111 - بَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ وَقَالَ عَطَاءٌ : آمِينَ دُعَاءٌ . أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الْإِمَامَ : لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا 780 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : آمِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ ) أَيْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْجَهْرِ ، وَالتَّأْمِينُ مَصْدَرُ أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَالَ آمِينَ وَهِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِيِّ الْإِمَالَةَ ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخْرَى شَاذَّةٌ : الْقَصْرُ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وَطَعَنَ فِي الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً ، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَخَطَّأَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَآمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ مِثْلَ صَهٍ لِلسُّكُوتِ ، وَتُفْتَحُ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ كَيْفَ ، وَإِنَّمَا لَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ وَمَعْنَاهَا اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ آمِنَّا بِخَيْرٍ ، وَقِيلَ كَذَلِكَ يَكُونُ ، وَقِيلَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَجِبُ لِقَائِلِهَا ، وَقِيلَ لِمَنِ اسْتُجِيبَ لَهُ كَمَا اسْتُجِيبَ لِلْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ التَّابِعِيِّ مِثْلُهُ ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ مَنْ مَدَّ وَشَدَّدَ : مَعْنَاهَا قَاصِدِينَ إِلَيْكَ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ؛ وَقَالَ مَنْ قَصَرَ وَشَدَّدَ : هِيَ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ بِآمِينَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى أَثَرِ أُمِّ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ ؛ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ فَيُنَادِيهِ فَيَقُولُ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ . وَقَوْلُهُ حَتَّى إِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلْمَسْجِدِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ لَلَجَّةً اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَاللَّجَّةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الصَّوْتُ الْمُرْتَفِعُ ، وَرَوَى لَلَجَبَةً بِمُوَحَّدَةٍ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، وَهِيَ الْأَصْوَاتُ الْمُخْتَلِطَةُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَرَجَّةً بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( لَا تَفُتْنِي ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا بِالْمُثَنَّاةِ مِنَ الْفَوَاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنَ السَّبْقِ ، وَمُرَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا تُنَازِعْنِي بِالتَّأْمِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَأْمُومِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ ، فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْإِقَامَةِ وَتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَرْوَانَ : فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِبنَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مُؤَذِّنًا بِالْبَحْرَيْنِ وَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِآمِينَ ، وَالْإِمَامُ بِالْبَحْرَيْنِ كَانَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَسْتَبِقْنِي بِآمِينَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ . لَكِنْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمْ يَلْقَ بِلَالًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ بِلَالًا قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ ، وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَوْصُولِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُضَعِّفُ التَّأْوِيلَ السَّابِقَ لِأَنَّ بِلَالًا لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَسَبَبُهَا مُحْتَمَلٌ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ قَوْلِ عَطَاءٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الدَّاعِي ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَانِعِ إِنَّهَا جَوَابٌ لِلدُّعَاءِ فَيَخْتَصُّ بِالْمَأْمُومِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إِلَى آخِرِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ نَافِعٌ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَتَمَ أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ آمِينَ لَا يَدَعُ أَنْ يُؤَمِّنَ إِذَا خَتَمَهَا وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قَوْلِهَا ، قَالَ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا . وَقَوْلُهُ : ( وَيَحُضُّهُمْ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَوْلُهُ : ( خَيْرًا ) بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ فَضْلًا وَثَوَابًا وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ خَبَرًا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا ، وَيُشْعِرُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَمَّنَ النَّاسُ أَمَّنَ مَعَهُمْ وَيَرَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ . وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُ الْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا خَتَمَ الْفَاتِحَةَ ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا ، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( اهْدِنَا ) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلا الضَّالِّينَ وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ ، قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا . وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ ، مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَقَالَ : مَعْنَاهُ دَعَا ، قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا مَجَازٌ ، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . قُلْتُ : اسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ . وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ الْإِمَامُ آمِينَ ، وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ ، لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ ، فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ ، وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدِ اعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ ، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ : حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمِّنُوا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ ، فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ ، وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، قَالَ : وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ ) زَادَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ فَمَنْ وَافَقَ وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً ، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا . ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بالْمَلَائِكَة جَمِيعُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ . وَقِيلَ : الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ . وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ انْتَهَى . وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . ( فَائِدَةٌ ) : وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا ، وَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا ، وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، الْحُمَيْدِيِّ ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا . وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالْوَلِيدِ ابْنَيْ سَاجٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اعْتِضَادِهِ . وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْكَ ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ ، وَلِهَذَا شُرِعَتْ لِلْمَأْمُومِ مُوَافَقَتُهُ . وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا يُؤَمِّنُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ لَا إِذَا تَرَكَ ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ الْخِلَافَ . وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ ، وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ إِمَامُهُ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَنَّ التَّأْمِينَ مُخْتَصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ كَانَت أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا لَا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا أَصْلًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ · ص 306 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب جهر الإمام بالتأمين · ص 489 111 - باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء : آمين دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ، وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تسبقني بآمين . وقال نافع : كان ابن عمر لا يدعه ، ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خبراً . قال عبد الرزاق : أنا ابن جريج ، قلت لعطاء : كان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، حتى إن للمسجد للجة ، قال : إنما آمين دعاء ، قال : وكان أبو هريرة يدخل المسجد ، وقد قام الإمام فيه ، فيقول : لا تسبقني بآمين . وروى يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين ، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين . وروى عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : قالَ بلال : يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين . وهذا مرسل . وخرجه أبو داود ، وعنده : عن أبي عثمان ، عن بلال . وهو خطأ ، قاله أبو حاتم الرازي ، قال : وهو مرسل . وقيل : إن أبا عثمان لم يسمع من بلال بالكلية ؛ لأنه قدم المدينة في خلافة عمر ، وقد كان بلال انتقل إلى الشام قبل ذلك . وقد رواه هشام بن لاحق ، عن عاصم ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، عن بلال ، فوصله . وهشام ، تركه الإمام أحمد وغيره . وقول عطاء في آمين : إنها دعاء ، يريد به - والله أعلم - أن معنى آمين : اللهم استجب ، ونحو هذا من الدعاء . وفي ( سنن أبي داود ) عن أبي زهير النميري - وكان من الصحابة - أنه كان يقول : إذا دعا أحدكم بدعاء فليختمه بآمين ؛ فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة ، وذكر أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، قال : فأتينا على رجل قد ألح في المسألة ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوجب إن ختم بآمين ) . وخرج ابن عدي بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة - مرفوعاً - : ( آمين قوة الدعاء ) . وفي ( آمين ) لغتان : المد ، والقصر ، والميم مخففة ، وحكي عن بعضهم تشديدها ، وقالوا : معناها قاصدين نحوك ، وزعم بعضهم أن آمين اسم من أسماء الله ، وفيه أقوال أخر لا تكاد تصلح . و ( اللجة ) - بفتح اللام وتشديد الجيم - : اختلاط الأصوات والضجات . و ( الرجة ) - بالراء - مثلها . وقول أبي هريرة : ( لا تسبقني بآمين ) يدل على فضل شهود المأموم مع إمامه آمين . وروي عن أبي الدرداء ، أنه سمع إقامة الصلاة ، فقالَ : أسرعوا بنا ندرك آمين . وقد قال وكيع : من أدرك آمين مع إمامه فقد أدرك معه فضيلة تكبيرة الإحرام . وأنكر الإمام أحمد ذلك ، وقال : لا تدرك فضيلة تكبيرة الإحرام إلا بإدراكها مع الإمام .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب جهر الإمام بالتأمين · ص 491 قال البخاري : 780 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، أنهما أخبراه ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه ) . وقال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( آمين ) . قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( آمين ) ، هوَ مما أرسله الزهري في آخر الحديث ، وقد روي عن الزبيدي ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته ، فقالَ : ( آمين ) . خرجه الدارقطني . وقال : إسناده حسن . كذا قال ، ووصله وهم ، إنما هو مدرج من قول الزهري ، كما رواه مالك . وروى ابن وهب هذا الحديث ، عن مالك ويونس ، عن الزهري ، وزاد فيه بعد قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) : ( فإن الملائكة تؤمن ) ، وذكر باقي الحديث . خرجه البيهقي . وخرجه ابن ماجه بهذه الزيادة - أيضاً - من رواية سفيان ، عن الزهري . دل هذا الحديث على أن الإمام والمأمومين يؤمنون جميعاً ، وهذا قول جمهور أهل العلم . روي عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأبي هريرة . وقال عطاء : لقد كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن : آمين ، هم أنفسهم ومن وراءهم ، حتى إن للمسجد للجة . وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد . وهو رواية المدنيين عن مالك واختيارهم . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن الإمام لا يؤمن ، إنما يؤمن من خلفه ، وهو اختيار المصريين من أصحابه . وحملوا قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) على أن المراد بتأمين الإمام دعاؤه بقراءة آخر الفاتحة ، بدليل رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قال الإمام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ) وسيأتي فيما بعد إن شاء الله . وليس فيه ما يدل على أن الإمام لا يؤمن ، بل فيه دليل على اقتران تأمين المأمومين بتأمين الإمام . وقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، فإن الملائكة تقول : آمين ، وإن الإمام يقول : آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) . واختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال : أحدها : يجهر بها الإمام ومن خلفه ، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة ، وعامة أهل الحديث . واستدل بعضهم بقوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) فدل على سماعهم لتأمينه . وروي عن عطاء ، قال : أدركت مائتين من أصحاب محمد ، إذا قال الإمام : وَلا الضَّالِّينَ سمعت لهم ضجة بـ ( آمين ) . خرجه حرب . والثاني : يخفيها الإمام ومن خلفه ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابه . والثالث : يخفيها المأموم كما يخفي سائر الأذكار ، ويجهر بها الإمام ، وهو قول للشافعي . ومن أصحابه من حمله على حال على قلة المأمومين أو صغر المسجد بحيث يبلغهم تأمين الإمام ، فإن لم يكن كذلك جهر المأمومون قولا واحداً . وفي الجهر بالتأمين للإمام أحاديث مرفوعة يطول ذكرها . وقال الإمام أحمد - في رواية أبي داود - : يجهر الإمام حتى يسمع كل من في المسجد ، قال أبو داود : وكان مسجده صغيراً . وقال حرب : سمعت أحمد يجهر بآمين جهراً خفيفاً رقيقاً ، وربما لم أسمعه يجهر بها ، قال : وسمعت إسحاق قال : يجهر بها حتى يسمع الصف الذي يليه ، قال : ويجهر بها كل صف حتى يسمع الصف الذي يليهم ، حتى يؤمن أهل المسجد كلهم . ويكون تأمين المأمومين مع تأمين الإمام ، لا قبله ولا بعده ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي ، وقالوا : لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا ، فإن الكل يؤمنون على دعاء الفاتحة ، والملائكة يؤمنون أيضاً على هذا الدعاء ، فيشرع المقارنة بالتأمين للإمام والمأموم ، ليقارن ذلك تأمين الملائكة في السماء ؛ بدليل قوله في رواية معمر : ( فإن الملائكة تقول : آمين ، والإمام يقول : آمين ) ، فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة ، ويكون معنى قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) أي : إذا شرع في التأمين ، أو أراده . وورد أثر يدل على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام ، من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن عتاب العدوي ، قال : صليت مع أبي بكر وعمر والأئمة بعدهما ، فكان إذا فرغ الإمام من قراءة فاتحة الكتاب فقال : وَلا الضَّالِّينَ قال : آمين ، ورفع بها صوته ، ثم أنصت ، وقال من خلفه : آمين ، حتى يرجع الناس بها ، ثم يستفتح القراءة . إسناده ضعيف . وتأمين الملائكة هو على دعاء القارئ ، هذا هو الصحيح الذي يفهم من الحديث . وقد ذكر ابن عبد البر وغيره فيهِ أقوالاً أخر ، مرغوباً عن ذكرها ؛ لبعدها وتعسفها من غير دليل . وقد قال عكرمة : إذا أقيمت الصلاة فصف أهل الأرض صف أهل السماء ، فإذا قال أهل الأرض : وَلا الضَّالِّينَ قالت الملائكة : آمين ، فوافق آمين أهل الأرض آمين لأهل السماء ؛ غفر لأهل الأرض ما تقدم من ذنوبهم . وروى العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قرأ الإمام بأم القرآن فاقرأ بها واسبقه ؛ فإنه إذا قال : وَلا الضَّالِّينَ قالت الملائكة : آمين ، فمن وافق ذلك قمن أن يستجاب لهم . ولا يستحب أن يصل آمين بذكر آخر ، مثل أن يقول : آمين رب العالمين ؛ لأنه لم تأت به السنة ، هذا قول أصحابنا . وقال الشافعي : هو حسن . ولا يستحب أن يقدم على التأمين دعاء ؛ لأن التأمين على دعاء الفاتحة ، وهو هداية الصراط المستقيم ، وهو أهم الأدعية وأجلها . ومن السلف من استحب ذلك للمأموم ، منهم : الربيع بن خثيم والثوري . وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) حدثنا أبو مالك النخعي ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فسل موجبة ، ثم قل : آمين . أبو مالك هذا ضعيف . وروى أبو بكر النهشلي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الله اليحصبي ، عن وائل بن حجر ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال : ( رب اغفر لي ، آمين ) . خرجه البيهقي وغيره . وهذا الإسناد لا يحتج به . وروى أبو حمزة ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يستحبون ذلك . وأبو حمزة هو ميمون الأعور ، ضعيف . وظاهر الأحاديث يدل على أن يوصل التأمين بالفاتحة من غير سكوت . وروى ابن المبارك ، ثنا عاصم الأحول ، عن حفصة بنت سيرين ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إذا قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ووصل بآمين ، فوافق تأمينه تأمين الملائكة استجيبت الدعوة . حفصة لم تسمع من ابن مسعود . واستحب الشافعية أن يسكت بين الفاتحة والتأمين سكتة لطيفة ؛ ليفصل القرآن عما ليس منه . والتأمين سنة في الصلاة ، وليس بواجب عند جمهور العلماء . وروى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ ، عن أحمد ، قال : آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا أمن القارئ فأمنوا ) فهذا أمر منه ، والأمر أوكد من الفعل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب جهر الإمام بالتأمين · ص 47 ( باب جهر الإمام بالتأمين ) أي هذا باب في بيان حكم جهر الإمام وجهر الناس بالتأمين على وزن التفعيل من أمن يؤمن إذا قال آمين وهو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعند جميع القراء كذلك ، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها ، وفيها ثلاث لغات أخر وهي شاذة ، الأولى : القصر ، حكاه ثعلب ، وأنكر عليه ابن درستويه ، الثانية : القصر مع التشديد ، والثالثة : المد مع