855 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا ، أَوْ قَالَ : فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ . وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ فَقَالَ : قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ : كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ : أُتِيَ بِبَدْرٍ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ ، فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُسَ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ . قَوْلُهُ : ( زَعَمَ عَطَاءٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : عَنْ عَطَاءٍ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي عَطَاءٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَقُلْ زَعَمَ عَلَى وَجْهِ التُّهْمَةِ ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا مُخْتَلَفًا فِيهِ أَتَى بِلَفْظِ الزَّعْمِ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي أَمْرٍ يُرْتَابُ بِهِ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ . قُلْتُ : وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَلَامُ الْخَطَّابِيِّ لَا يَنْفِي ذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْآتِيَةِ عَنْ جَابِرٍ وَلَمْ يَقُلْ زَعَمَ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ الزُّهْرِيُّ ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالشَّكِّ أَيْضًا ، وَلِغَيْرِهِ : وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الِاعْتِزَالِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ ، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ هَلْ هُوَ مَوْصُولٌ أَوْ مُرْسَلٌ كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِسِتِّ سِنِينَ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَكَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ ، وَهَذَا وَقَعَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى عِنْدَ قُدُومِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ وَنُزُولِهِ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( أُتِيَ بِقِدْرٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ مَا يُطْبَخُ فِيهِ ، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ ، وَالتَّأْنِيثُ أَشْهَرُ ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : فِيهِ خَضِرَاتٌ يَعُودُ عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي فِي الْقِدْرِ ، فَالتَّقْدِيرُ أُتِيَ بِقِدْرٍ مِنْ طَعَامٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ ، وَلِهَذَا لَمَّا أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْقِدْرِ أَعَادَهُ بِالتَّأْنِيثِ حَيْثُ قَالَ : فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا وَحَيْثُ قَالَ : قَرِّبُوهَا وَقَوْلُهُ : خُضَرَاتٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَا ضُبِطَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَهُوَ جَمْعُ خَضِرَةٍ ، وَيَجُوزُ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ ضَمُّ الضَّادِ وَتَسْكِينُهَا أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فِيهِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى ، إِذِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ قَالَ قَرِّبُوهَا إِلَى فُلَانٍ مَثَلًا ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ أَيْ قَالَ قَرِّبُوهَا مُشِيرًا أَوْ أَشَارَ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ . قُلْتُ وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي قِصَّةِ نُزُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ قَالَ فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ - أَيْ بَعْدَ أَنْ يَأْكُلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَنَعَ ذَلِكَ مَرَّةً فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُلْ ، وَكَانَ الطَّعَامُ فِيهِ ثُومٌ ، فَقَالَ : أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ . قَوْلُهُ : ( كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي ) أَيْ الْمَلَائِكَةَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِطَعَامٍ مِنْ خَضِرَةٍ فِيهِ بَصَلٌ أَوْ كُرَّاثٌ فَلَمْ يَرَ فِيهِ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأبى أَنْ يَأْكُلَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا مَنَعَكَ ؟ قَالَ : لَمْ أَرَ أَثَرَ يَدِكَ . قَالَ : أَسْتَحِي مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ أَيُّوبَ قَالَتْ : نَزَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَكَلَّفْنَا لَهُ طَعَامًا فِيهِ بَعْضُ الْبُقُولِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ : كُلُوا ، فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ، إِنِّي أَخَافُ أُوذِيَ صَاحِبِي . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ ) مُرَادُهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ خَالَفَ سَعِيدَ بْنَ عُفَيْرٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَطْ وَشَارَكَهُ فِي سَائِرِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الِاعْتِصَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ : أُتِيَ بِبَدْرٍ وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ : يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، لَكِنْ أَخَّرَ تَفْسِيرَ ابْنِ وَهْبٍ فَذَكَرَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَدِيثِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فَقَالَ : بِقِدْرٍ بِالْقَافِ ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ رِوَايَةَ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ لِكَوْنِ ابْنِ وَهْبٍ فَسَّرَ الْبَدْرَ بِالطَّبَقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَفْظَةَ بِقِدْرٍ تَصْحِيفٌ لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِالطَّبْخِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِأَكْلِ الْبُقُولِ مَطْبُوخَةً ، بِخِلَافِ الطَّبَقِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبُقُولَ كَانَتْ فِيهِ نَيِّئَةً . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ رِوَايَةَ الْقِدْرِ أَصَحُّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَأُمِّ أَيُّوبَ جَمِيعًا ، فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِالطَّعَامِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ امْتِنَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَغَيْرِهِ مَطْبُوخًا وَبَيْنَ إِذْنِهِ لَهُمْ فِي أَكْلِ ذَلِكَ مَطْبُوخًا ، فَقَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ وَتَرْجَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ذَكَرَ مَا خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ مِنْ تَرْكِ أَكْلِ الثُّومِ وَنَحْوِهِ مَطْبُوخًا ، وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْقِدْرِ لَمْ يَنْضَجْ حَتَّى تَضْمَحِلَّ رَائِحَتُهُ فَبَقِيَ فِي حُكْمِ النِّيءِ . قَوْلُهُ : ( بِبَدْرٍ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الطَّبَقُ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْقَمَرِ عِنْدَ كَمَالِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ ، وَأَبُو صَفْوَانَ ، عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ ) أَمَّا رِوَايَةُ اللَّيْثِ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي صَفْوَانَ وَهُوَ الْأُمَوِيُّ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَكَذَا اقْتَصَرَ عُقَيْلٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . قَوْلُهُ : ( فَلَا أَدْرِي إِلَخْ ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَلَامُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ ، وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ بِأَنَّهُ مُدْرَجٌ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ · ص 397 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 284 الطريق الثاني : 855 - ثنا سعيد بن عفير ، ثنا ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب : زعم عطاء ، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته . وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بقدر فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحا ، فسأل ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها - إلى بعض أصحابه كان معه - فلما رآه كره أكلها . قال : كل ، فإني أناجي من لا تناجي . وقال أحمد بن صالح ، عن ابن وهب : أتي ببدر . قال ابن وهب : يعني : طبقا فيه خضرات . ولم يذكر الليث وأبو صفوان ، عن يونس قصة القدر ، فلا أدري : هو من قول الزهري ، أو في الحديث ؟ قال الخطابي : قول ابن شهاب : زعم عطاء ، أن جابرا زعم ليس على معنى التهمة لهما ، ولكن لما كان أمرا مختلفا فيه حكى عنهم بالزعم ، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب به ، ويقال : في قول فلان مزاعم ، إذا لم يكن موثوقا به . وذكر : أن رواية القدر تصحيف ، إنما الصواب ببدر ، وهو الطبق ، كما قاله ابن وهب ، وسمي بدرا لاستدارته وحسن اتساقه ، تشبيها بالقمر . قال : وإن لم يكن القدر تصحيفا ، فلعله كان مطبوخا ، ولذلك لم يكره أكله لأصحابه ، ثم بين أن كراهته لا تبلغ التحريم لقوله : أناجي من لا تناجي ، يريد : الملك . انتهى . وخرج ابن جرير الطبري بإسناد فيه ضعف من حديث أبي أيوب الأنصاري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - لما امتنع من أكل الطعام الذي أرسله إليه - : إن فيها هذه البقلة : الثوم ، وأنا رجل أقرب الناس وأناجيهم ، فأكره أن يجدوا مني ريحه ، ولكن مر أهلك أن يأكلوها . وهذه الرواية : تدل على أنه كره أكلها لكثرة مخالطته للناس وتعليمهم القرآن والعلم ، فيستفاد من ذلك : أن من كان على هذه الصفة ، فإنه يكره ذلك من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثل حاله . ولكن ؛ روى مالك ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه ، من أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام . وهذا مرسل . ولا ينافي التعليل بمناجاة الملك التعليل بمناجاة بني آدم ، كما ورد تعليل النهي عن قربان آكل الثوم للمساجد بالعلتين جميعا ، كما سبق ذكره . وقد ذكر البخاري : أن قصة إتيانه بقدر أو بدر لم يذكرها في هذا إلا ابن وهب ، عن يونس ، وأن الليث بن سعد وأبا صفوان - وهو : عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان - رويا عن يونس أول الحديث دون هذه القصة الآخرة ، وأن ذلك يوجب التوقف في أن هذه القصة : هل هي من تمام حديث جابر ، أو مدرجة من كلام الزهري ؛ فإن الزهري كان كثيرا يروي الحديث ، ثم يدرج فيه أشياء ، بعضها مراسيل ، وبعضها من رأيه وكلامه . وقد خرج البخاري في الأطعمة الحديث من رواية أبي صفوان ، عن يونس ، مقتصرا على أول الحديث . وخرج البخاري في الأطعمة الحديث ، عن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب ، وفي حديثه : ببدر ، وذكر مخالفة سعيد بن عفير له ، وأنه قال : بقدر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث · ص 147 236 - حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ، زعم عطاء أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها إلى بعض أصحابه - كان معه - فلما رآه كره أكلها ، قال : كل فإني أناجي من لا تناجي . مطابقته للترجمة في الثوم والبصل . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ سعيد ، هو ابن كثير بن عفير ، أبو عثمان المصري . وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري . ويونس بن يزيد . وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . وعطاء ابن أبي رباح . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه زعم في موضعين ، قال الخطابي : لم يقل زعم على وجه التهمة لكنه لما كان أمرا مختلفا فيه أتى بلفظ زعم لأن هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في أمر يرتاب فيه أو يختلف فيه . وقال الكرماني : زعم ، أي : قال ، لأن الزعم يستعمل للقول المحقق . وفي رواية الأصيلي : عن عطاء ، وفي رواية لمسلم من وجه آخر عن ابن وهب : حدثني عطاء ، وفي رواية أحمد بن صالح الآتية عن جابر ، لم يقل زعم . قلت : دلت هذه الروايات أن زعم هاهنا بمعنى قال ، كما ذكره الكرماني . وفيه أن الاثنين الأولين من الرواة مصريان ، والثالث والرابع مدنيان ، والخامس مكي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن علي بن عبد الله وعن أحمد بن صالح . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى . وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن أحمد بن صالح . وأخرجه النسائي في الوليمة عن يونس بن عبد الأعلى . ذكر معناه : قوله : أو قال فليعتزل مسجدنا ، شك من الراوي ، وهو الزهري ، ولم تختلف الرواة عنه في ذلك . قوله : وليقعد ، بواو العطف ، وفي رواية أبي ذر : أو ليقعد ، بالشك ، وهو أخص من الاعتزال ، لأنه أعم من أن يكون في البيت أو غيره . قوله : وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، عطف على الإسناد المذكور ، والتقدير : وحدثنا سعيد بن عفير بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون هذا حديثا آخر . وقال بعضهم : وقد تردد البخاري فيه هل موصول أو مرسل . قلت : على التقدير الذي ذكرنا لا تردد فيه أنه موصول ، لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه . قوله : أتي بقدر ، بكسر القاف وهو القدر الذي يطبخ فيه الطعام ، ويجوز فيه التذكير والتأنيث . وقال : بعضهم : والتأنيث أشهر ، لكن الضمير في قوله : فيه خضرات يعود إلى الطعام الذي في القدر ، فالتقدير : أتي بقدر من طعام فيه خضرات ، ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث حيث قال : فأخبر بما فيها ، وحيث قال : قربوها انتهى . قلت : هذا تصرف فيه تعسف فلا يحتاج إلى تطويل الكلام ، ولما جاز في القدر التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارة بالتذكير وتارة بالتأنيث نظرا إلى جواز الوجهين . قوله : خضرات ، بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين ، جمع خضرة ، كذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بفتح أوله وكسر ثانيه ، وقال ابن التين : رويناه بفتح الخاء وكسر الضاد . وقال ابن قرقول : ضبطه الأصيلي بضم الخاء وفتح الضاد ، والمعروف الأول . قوله : من يقول كلمة من فيه بيانية ، ويجوز أن تكون للتبعيض . قوله : فوجد أي : النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : فأخبر على صيغة المجهول ، أي : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما في القدر . قوله : قربوها الضمير فيه يجوز أن يرجع إلى الخضرات ويجوز أن يرجع إلى القدر ويجوز أن يرجع إلى البقول . قوله : إلى بعض أصحابه ، وقال الكرماني : هذا اللفظ نقل بالمعنى ، إذ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل بهذه العبارة ، بل قال : قربوها إلى فلان مثلا ، أو فيه محذوف ، أي : قال قربوها مشيرا أو أشار إلى بعض أصحابه ، انتهى . وقال بعضهم : والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبي صلى الله عليه وسلم قال : فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ، فإذا جيء به إليه - أي : بعد أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم منه - سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فصنع ذلك مرة فقيل له : لم تأكل ، وكان الطعام فيه ثوم ، فقال : أحرام هو يا رسول الله ، قال : لا ولكن أكرهه . قلت . ليس فيه دليل على أن المراد من البعض أبو أيوب لم لا يجوز أن يكون غيره من أصحابه ، بل الظاهر أنه غيره ، لأن رد طعامه إليه فيه ما فيه . ( فإن قلت ) : قوله : كل خطاب لأبي أيوب ، فذا يدل على أن المراد من البعض أبو أيوب . ( قلت ) : لا نسلم ذلك ، لأنه يجوز أن يأمر بالتقريب إلى غيره ويأمر بالأكل معه ، على أنه جاء في حديث أم أيوب قالت : نزل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فتكلفنا له طعاما فيه بعض البقول .. فذكر الحديث نحوه ، وقال : وفيه فكلوا فإني لست كأحد منكم ، أخاف أن أوذي صاحبي . فهاهنا أمر بالأكل للجماعة وأبو أيوب منهم وليس بمتعين . قوله : فإني أناجي من لا تناجي أي : الملائكة ، ويوضح ذلك ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من وجه آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه بطعام من خضرات فيه بصل أو كراث ، فلم ير فيه أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل ، فقال له : ما منعك ؟ قال : لم أر أثر يدك . قال : أستحي من ملائكة الله ، وليس بمحرم . ( ذكر ما يستفاد منه ) من ذلك أن البعض استدل به على أن إقامة الفرض بالجماعة ليست بفرض ، لأن أكل الثوم ونحوه جائز ، ومن لوازمه الشرعية ترك الصلاة بالجماعة ، وترك الجماعة في حق آكله جائز ، ولازم الجائز جائز . ومنه ما يدل على أن أكل الثوم ونحوه من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة . ( فإن قلت ) : لم لا يجوز أن يكون النهي خرج مخرج الزجر عن أكل هذه الأشياء فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرا في ترك الجماعة إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة ، وعن هذا قال الخطابي : توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة ، وإنما هو عقوبة لا يحكم على فاعله إذا حرم فضل الجماعة . ( قلت ) : قوله صلى الله عليه وسلم : قربوها إلى بعض