145 - بَاب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ وَكَانَتْ فَقِيهَةً 827 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ الْيُسْرَى ، فَقُلْتُ : إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ ) أَيِ السُّنَّةُ فِي الْجُلُوسِ الْهَيْئَةُ الْآتِي ذِكْرُهَا ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ نَفْسَ الْجُلُوسِ سُنَّةٌ . وَيَحْتَمِلُ إِرَادَتَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ضَمَّنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ سِتَّةَ أَحْكَامٍ ، وَهِيَ أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ غَيْرُ مُطْلَقِ الْجُلُوسِ ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سُنَّةٌ ، وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَنَّ ذَا الْعِلْمِ يُحْتَجُّ بِعَمَلِهِ اهـ . وَهَذَا الْأَخِيرُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا ضُمَّ أَثَرُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ إِلَى التَّرْجَمَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ ، وَأَثَرُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ قَوْلُ مَكْحُولٍ فِي آخِرِهِ وَكَانَتْ فَقِيهَةً ، فَجَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ لَا مِنْ كَلَامِ مَكْحُولٍ ، فَقَالَ مُغَلْطَايْ : الْقَائِلُ : وَكَانَتْ فَقِيهَةً هُوَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا أَرَى . وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَقَالَ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ اهـ . وَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، فَقَدْ رَوَيْنَاهُ تَامًّا فِي مُسْنَدِ الْفِرْيَابِيِّ أَيْضًا بِسَنَدِهِ إِلَى مَكْحُولٍ ، وَمِنْ طَرِيقَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا كَانَ عَامًّا وَعَمِلَ بِعُمُومِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رُجِّحَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ بِمُجَرَّدِهِ ، وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِأُمِّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّةُ لَا الْكُبْرَى الصَّحَابِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الصُّغْرَى وَلَمْ يُدْرِكِ الْكُبْرَى ، وَعَمَلُ التَّابِعِيِّ بِمُفْرَدِهِ وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يُورِدِ الْبُخَارِيُّ أَثَرَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ لِيَحْتَجَّ بِهِ بَلْ لِلتَّقْوِيَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ سُمِّيَ بِاسْمِ أَبِيهِ وَكُنِّيَ بِكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَمَلَهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ ، فَأَدْخَلَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِيهِ - بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَكَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْهُ ، ثُمَّ لَقِيَهُ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعَهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ . قَوْلُهُ : ( وَتَثْنِي الْيُسْرَى ) لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ ثَنْيِهَا هَلْ يَجْلِسُ فَوْقَهَا أَوْ يَتَوَرَّكُ ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ . فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ مَا أُجْمِلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ لِاقْتِضَاءِ ذَلِكَ الرَّفْعِ ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ الْمُفَصَّلُ بَيْنَ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ قَدْ يُقَالُ إِنَّهَا لَا تُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ لِأَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ جُلُوسَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَنْصِبَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى . فَإِذَا حُمِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ؛ انْتَفَى عَنْهُمَا التَّعَارُضُ وَوَافَقَ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ) أَيِ التَّرَبُّعُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اخْتَلَفُوا فِي التَّرَبُّعِ فِي النَّافِلَةِ وَفِي الْفَرِيضَةِ لِلْمَرِيضِ ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَبُّعُ فِي الْفَرِيضَةِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، كَذَا قَالَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَأَنْ أَقْعُدَ عَلَى رَضَفَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُدَ مُتَرَبِّعًا فِي الصَّلَاةِ . وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَحْرِيمِهِ عِنْدَهُ ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ ، فَلَعَلَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ أَرَادَ بِنَفْيِ الْجَوَازِ إِثْبَاتَ الْكَرَاهَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رِجْلِي ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا ابْنُ التِّينِ أن رِجْلَايَ ، وَوَجَّهَهَا عَلَى أَنَّ إِنَّ بِمَعْنَى نَعَمْ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ، فَقَالَ : رِجْلَايَ لَا تَحْمِلَانِي أَوْ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ ، وَلَهَا وَجْهٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الْأَوْجُهَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ قَوْلُهُ : ( لَا تَحْمِلَانِّي ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ · ص 355 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب سنة الجلوس في التشهد · ص 152 145 - باب سنة الجلوس في التشهد وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة . قال حرب الكرماني : نا عمرو بن عثمان ، نا الوليد بن مسلم ، عن ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل ، إلا أنها تميل على شقها الأيسر ، وكانت فقيهة . وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي ، وهو رواية عن النخعي . وروي عن نافع ، أن ابن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة . وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة ابن عمر ، أنها كانت تتربع في الصلاة . وقال زرعة بن إبراهيم ، عن خالد بن اللجلاج ، كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ، يتقى ذلك عن المرأة ، مخافة أن يكون الشيء منها . خرجه ابن أبي شيبة . وقال الإمام أحمد : تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها ، والسدل عنده أفضل . وهو قول النخعي والثوري وإسحاق ؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل ، وأبلغ في الاجتماع والضم . وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك ، وأما الإمام أحمد فصرح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء . وروى سعيد بن منصور بإسناده ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال : كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها ، وربما جلست متربعة . وقال الشعبي : تجلس كما تيسر عليها . وقال قتادة : تجلس كما ترى أنه أستر . وقال عطاء : لا يضرها أي ذلك جلست ، إذا اجتمعت . قال : وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلي من الأيمن . وقال حماد : تفعل كيف شاءت .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب سنة الجلوس في التشهد · ص 153 خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 827 - ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله ، أنه أخبره أنه كان يرى ابن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس ، ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى ، فقلت : إنك تفعل ذلك ؟ فقال : إن رجلي لا تحملاني . وخرجه النسائي من رواية يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى ، واستقباله بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى . وفي رواية - أيضا - بهذا إسناد : من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى . وهذا حكمه حكم المرفوع ؛ لقوله : من سنة الصلاة . وقد رواه مالك عن يحيى بن سعيد ، فجعله عن ابن عمر من فعله ، ولم يذكر : السنة . خرجه أبو داود ، وذكر فيه : الجلوس على وركه الأيسر ، وسيأتي لفظه فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وظاهر الروايات التي قبل هذه : إنما تدل على الافتراش لا على التورك ، ورواية النسائي صريحة بذلك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سنة الجلوس في التشهد · ص 101 ( باب سنة الجلوس في التشهد ) أي هذا باب في بيان سنة الجلوس في التشهد . والمراد من سنة الجلوس يحتمل أن تكون هيئته كالافتراش مثلا ، ويحتمل أن تكون نفسه ، وحديث الباب يصلح للأمرين ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : الجلوس قد يكون واجبا . ( قلت ) : المراد بالسنة الطريقة المحمدية ، وهي أعم من المندوب . ( وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة ) . اسم أم الدرداء خيرة بنت أبي حدرد ، وقيل : هجيمة ، وقد تقدمت في باب ( فضل صلاة الفجر من الجماعة وأثرها ) الذي علقه البخاري ، وصله ابن أبي شيبة عن وكيع ، عن ثور ، عن مكحول أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة كجلسة الرجل ، قيل : يفهم من رواية ابن أبي شيبة أن أم الدرداء هذه هي الصغرى التابعية ، لا أم الدرداء الكبرى الصحابية ؛ لأن مكحولا أدرك الصغرى دون الكبرى . ( قلت ) : قال ابن الأثير : قد جعل ابن منده وأبو نعيم خيرة أم الدرداء الكبرى وهجيمة واحدة ، وليس كذلك ؛ فإن الكبرى اسمها خيرة ، وأم الدرداء الصغرى اسمها هجيمة ، الكبرى لها صحبة ، والصغرى لا صحبة لها ، هذا هو الصحيح ، وما سواه وهم . قلت : إطلاق البخاري أم الدرداء هاهنا من غير تعيين يحتمل الكبرى والصغرى ، ولكن احتمال الكبرى يقوى بقوله " وكانت فقيهة " . ثم قوله : " وكانت فقيهة " هل هو من كلام البخاري أو غيره ؟ فقال صاحب ( التلويح ) : القائل " وكانت فقيهة " هو البخاري فيما أرى ، وقال صاحب ( التوضيح ) : الظاهر أنه قول البخاري ، وقال بعضهم : ليس كما قال ، وشيد كلامه بأن الدليل إذا كان عاما وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به ، وإن لم يحتج به بمجرده ، وقد عرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية لا الكبرى الصحابية ؛ لأن مكحولا لم يدرك الكبرى ، وإنما أدرك الصغرى . قلت : عبارة البخاري تحتمل الأمرين ، ولكن الظاهر أنها الكبرى ، كما قال صاحب ( التلويح ) و ( التوضيح ) . قوله " جلسة الرجل " بكسر الجيم ؛ لأن الفعلة بالكسر إنما هي للنوع ، فدل هذا على أن المستحب للمرأة أن تجلس في التشهد كما يجلس الرجل ، وهو أن ينصب اليمنى ويفترش اليسرى . وبه قال النخعي وأبو حنيفة ومالك ، ويروى عن أنس كذلك . وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر ، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر ، وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها ، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس ، بخلاف الرجل ، وقال قوم : تجلس كيف شاءت إذا تجمعت . وبه قال عطاء والشعبي ، وكانت صفية رضي الله تعالى عنها تصلي متربعة ، ونساء ابن عمر كن يفعلنه ، وقال بعض السلف : كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ، وقال عطاء وحماد : تجلس كيف تيسر . 