التشديد ، وجماعة من أهل اللغة قالوا : إنهما خطأ ، وقال عياض : حكي عن الحسن المد والتشديد ، قال : وهي شاذة مردودة ، ونص ابن السكيت وغيره من أهل اللغة على أن التشديد لحن العوام ، وهو خطأ في المذاهب الأربعة ، واختلفت الشافعية في بطلان الصلاة بذلك ، وفي التجنيس ولو قال آمين بتشديد الميم في صلاته تفسد ، وإليه أشار صاحب الهداية بقوله والتشديد خطأ فاحش ولكنه لم يذكر هنا فساد الصلاة به لأن فيه خلافا ، وهو أن الفساد قول أبي حنيفة ، وعندهما لا تفسد لأنه يوجد في القرآن مثله ، وهو قوله تعالى : وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وعلى قولهما الفتوى ، وأما وزن آمين فليس من أوزان كلام العرب وهو مثل هابيل وقابيل ، وقيل هو تعريب همين ، وقيل أصله يا الله استجب دعاءنا وهو اسم من أسماء الله تعالى إلا أنه أسقط اسم النداء فأقيم المد مقامه فلذلك أنكر جماعة القصر فيه وقالوا المعروف فيه المد ، وروى عبد الرزاق ، عن أبي هريرة بإسناد ضعيف أنه اسم من أسماء الله تعالى ، وعن هلال بن يساف التابعي مثله وهو اسم فعل مثل صه بمعنى اسكت ويوقف عليه بالسكون فإن وصل بغيره حرك لالتقاء الساكنين ويفتح طلبا للخفة لأجل البناء كأين وكيف ، وأما معناه فقيل ليكن كذلك ، وقيل أقبل ، وقيل لا تخيب رجاءنا ، وقيل لا يقدر على هذا غيرك ، وقيل طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات ، وقيل هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله ، وقيل من شدد ومد فمعناه قاصدين إليك ، ونقل ذلك عن جعفر الصادق ، وقيل من قصر وشدد فهي كلمة عبرانية أو سريانية ، وعن أبي زهير النميري قال : " وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل ألح في الدعاء فقال صلى الله عليه وسلم : وجب إن ختم ، فقال رجل من القوم : بأي شيء يختم ؟ قال : بآمين ، فإنه إن ختم بآمين فقد وجب " رواه أبو داود ، قلت : أبو زهير صحابي وهو بضم الزاي وفتح الهاء ، وفي المجتبى لا خلاف أن آمين ليس من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال إنه منه ، وإنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة ، واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها ، والأصح أنه يأتي بها . ( وقال عطاء : آمين دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ) مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن عطاء لما قال آمين دعاء ، والدعاء يشترك فيه الإمام والمأموم ، ثم أكد ذلك بما رواه عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما ، وعطاء بن أبي رباح وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير بن العوام ، وهذا تعليق وصله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، " عن عطاء قلت له : أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، ويؤمن من وراءه ، حتى إن للمسجد للجة ، ثم قال : إنما آمين دعاء " ورواه الشافعي ، عن مسلم بن خالد ، عن ابن جريج " عن عطاء قال : كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون آمين ويقول من خلفه آمين ، حتى إن للمسجد للجة " وفي المصنف : حدثنا ابن عيينة قال : لعله عن ابن جريج ، عن عطاء ، " عن ابن الزبير قال : كان للمسجد رجة ، أو قال لجة ، إذا قال الإمام ولا الضالين " وروى البيهقي ، عن خالد بن أبي أيوب " عن عطاء قال : أدركت مائتين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، سمعت لهم رجة بآمين " قوله : " حتى إن للمسجد للجة " كلمة إن بالكسر ، وللمسجد أي ولأهل المسجد للجة ، اللام الأولى للتأكيد والثانية من نفس الكلمة وبتشديد الجيم وهي الصوت المرتفع ، وكذلك اللجلجة ، ويروى " لجلبة " بفتح الجيم واللام والباء الموحدة وهي الأصوات المختلطة ، وفي رواية البيهقي : لرجة ، بالراء موضع اللام . قوله : " آمين " دعاء مبتدأ وخبر مقول القول . قوله : " أمن ابن الزبير " ابتداء كلام من إخبار عطاء . ( وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تفتني بآمين ) مطابقة هذا للترجمة من حيث إنه يقتضي أن يقول الإمام والمأموم كلاهما آمين ولا يختص به أحدهما . قوله : " لا تفتني " بفتح التاء المثناة من فوق ، هي تاء الخطاب ، وضم الفاء وسكون التاء من الفوات ومعناه لا تدعني أن يفوت مني القول بآمين ، ويروى لا يسبقني من السبق ، وهكذا وصل ابن أبي شيبة هذا التعليق فقال : حدثنا وكيع ، حدثنا كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح " عن أبي هريرة أنه كان يؤذن بالبحرين فقال للإمام : لا تسبقني بآمين " وأخبرنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن محمد عنه مثله انتهى ، وكان الإمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي ، وروى صاحب المحلى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين ، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين ، وروى البيهقي من حديث أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم فاشترط أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه قد دخل