أصحابه ينفي الزجر . ( فإن قلت ) : الزجر متأخر عن الأمر بالتقريب بمدة كثيرة ، لأن الأمر بالتقريب كان حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ومن جملة أحاديث الزجر حديث ابن عمر ، وهو كان في غزوة خيبر في سنة ست . ( قلت ) : سلمنا ذلك ، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم : وليقعد في بيته صريح على أن كل هذه الأشياء عذر في التخلف عن الجماعة ، وأيضا هاهنا علتان ؛ إحداهما : أذى المسلمين ، والثانية : أذى الملائكة ، فبالنظر إلى العلة الأولى يعذر في ترك الجماعة وحضور المسجد ، وبالنظر إلى الثانية يعذر في ترك حضور المسجد ولو كان وحده . ومنه ما استدل به المهلب ، وهو قوله : فإني أناجي من لا تناجي على أن الملائكة أفضل من البشر ، وليس ذلك بصحيح ، لأنه لا يلزم من تفضيل بعض أفراد الشيء على بعضه تفضيل الجنس على الجنس ، وقد علم في موضعه . ومنه ما استدل به بعضهم على أن أكل الثوم ونحوه كان حراما على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك بصحيح ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب المذكور : وليس بمحرم يدل بعمومه على عدم التحريم مطلقا . ( وقال أحمد بن صالح عن ابن وهب : أتي ببدر ، قال ابن وهب : يعني طبقا فيه خضرات . ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر ، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث . ) أشار بهذا إلى أن أحمد بن صالح المصري ، وهو أحد مشايخه ومن الأفراد ، قد خالف سعيد بن عفير شيخه الذي روى عنه الحديث المذكور ، في لفظه : قدر ، بالقاف ، حيث روى عن عبد الله بن وهب وقال : أتي ببدر ، بفتح الباء الموحدة وسكون الدال وفي آخره راء ، ومخالفته إياه في هذه اللفظة فقط ، ووافقه في بقية الحديث عن ابن وهب . وقد أخرجه البخاري في الاعتصام ، وقال : حدثنا أحمد بن صالح ، وذكر قول ابن وهب ، يعني : طبقا فيه خضرات ، وكذا أخرجه أبو داود ، لكن أخر تفسير ابن وهب فذكره بعد فراغ الحديث ، وقال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، قال : حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا أو ليقعد في بيته ، وأنه أتي ببدر فيه خضرات من البقول فوجد لها ريحا ، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال : قربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها قال : كل فإني أناجي من لا تناجي . قال أحمد بن صالح : ببدر ، وفسره ابن وهب بطبق ، انتهى . ورجح جماعة من الشراح رواية أحمد بن صالح لكون عبد الله بن وهب فسر البدر بالطبق ، فدل على أنه حدث به كذلك ، وزعم بعضهم أن لفظة بقدر بالقاف تصحيف لأنها تشعر بالطبخ ، وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطبق ، فظاهره أن البقول كانت فيه نية . قلت : أخرجه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب ، فقال : بقدر ، بالقاف ، والاستدلال على التصحيف بلفظ الطبق لا يتم لأنه يمكن أن ما كان فيه كان مطبوخا ، فإنه لا مانع من ذلك فافهم ، وسمي الطبق بالبدر لاستدارته ، تشبيها بالقمر عند كماله . قوله : ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر ، أشار بهذا إلى أن الليث بن سعد وأبا صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن مروان الأموي رويا هذا الحديث عن يونس بن يزيد عن عطاء عن جابر ، ولم يذكرا قصة القدر ، أما رواية الليث ، فإن الذهلي وصلها في الزهريات ، وأما رواية أبي صفوان فوصلها البخاري في الأطعمة عن علي بن المديني عنه ، واقتصرا على الحديث الأول . قوله : ولا أدري ، هو من قول الزهري أو في الحديث ، أشار بهذا الكلام إلى أن ذكر قصة القدر هل هو من قول الزهري بأن يكون مدرجا أو هو مروي في الحديث المذكور ، وقال الكرماني : لفظ لا أدري ، يحتمل أن يكون قول ابن وهب أو البخاري أو سعيد بن عفير شيخ البخاري . وقال بعضهم : هو كلام البخاري ، ووهم من زعم أنه كلام أحمد بن صالح . قلت : إن كان مراده من هذا الزاعم هو الكرماني فليس كذلك ، فإن الكرماني ردد في القول بين الثلاثة المذكورين ، ولم يذكر أحمد بن صالح إلا عند قوله ، ولم يذكر قال ، ولعله قول أحمد وإن كان مراده غير الكرماني من الشراح ، فهو محل الاحتمال وليس محل الزعم وقال الكرماني . ( فإن قلت ) : ما معنى كونه قول الزهري أو كونه في الحديث ؟ ( قلت ) : معناه أن الزهري نقله مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لم يروه يونس عن الليث وأبي صفوان ، أو مسندا كما في الحديث ولهذا نقله ابن وهب عن يونس عن الزهري .