَن أشعث ، عَن أَبِي عطية الهمداني ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة . ورواه مِسْعَر ، عَن أشعث ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، وكلهم رفعوه . ورواه الأعمش موقوفاً ، واختلف عَلِيهِ : فرواه الأكثرون ، عَنْهُ ، عَن عمارة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً . وَقَالَ شعبة : عَن الأعمش ، عَن خيثمة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً . ولهذا الاختلاف - والله أعلم - تركه مُسْلِم فَلَمْ يخرجه . وفي الالتفات أحاديث أخر متعددة ، لا تخلو أسانيدها من مقال . ومن أجودها : مَا رَوَى الزُّهْرِيّ ، عَن أَبِي الأحوص ، عَن أبي ذر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الله مقبلاً عَلَى العبد وَهُوَ فِي صلاته مَا لَمْ يلتفت ، فإذا التفت انصرف عَنْهُ ) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة فِي ( صحيحه ) . وأبو الأحوص ، قَدْ قيل : إنه غير معروف . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حَدِيْث الحارث ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيْث طويل ذكره - : ( إن الله ينصب وجهه لوجه عبده مَا لَمْ يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ) . وصححه الترمذي . وروى عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه ، فلا يلتفت . قَالَ عَطَاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يَقُول : ( يا ابن آدم ، إلى أين تلتفت ، أنا خير ممن تلتفت إليه ) . ورواه إِبْرَاهِيْم بْن يزيد الخوزي وعمر بْن قيس المكي سندل - وهما ضعيفان - ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، مرفوعاً كله . والموقوف أصح ، قاله العقيلي وغيره . وكذا رواه طلحة بْن عَمْرِو ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : مَا التفت عَبْد فِي صلاته قط إلا قَالَ الله : ( أنا خير لَكَ مِمَّا تلتفت إليه ) . والأشبه أن هَذَا قَوْلِ عَطَاء ، كما سبق . وقوله : ( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) يعني : أن الشيطان يسترق من العبد فِي صلاته التفاته فيها ويختطفه مِنْهُ اختطافاً حَتَّى يدخل عَلِيهِ بذلك نقص في صلاته وخلل . ولم يأمره بالإعادة لذلك ، فدل على أنه نقص لا يوجب الإعادة . والالتفات نوعان : أحدهما : التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها ، وهذا يخل بالخشوع فيها ، وقد سبق ذكر الخشوع في الصلاة وحكمه . والثاني : التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة ، والكلام هاهنا في ذلك . وروي عن ابن مسعود ، قال : لا يقطع الصلاة إلا الالتفات . خرجه وكيع بإسناد فيه ضعف . وروى بإسناد جيد ، عن ابن عمر ، قال : يدعى الناس يوم القيامة المنقوصين ، قيل : وما المنقوصون ؟ قالَ : الذي ينقص أحدهم صلاته في وضوئه والتفاته . قالَ ابن المنذر - فيما يجب على الملتفت في الصلاة - : فقالت طائفة : تنقص صلاته ، ولا إعادة . روي عن عائشة أنها قالت : الالتفات في الصلاة نقص . وبه قال سعيد بن جبير . وقال عطاء : لا يقطع الالتفات الصلاة . وبه قال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة . وقال أبو ثور : إذا التفت ببدنه كله تفسد صلاته . وروينا عن الحسن ، أنه قال : إذا استدبر القبلة استقبل ، وإن التفت عن يمينه وعن شماله مضى في صلاته . والذي قاله الحسن حسن . انتهى . قال ابن المنصور : قلت لأحمد : إذا التفت في الصلاة يعيد الصلاة ؟ قالَ : أساء ، ولا أعلم أني سمعت فيهِ حديثاً أنه يعيد . قال إسحاق : كما قال . وقال أصحابنا : الالتفات الذي لا يبطل أن يلوي عنقه ، فأما إن استدار بصدره بطلت صلاته ؛ لأنه ترك استقبال القبلة بمعظم بدنه ، بخلاف ما إذا استدار بوجهه ، فإن معظم بدنه مستقبل للقبلة . وحكوا عن المالكية ، أنه لا يبطل بالتفاته بصدره حتى يستدبر ، إلحاقاً للصدر على الوجه . فأما الالتفات لمصلحة الصلاة ، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق - وقد سبق حديثه - ، فلا ينقص الصلاة . ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ) . وكذلك التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من صلى خلفه ، لما صلى بهم جالساً وصلوا وراءه قياماً ، وقد سبق أيضاً . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة : فروى سهل بن الحنظلية ، قال : ثوب بالصلاة - يعني : صلاة الصبح - ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعب . خرجه أبو داود . وقال : كان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه . وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد . ومن هذا المعنى قول عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلحظ في صلاته . فروى الفضل بن موسى ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ يميناً وشمالاً ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره . خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال : غريب ، ثم خرجه من طريق وكيع ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن بعض أصحاب عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصلاة ... ، فذكر نحوه . وخرجه أبو داود في بعض نسخ ( سننه ) . ثم خرجه من طريق رجلٍ ، عن عكرمة ، وقال : هو