213 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يتربع في الصلاة إذا جلس ، ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى ، فقلت : إنك تفعل ذلك ، فقال : إن رجلي لا تحملاني . مطابقته للترجمة في قوله : " إنما سنة الصلاة أن تنصب " إلى آخره . ورجاله مشهورون وهم عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم ، والعبد مكبر في الابن والأب معا ، وهو تابعي ، ثقة ، سمي باسم أبيه ، وكني بكنيته . قوله : " أنه أخبره " صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم روى عن عبد الله المذكور . وروى الإسماعيلي عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عبد الله . وكذا رواه ابن نافع والأكثرون ، عن القعنبي فقالوا : عن أبيه ، وعلم من رواية عبد الله بن مسلمة أن عبد الرحمن سمعه عن أبيه ، عن عبد الله ، ثم لقي عبد الله ، وسمعه منه بلا واسطة ، أو يكون عبد الرحمن سمعه من عبد الله وأبوه معه . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة عن القعنبي . وعن عبيد الله بن معاذ . وعن عثمان بن أبي شيبة . وعن هناد بن السري . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، عن الليث . وعن الربيع بن سليمان . ( ذكر معناه ) : قوله : " إنما سنة الصلاة " تدل على أن هذا الحديث مسند ؛ لأن الصحابي إذا قال : سنة فإنما يريد سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ إما بقوله أو بفعل شاهده ، كذا قاله ابن التين . قوله : " وأنا يومئذ " الواو فيه للحال . قوله : " أن تنصب " أي لا تلصقه بالأرض . قوله : " ويثني " أي يعطف ، لم يبين فيه ما يصنع بعد ثنيها ؛ هل يجلس فوقها أو يتورك ، ووقع في ( الموطأ ) ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك . فظهر من رواية القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه . وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وتجلس على اليسرى . قوله : " تفعل ذلك " أي التربع . قوله : " إن رجلي " كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية حكاها ابن التين " إن رجلاي " ووجه هذه بوجهين : أحدهما : أن تكون " إن " بمعنى نعم ، افعل ذلك ، ويكون حرف جواب ، وقد ورد ذلك في كلام العرب نظما ونثرا ؛ أما النظم ففي قوله : ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت : إنه وأما النثر فقد قال عبد الله بن الزبير - لمن قال : لعن الله ناقة حملتني إليك - : "إن ، وراكبها " أي نعم ولعن راكبها . والوجه الثاني : أن يكون على لغة بني الحارث ، فإنهم لا ينصبون بإن اسمها ، وعليه قراءة إن هذان لساحران . وقال الشاعر : إن أباها وأبا أباها قوله : " لا تحملاني " روي بتشديد النون وبتخفيفها . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن السنة أن ينصب المصلي رجله اليمنى ويثني اليسرى . وقد اختلفوا في صفة الجلوس في الصلاة ؛ فذهب يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم ومالك - إلى أن المصلي ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ويقعد بالأرض في القعدة الأولى ، وفي الأخيرة ، وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك ، وفي ( الجواهر ) : المستحب في الجلوس كله الأول والأخير وبين السجدتين - أن يكون توركا ، وفي ( التمهيد ) : المرأة والرجل سواء في ذلك عند مالك ، وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن المصلي يفعل في القعود الأول مثل ما ذكرنا الآن ، وإن كان في القعود الثاني يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، وقال أبو عمر : قال الشافعي : إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعا ، فأخرجهما عن وركه الأيمن ، وأفضى بمقعدته إلى الأرض ، وأضجع اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى . وقال أحمد مثل قول الشافعي ، إلا في الجلوس في الصبح ، فإن عنده كالجلوس في ثنتين ، وهو قول داوود . وقال الطبري : إن فعل هذا فحسن ، وإن فعل هذا فحسن ؛ لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال النووي : الجلسات عند الشافعي أربع ؛ الجلوس بين السجدتين ، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام ، والجلسة للتشهد الأول ، والجلسة للتشهد الأخير . فالجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة ، فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركا ، جلس المسبوق مفترشا في تشهده ، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ، ثم سلم . انتهى . وعندنا السنة أن يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها ، وينصب اليمنى نصبا في القعدتين جميعا . وبه قال الثوري ، واستدلوا بحديث عائشة في ( صحيح مسلم ) قالت : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفتتح الصلاة ... إلى أن قالت : وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى الحديث ، وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا ، وقال النووي : وجلوس المرأة كجلوس الرجل . وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع . وعن بعضهم التربع في النافلة . وقال أبو عمر : اختلفوا في التربع في النافلة ، وفي الفريضة للمريض ، فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء . وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة ، وهذا يشعر بتحريمه عنده ، ولكن المشهور عند أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة ، وقال ابن بطال : روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتربعون في الصلاة ، كما فعله ابن عمر ، منهم ابن عباس وأنس وسالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد ، وجوزه الحسن في النافلة ، وفي رواية كرهه هو والحكم وابن مسعود .