الصف ، فكان إذا قال مروان : ولا الضالين ، قال أبو هريرة : آمين ، يمد بها صوته ، وقال : إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم ، وروي عن بلال نحو قول أبي هريرة ، أخرجه أبو داود ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي عثمان " عن بلال أنه قال : يا رسول الله لا تسبقني بآمين " وقد أول العلماء قوله : لا تسبقني ، على وجهين ، الأول : أن بلالا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإمام فربما يبقى عليه شيء منها ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ منها ، فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة حتى ينال بركة موافقته في التأمين ، الثاني : أن بلالا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف فإذا قال قد قامت الصلاة كبر النبي صلى الله عليه وسلم فربما سبقه ببعض ما يقرؤه ، فاستمهله بلال قدر ما يلحق القراءة والتأمين ، قلت : هذا الحديث مرسل ، وقال الحاكم في الأحكام : قيل إن أبا عثمان لم يدرك بلالا ، وقال أبو حاتم الرازي : رفعه خطأ ، ورواه الثقات ، عن عاصم ، عن أبي عثمان مرسلا ، وقال البيهقي : وقيل عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : قال بلال ، وهو ضعيف ليس بشيء ، قلت : عاصم هو الأحول ، وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي . ( وقال نافع : كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خيرا ) مطابقته للترجمة من حيث إنه كان لا يترك التأمين ، وهذا يتناول أن يكون إماما أو مأموما وكان في الصلاة أو خارج الصلاة ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا ختم أم القرآن قال آمين ، لا يدع أن يؤمن إذا ختمها ويحضهم على قولها . قوله : " لا يدعه " أي لا يتركه . قوله : " ويحضهم " بالضاد المعجمة أي يحثهم على القول بآمين وأن لا يتركوا قوله : " وسمعت منه " أي من ابن عمر " في ذلك " أي في القول بآمين " خيرا " بالياء آخر الحروف ، وهي رواية الكشميهني أي فضلا وثوابا ، وقال السفاقسي : أي خيرا موعودا لمن فعله ، وفي رواية غيره خبرا بفتح الباء الموحدة حديثا مرفوعا ، ويستأنس في ذلك بما أخرجه البيهقي : كان ابن عمر إذا أمن الناس أمن معهم ويروى ذلك من السنة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب جهر الإمام بالتأمين · ص 49 168 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . وقال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : آمين مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه صلى الله عليه وسلم أمر القوم بالتأمين عند تأمين الإمام . ورجاله قد ذكروه غير مرة ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع واحد وبصيغة التثنية من الماضي في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود فيه عن القعنبي ، والترمذي فيه عن أبي كريب ، عن زيد بن الحباب ، والنسائي فيه وفي الملائكة ، عن قتيبة ، خمستهم عن مالك ، عن الزهري . ذكر معناه . قوله : إذا أمن الإمام أي إذا قال الإمام آمين بعد قراءة الفاتحة فأمنوا ، أي فقولوا : آمين ، قوله فإنه أي فإن الشأن قوله : من وافق تأمينه تأمين الملائكة زاد يونس ، عن ابن شهاب عند مسلم فإن الملائكة تؤمن قبل قوله : فمن وافق وكذا في رواية ابن عيينة ، عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات ، وقال ابن حبان في صحيحه فإن الملائكة تقول آمين ثم قال : يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصا لله تعالى فإنه حينئذ يغفر له ، قلت : هذا التفسير يندفع بما في الصحيحين ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال أحدكم آمين ، وقالت الملائكة في السماء ، ووافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدم من ذنبه انتهى ، وزاد فيه مسلم إذا قال أحدكم في الصلاة ولم يقلها البخاري وغيره ، وهي زيادة حسنة نبه عليها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين ، وفي هذا اللفظ فائدة أخرى وهي اندراج المنفرد فيه وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام وفي المأموم أو فيهما ، والله أعلم . واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل : هم الحفظة ، وقيل : الملائكة المتعاقبون ، وقيل غير هؤلاء ؛ لما روى البيهقي بلفظ إذا قال القارئ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وقال من خلفه آمين ، ووافق ذلك قول أهل السماء آمين ، غفر له ما تقدم من ذنبه ورواه الدارمي أيضا في مسنده ، وقيل هم جميع الملائكة بدليل عموم اللفظ ؛ لأن الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق بأن يقولها الحاضرون من الحفظة ومن فوقهم حتى ينتهي إلى الملأ الأعلى وأهل السماوات . قوله : غفر له ما تقدم من ذنبه ووقع في رواية بحر بن نصر ، عن ابن وهب ، عن يونس في آخر هذا الحديث ، وما تأخر ذكرها الجرجاني في أماليه ، قيل : إنها شاذة لأن ابن الجارود روى في المنتقى ، عن بحر بن نصر بدون هذه الزيادة ، وكذا في رواية مسلم ، عن حرملة ، وفي رواية ابن