أصح . وأنكر الدارقطني وصل الحديث إنكاراً شديداً ، وقال : هو مرسل . وقد رواه - أيضاً - مندل ، عن الشيباني ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يلاحظ يميناً وشمالاً . خرجه ابن عدي . ومندل ، ضعيف . وروى الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلمح في الصلاة ، ولا يلتفت . خرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه جهالة ، وهو مرسل . وقد وصله بعضهم ، وأنكر ذلك الإمام أحمد ، وضعف إسناده ، وقال : إنما هو عن رجل ، عن سعيد . وقد يحمل هذا - إن صح - على الالتفات لمصلحة . وقد روي عن علي بن شيبان الحنفي ، قال : قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وصلينا معه ، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فقال : ( لا صلاة لمن لا يقيم صلبه ) . خرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه . وقد روي الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً عن طائفة من السلف ، منهم : أنس والنخعي وعبد الله بن معقل بن مقرن . وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها . وعن أبي جعفر القارئ ، قال : كنت أصلي وابن عمر ورائي ، ولا أعلم ، فالتفت ، فغمزني . وروى حميد ، عن معاوية بن قرة ، قال : قيل لابن عمر : إن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا ، قال : لكنا نقول كذا وكذا . وفي رواية : ونكون مثل الناس . وقد رويت الرخصة في الالتفات في النافلة . فخرج الترمذي في حديث علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أنس ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصَّلاة هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع ، لا في الفريضة ) . وقال : حديث حسن . وذكر في ( كتاب العلل ) : أنه ذاكر به البخاري ، فلم يعرفه ، ولم يعرف لابن المسيب عن أنس شيئا . وقد روي عن أنس من وجوه أخر ، وقد ضعفت كلها . وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف ، عن أبي الدرداء مرفوعاً . ولا يصح إسناده أيضاً . قال الدارقطني : إسناده مضطرب ، لا يثبت . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الالتفات في الصلاة · ص 309 ( باب الالتفات في الصلاة ) . أي هذا باب في بيان حكم الالتفات في الصلاة ، يعني يكره ؛ لأن حديث الباب يدل على هذا ، ولكن هل هو كراهة تحريم أو تنزيه فيه خلاف يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . 139 - حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا أشعث بن سليم ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة ؟ فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد . وجه مطابقته للترجمة ظاهر جدا . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : مسدد بن مسرهد . الثاني : أبو الأحوص سلام بتشديد اللام ابن سليم بضم السين الحافظ الكوفي . الثالث : أشعث بن سليم بضم السين المحاربي الكوفي . الرابع : أبوه سليم بن الأسود بن المحاربي الكوفي أبو الشعثاء . الخامس : مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي . السادس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ما خلا شيخ البخاري فإنه بصري ، وفي سند هذا الحديث اختلاف على أشعث ، والراجح رواية أبي الأحوص ، ووافقه زائدة عند النسائي ، قال : أخبر عمرو بن علي قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا زائدة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " إلى آخره نحو رواية البخاري ، ووافقه أيضا شيبان عند ابن خزيمة ، ومسعر عند ابن حبان ، وخالفهم إسرائيل فرواه عن أشعث ، عن أبي عطية ، عن مسروق ، ووقع عند البيهقي من رواية مسعر ، عن أشعث عن أبي وائل ، وهذه الرواية شاذة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في صفة إبليس ، عن الحسن بن الربيع ، عن أبي الأحوص ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد به ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن ابن مهدي ، عن زائدة ، عن أشعث نحوه ، وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي ، عن إسرائيل ، عن أشعث ، عن أبي عطية ، عن مسروق به . وعن أحمد بن بكار الحراني ، عن مخلد بن يزيد الحراني ، لا بأس به عن إسرائيل ، عن أشعث عن أبي عطية ، عن مسروق به . وعن هلال بن العلاء عن الْمُعَافَى ، وهو ابن سليمان ، عن القاسم بن معن ، عن الأعمش ، عن عمارة ، وهو ابن عمير ، عن أبي عطية قال : قالت عائشة : إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة ، وأبو عطية اسمه مالك بن عامر . ( ذكر معناه ) قوله : " هو اختلاس " وهو الاختطاف بسرعة ، وفي النهاية لابن الأثير : الاختلاس افتعال من الخلسة ، وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة ، قوله : " يختلس الشيطان " كذا هو بحذف الضمير الذي هو المفعول في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : " يختلسه " بإظهار الضمير المنصوب ، وكذا هو في رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاري ، والمعنى أن المصلي إذا التفت يمينا أو شمالا يظفر به الشيطان في ذلك الوقت ، ويشغله عن العبادة ، فربما يسهو أو يغلط ؛ لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود ، ولما كان هذا الفعل غير مرضي