خزيمة ، عن يونس بن عبد الأعلى ، كلاهما عن ابن وهب بدون هذه الزيادة ، والذي وقع في نسخة لابن ماجه ، عن هشام بن عمار وأبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن ابن عيينة بإثبات هذه الزيادة غير صحيح ؛ لأن ابن أبي شيبة قد روى هذا الحديث في مسنده ومصنفه بدون هذه الزيادة ، وكذلك الحفاظ من أصحاب ابن عيينة مثل الحميدي وابن المديني وغيرهما رووا بدون هذه الزيادة ، ثم قوله : غفر ظاهره يعم غفران جميع الذنوب الماضية إلا ما يتعلق بحقوق الناس ، وذلك معلوم من الأدلة الخارجية المخصصة لعمومات مثله ، وأما الكبائر فإن عموم اللفظ يقتضي المغفرة ، ويستدل بالعام ما لم يظهر المخصص ، قوله وقال ابن شهاب : إلى آخره ، صورته صورة إرسال لكن متصل إليه برواية عنه وليس بتعليق ، ووصله الدارقطني في الغرائب من طريق حفص بن عمر العدني ، عن مالك ، وقال : تفرد به حفص بن عمر وهو ضعيف ، ويؤيد ما ذكره ابن شهاب في هذا الحديث من حيث المعنى ما أخرجه النسائي في سننه من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ، فإن الملائكة تقول آمين ، وإن الإمام يقول آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . ذكر ما يستفاد منه : فيه أن الإمام يؤمن ، خلافا لمالك كما قال بعضهم عنه ، وفي المعارضة قال مالك : لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر ، وقال ابن حبيب : يؤمن ، وقال ابن بكير : هو بالخيار ، وروى الحسن ، عن أبي حنيفة أن الإمام لا يأتي به ، فإن قلت : ما جوابه عن الحديث على هذه الرواية ، قلت : جوابه أنه إنما سمي الإمام مؤمنا باعتبار التسبب ، والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر كما يقال بنى الأمير داره ، واستدل بعض المالكية لمالك أن الإمام لا يقولها بقوله صلى الله عليه وسلم إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين لأنه صلى الله عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم ، والقسمة تنافي الشركة ، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمن الإمام على بلوغ موضع التأمين وقالوا سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي وآخر الفاتحة دعاء فلا يؤمن الإمام لأنه داع ، وقال القاضي أبو الطيب : هذا غلط بل الداعي أولى بالاستيجاب ، واستبعد أبو بكر بن العربي تأويلهم لغة وشرعا ، وقال : الإمام أحد الداعين وأولهم وأولاهم . وفيه أن المؤتم يقولها بلا خلاف ، وفيه رد على الإمامية في قولهم إن التأمين يبطل الصلاة لأنه لفظ ليس بقرآن ولا ذكر ، وقال السفاقسي : وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها ، وعن بعضهم إنها تفسد الصلاة ، وقال ابن حزم : يقولها الإمام سنة والمأموم فرضا . وفيه أنه مما تمسك به الشافعي في الجهر بالتأمين ، وذكر المزني في مختصره ، وقال الشافعي : يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة والمأموم يخافت ، وفي الخلاصة للغزالي : ومن سنن الصلاة أن يجهر بالتأمين في الجهرية ، وفي التلويح : ويجهر فيها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود ، وقال جماعة : يخفيها ، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين وأحد قولي مالك والشافعي في الجديد ، وفي القديم يجهر ، وعن القاضي حسين عكسه ، قال النووي : وهو غلط ، ولعله من الناسخ ، واحتج أصحابنا بما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه والحاكم في مستدركه من حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس عن علقمة بن وائل ، عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : آمين ، وأخفى بها صوته ولفظ الحاكم في كتاب القراءات وخفض بها صوته وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، فإن قلت : روى أبو داود والترمذي ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس ، عن وائل بن حجر ، واللفظ لأبي داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين ، قال : آمين ، ورفع بها صوته ولفظ الترمذي ومد بها صوته وقال حديث حسن وروى أبو داود والترمذي من طريق آخر ، عن علي بن صالح ، ويقال العلاء بن صالح الأسدي ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس عن وائل بن حجر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى فجهر بآمين ، وسلم عن يمينه وشماله ، وسكتا عنه وروى النسائي ، أخبرنا قتيبة ، حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما افتتح الصلاة كبر الحديث ، وفيه فلما فرغ من الفاتحة قال آمين ، يرفع بها صوته وروى أبو داود وابن ماجه ، عن بشر بن رافع ، عن عبد الله ابن عم أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : آمين ، حتى يسمع من الصف الأول وزاد ابن ماجه فيرتج بها المسجد ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ، وقال : على شرط الشيخين ، ورواه الدارقطني في سننه ، وقال : إسناده صحيح ، قلت : الذي رواه أبو داود والترمذي ، عن سفيان ، يعارضه ما رواه الترمذي أيضا عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر أبي العنبس ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه ، وقال فيه : وخفض بها صوته فإن قلت : قال الترمذي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : حديث سفيان أصح من حديث شعبة ، وأخطأ شعبة في مواضع فقال : حجر أبي العنبس ؛ وإنما هو حجر بن العنبس ، ويكنى أبا السكن ، وزاد فيه علقمة : وإنما هو حجر ، عن أبي وائل ، وقال : خفض بها صوته ، وإنما هو مد بها صوته ، قلت : تخطئة مثل شعبة خطأ ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث ، وقوله هو حجر بن العنبس وليس بأبي العنبس ، ليس كما قاله ؛ بل هو أبو العنبس حجر بن العنبس ، وجزم به ابن حبان في الثقات فقال : كنيته كاسم أبيه ، وقول محمد : يكنى أبا السكن ، لا ينافي أن تكون كنيته أيضا أبا العنبس لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان ، وقوله وزاد فيه علقمة لا يضر لأن الزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما من مثل شعبة ، وقوله : وقال وخفض بها صوته ، وإنما هو ومد بها صوته ، يؤيده ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : آمين ، فأخفى بها صوته فإن قلت : قال الدارقطني : وهم شعبة فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا : ورفع بها صوته ، وهو الصواب ، وطعن صاحب التنقيح في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه ، كما أخرجه البيهقي في سننه ، عن أبي الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، سمعت حجرا أبا العنبس يحدث عن وائل الحضرمي أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين ، قال : آمين ، رافعا صوته قال : فهذه الرواية توافق رواية سفيان ، وقال البيهقي في المعرفة : إسناد هذه الرواية صحيح ، وكان شعبة يقول : سفيان أحفظ ، وقال يحيى القطان ويحيى بن معين : إذا خالف شعبة قول سفيان فالقول قول سفيان ، قال : وقد أجمع الحفاظ البخاري وغيره أن شعبة أخطأ ، قلت : قول الدارقطني وهم شعبة ، يدل على قلة اعتنائه بكلام هذا القائل وإثبات الوهم له لكونه غير معصوم موجود في سفيان ، فربما يكون هو وهم ، ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحا ، وقد قال بعض العلماء : والصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافتة صحيحان ، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء ، فإن قلت : قال ابن القطان في كتابه : هذا الحديث فيه أربعة أمور : اختلاف سفيان وشعبة في اللفظ ، وفي الكنية ، وحجر لا يعرف حاله ، واختلافهما أيضا حيث جعل سفيان من رواية حجر ، عن علقمة بن وائل ، عن وائل ، قلت : الجواب عن الأول لا يضر اختلاف سفيان وشعبة ؛ لأن كلا منهما إمام عظيم الشأن فلا تسقط رواية أحدهما بروية الآخر ، وما يقال من الوهم في أحدهما يصدق في الآخر فلا ينتج من ذلك شيء ، وعن الثاني أيضا لا يضر الاختلاف المذكور في الاسم والكنية كما شرحناه الآن ، وعن الثالث أنه ممنوع ، وكيف لا يعرف حاله وقد ذكره البغوي وأبو الفرج وابن الأثير وغيرهم في جملة الصحابة ، ولئن نزلناه من رتبة الصحابة إلى رتبة التابعين فقد وجدنا جماعة أثنوا عليه ووثقوه ، منهم الخطيب أبو بكر البغدادي قال : صار مع علي رضي الله تعالى عنه إلى النهروان وورد المدائن في صحبته ، وهو ثقة احتج بحديثه غير واحد من الأئمة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن معين : كوفي ثقة مشهور ، وعن الرابع أن دخول علقمة في الوسط ليس بعيب لأنه سمعه من علقمة أولا بنزول ثم رواه عن وائل بعلو ، بين ذلك الكجي في سننه الكبير ، وأما حديث أبي هريرة ففي إسناده بشر بن رافع الحارثي ، وقد ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن معين ، وقال ابن القطان في كتابه : بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي ضعيف ، وهو يروي هذا الحديث عن عبد الله ابن عم أبي هريرة ، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ولا روى عنه غير بشر ، والحديث لا يصح من أجله ، فسقط بذلك قول الحاكم على شرط الشيخين وتحسين الدارقطني إياه . واحتج أصحابنا أيضا بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار ، حدثنا أبو حنيفة ، حدثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي قال : أربع يخفيهم الإمام : التعوذ ، وبسم الله الرحمن الرحيم ، وسبحانك اللهم ، وآمين ورواه عبد الرزاق في مصنفه ، أخبرنا معمر ، عن حماد به فذكره إلا أنه قال عوض قوله : سبحانك اللهم ، اللهم ربنا لك الحمد ثم قال : أخبرنا الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : خمس يخفيهن الإمام فذكرها وزاد سبحانك اللهم وبحمدك وبما رواه الطبراني في تهذيب الآثار : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي سعيد ، عن أبي وائل قال : لم يكن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ، ولا بآمين وقالوا أيضا : آمين دعاء ، والأصل في الدعاء الإخفاء . وفيه من الفضائل تفضيل الإمامة لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة ، ولهذا شرعت للإمام موافقته .