عنه نسب إلى الشيطان ، وعن هذا قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة ، وقال الطيبي : المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع ، فاستعير لذهابه اختلاس الشيطان تصويرا لقبح تلك الفعلة ، أو أن المصلي مستغرق في مناجاة ربه ، وأنه تعالى يقبل عليه ، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه ، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه ، وقال ابن بزيزة : أضيف إلى الشيطان ؛ لأن فيه انقطاعا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى ، ثم إن الإجماع على أن الكراهية فيه للتنزيه ، وقال المتولي من الشافعية : إنه حرام ، وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه أو شماله في الصلاة حتى يعرفه فليست له صلاة ، وقال أبو ثور : إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته ، وإذا التفت عن يمينه أو شماله مضى في صلاته ، ورخص فيه طائفة ، فقال ابن سيرين : رأيت أنس بن مالك يشرف إلى الشيء في صلاته ينظر إليه ، وقال معاوية بن قرة : قيل لابن عمر : إن ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت ، قال : لكنا نتحرك ونلتفت ، وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالا ، وكان ابن مغفل يفعله ، وقال مالك : الالتفات لا يقطع الصلاة ، وهو قول الكوفيين ، وقول عطاء ، والأوزاعي ، وقال ابن القاسم فإن التفت بجميع بدنه لا يقطع الصلاة ، ووجهه أنه – صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يأمر منه بالإعادة حين أخبر أنه اختلاس من الشيطان ، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها ؛ لأنه نصب معلما ، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرة بعد أخرى ، وقال القفال في فتاويه : وإذا التفت في صلاته التفاتا كثيرا في حال قيامه إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته ، وإن كان في بعضه فلا ؛ لأنه عمل يسير قال : وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز ؛ لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده ، قال : ولو حول أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته ؛ لأنه عمل كثير ، وممن كان لا يلتفت فيها الصديق والفاروق ، ونهى عنه أبو الدرداء ، وأبو هريرة ، وقال ابن مسعود : إن الله لا يزال ملتفتا إلى العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث أو يلتفت . وقال عمرو بن دينار : رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر فجاءه حجر قدامه ، فذهب بطرف ثوبه فما التفت ، وقال ابن أبي مليكة : إن ابن الزبير كان يصلي بالناس ، فدخل سيل في المسجد فما أنكر الناس من صلاته شيئا حتى فرغ ، وفي المبسوط حد الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج من جهة القبلة ، والالتفات عن يمنة أو يسرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه ، فلو انحرف بجميع بدنه تفسد صلاته ، ولو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه لا يكره على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب ، منها : حديث أنس أخرجه الترمذي عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصلاة هلكة قال : فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة " ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وانفرد بهذا الحديث . ومنها : حديث أبي ذر أخرجه أبو داود والنسائي عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتف ، فإذا صرف وجهه انصرف عنه " ، ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ومنها : حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " فذكر حديثا في آخره : " إياكم والالتفات في الصلاة ؛ فإنه لا صلاة لملتفت ، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة " . وفيه عطاء بن عجلان وهو ضعيف . ومنها حديث جابر أخرجه البزار في مسنده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ، فإذا التفت قال : يا ابن آدم ، إلى من تلتفت ؟ إلى من هو خير لك مني ! أقبل إلي ، فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك ، وإذا التفت الثالثة صرف الله تعالى وجهه عنه " ، وفيه الفضل بن عيسى وهو ضعيف . ومنها : حديث عبد الله بن سلام أخرجه الطبراني أيضا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا صلاة لملتفت " ، وفيه الصلت بن طريف قال الدارقطني : مضطرب الحديث . ومنها : حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني أيضا ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والالتفات في الصلاة ؛ فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في صلاته " حديث آخر عن أنس أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه ، وملك ينادي : لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفتل " وفيه عباد بن كثير قال ابن حبان : هو عندي لا شيء في الحديث ، قال : وكان ابن معين يوثقه ، وليس هذا بعباد بن كثير الثقفي ساكن مكة ، ومن الناس من جعلهما واحدا ، وفيه نظر ، وجه النظر أن عباد بن كثير الذي في سند الحديث المذكور روى عن الثوري ، وروى عنه يحيى بن يحيى ، والثقفي مات قبل الثوري ، وأبى الثوري أن يشهد جنازته ، ويحيى بن يحيى كان طفلا صغيرا .