15 - بَاب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ ، وَكَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ 902 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ يُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ الْعَرَقُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ - وَهُوَ عِنْدِي - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي وُجُوبِ بَيَانِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ ، فَلِذَلِكَ أَتَى فِي التَّرْجَمَةِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ . وَالَّذِيِ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ ، وَمَحَلُّهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مَا إِذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً وَالرَّجُلُ سَمِيعًا . وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : إِنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ . وَقَالَ : إِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ : أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَجِبْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ذِكْرُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِهَا ، فَيَكُونُ فِي الْجُمُعَةِ أَوْلَى لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا . وَأَمَّا حَدِيثُ : الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا ، وَقَالَ لِمَنْ ذَكَرَهُ : اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ دُخُولِ اللَّيْلِ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ السَّعْيُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَهُوَ بِخِلَافِ الْآيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ : سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ ، يَعْنِي إِذَا كُنْتَ دَاخِلَ الْبَلَدِ ، وَبِهَذَا صَرَّحَ أَحْمَدُ ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذَا الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا الْقَرْيَةُ الْجَامِعَةُ ؟ قَالَ : ذَاتُ الْجَمَاعَةِ وَالْأَمِيرِ وَالْقَاضِي وَالدُّورُ الْمُجْتَمِعَةِ الْآخِذُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، مِثْلُ جَدَّةَ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَنَسٌ - إِلَى قَوْلِهِ - لَا يُجَمِّعُ ) وَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهَذَا . وَقَوْلُهُ يُجَمِّعُ أَيْ يُصَلِّي بِمَنْ مَعَهُ الْجُمُعَةَ ، أَوْ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ بِجَامِعِ الْبَصْرَةِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ ) أَيِ الْقَصْرُ ، وَالزَّاوِيَةُ مَوْضِعٌ ظَاهِرُ الْبَصْرَةِ مَعْرُوفٌ ، كَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ الْحَجَّاجِ ، وَابْنِ الْأَشْعَثِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ ، مَوْضِعٌ دَانٍ مِنْ الْبَصْرَةِ . وَقَوْلُهُ : عَلَى فَرْسَخَيْنِ أَيْ مِنْ الْبَصْرَةِ . وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ مِنَ الزَّاوِيَةَ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ الْبَصْرَةِ ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزَّاوِيَةَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَانَ فِيهِ قَصْرٌ لِأَنَسٍ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهَا ، وَيُرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ التَّعْلِيقَ الْمَذْكُورَ مُلَفَّقٌ مِنْ أَثَرَيْنِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ أَنَسٌ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ بِالْبَصْرَةِ لِكَوْنِ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَرْسَخًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَذْكُورَةَ غَيْرُ الْقَصْرِ ، وَبِأَنَّ أَنَسًا كَانَ يَرَى التَّجْمِيعَ حَتْمًا إِنْ كَانَ عَلَى فَرْسَخٍ وَلَا يَرَاهُ حَتْمًا إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ التَّخْيِيرُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ . قَوْلُهُ . ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وعند غَيْرِهِمَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَجَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِأَنَّهُ ابْنُ عِيسَى ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ ، وَهُوَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً دُونَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَثَلَاثَةً فَوْقَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ ) أَيْ يَحْضُرُونَهَا نَوْبًا ، وَالِانْتِيَابُ افْتِعَالٌ مِنَ النَّوْبَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَتَنَاوَبُونَ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَوَالِيَ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْمَوَاقِيتِ وَأَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ فَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ : فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ أَصْوَبُ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ . قَوْلُهُ : ( إِنْسَانٌ مِنْهُمْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ نَاسٌ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ) لَوْ لِلتَّمَنِّي فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، أَوْ لِلشَّرْطِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَكَانَ حَسَنًا . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ هَذَا كَانَ مَبْدَأَ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ ، وَصَرَّحَ فِي آخِرِهِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ حِينَئِذٍ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَقَدِ اسْتَدَلَّتْ بِهِ عَمْرَةُ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ شُرِعَ لِلتَّنْظِيفِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ لِيَوْمِكُمْ هَذَا أَيْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا رِفْقُ الْعَالِمِ بِالْمُتَعَلِّمِ ، وَاسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ لِمُجَالَسَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَاجْتِنَابُ أَذَى الْمُسْلِمِ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، وَحِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبُوا الْجُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ ، كَذَا قَالَ . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى أَهْلِ الْعَوَالِي مَا تَنَاوَبُوا وَلَكَانُوا يَحْضُرُونَ جَمِيعًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ · ص 447 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب · ص 403 15 - باب من أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجب ؟ لقول الله عَزَّ وَجَلَّ : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه . وكان أنس بن مالك في قصره ، أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين . تضمن هذا الذي ذكره مسألتين : إحداهما : أن من هو في قرية تقام فيها الجمعة ، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة ، وشهودها ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه ، وقد حكاه عن عطاء . وهذا الذي في القرية ، إن كان من أهلها المستوطنين بها ، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له ، وسواء سمع النداء أو لم يسمع ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه . وإن كان من غير أهلها ، فإن كان مسافرا يباح له القصر ، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعة عليه . وحكي عن الزهري والنخعي ، أنه يلزمه تبعا لأهل القرية . وروي عن عطاء - أيضا - أنه يلزمه . وكذا قال الأوزاعي : إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب . وإن كان المسافر قد نوى إقامة بالقرية تمنعه من قصر الصلاة ، فهل يلزمه الجمعة ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال : مالك وأبو حنيفة ، ولم يوجبها عليه الشافعي وأصحابه . المسألة الثانية : أن من كان خارج القرية أو المصر الذي تقام فيه الجمعة ، هل تلزمه الجمعة مع أهل القرية أو المصر ، أم لا ؟ هذا مما اختلف فيه العلماء : فقالت طائفة : لا تلزم من كان خارج المصر أو القرية الجمعة مع أهله بحال ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة ، ولو كانوا من ربض المصر . وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، إلحاقا لهم بأهل القرى ، فإن الجمعة لا تقام عندهم في القرى . وقال أكثر أهل العلم : تلزمهم الجمعة مع أهل المصر أو القرية ، مع القرب دون البعد . ثم اختلفوا في حد ذلك : فقالت طائفة : المعتبر : إمكان سماع النداء ، فمن كان من موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه ، وإلا فلا . هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بظاهر قول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب . وروي عن أبي أمامة الباهلي - معناه . وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الجمعة على من سمع النداء . وروي موقوفا ، وهو أشبه . وروى إسماعيل ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه - يرفعه - قال : لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ، ثم لا يشهدونها ، أو ليطبعن الله على قلوبهم ، وليكونن من الغافلين ، أو ليكونن من أهل النار . عبد العزيز هذا ، شامي تكلموا فيه . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ ، وهو ثلاثة أميال ، وهو قول ابن المسيب والليث ومالك ومحمد بن الحسن ، وهو رواية عن أحمد . ومن أصحابنا من قال : لا فرق بين هذا القول والذي قبله ، لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء - غالبا - فإن أحمد قال : الجمعة على من سمع النداء ، والنداء يسمع من فرسخ ، وكذلك رواه جماعة عن مالك ، فيكون هذا القول والذي قبله واحدا . وخرج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عسى أحدكم أن يتخذ الصبة على رأس ميلين أو ثلاثة ، تأتي عليه الجمعة لا يشهدها ، ثم تأتي الجمعة لا يشهدها - ثلاثا - فيطبع على قلبه . مندل ، فيه ضعف . وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعا . وفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف . وروى معدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ ، فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه . خرجه ابن ماجه . وخرجه أبو بكر النجاد وابن عبد البر ، وفي روايتهما : ميلين أو ثلاثة . ومعدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره ، وقال أبو حاتم : شيخ . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال ، وروي عن ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة . وروي عن الزهري - أيضا - تحديده بستة أميال ، وهي فرسخان . وروي عن أبي هريرة ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين . خرجه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف . وروى عبد الرزاق بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ، فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ : إن الجمعة لزمتكم ، وأن لا جمعة إلا معنا . وبإسناد منقطع ، عن معاوية ، أنه كان يأمر بشهود الجمعة من بينه وبين دمشق أربعة عشر ميلا . وقال بقية : عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار الخميس إلى جوسية وحماة والرستن يجلبون الناس إلى الجمعة ، ولم يكن يجمع إلا بحمص . وعن عطاء ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميال . وعنه ، قال : يقال : من عشرة أميال إلى بريد . وعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين . وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله : لا يجمعوا ، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة . وعن ربيعة - أيضا - أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة الجمعة خرج من بيته ماشيا أدرك الجمعة . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله . قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور . انتهى . وهو قول أبي خيثمة زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي . وحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد نحوه ، واختاره الجوزجاني . وفيه حديث مرفوع ، من حديث أبي هريرة . وقد ذكره الترمذي ، وبين ضعف إسناده ، وأن أحمد أنكره أشد الإنكار . وفيه - أيضا - عن عائشة ، وإسناده ضعيف . وفيه - أيضا - من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف . وقالت طائفة : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق ، نقله عنه حرب . لكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد . وخرج حرب من طريق ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه وبين البصرة ثلاثة أميال ، فيشهد الجمعة بالبصرة . وقد ذكر البخاري عنه ، أنه كان أحيانا لا يجمع . وكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة - وهي ذو الحليفة - فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع . وقد روي عنه الأمران جميعا . وكذلك سعد بن أبي وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميال أو ثمانية . وكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب · ص 408 قال البخاري : 902 - نا أحمد ، نا عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي ، فيأتون في الغبار ، يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى إنسان منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عندي - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . أحمد هذا ، قد سبق الاختلاف فيه : هل هو ابن أخي ابن وهب ، أو ابن صالح ، أو ابن عيسى التستري ؟ وذكر أبو نعيم في مستخرجه : أنه ابن عبد الله . كذا قال ، ولم يبين من هو ؟ وفي أكثر النسخ : فيأتون في الغبار ، وفي بعضها : في العباء ، وهو الأشبه . وفي النسخ : فيخرج منهم العرق ، وفي صحيح مسلم : فيخرج منهم الريح . وفيه - أيضا - : العباء . وهذا من أوضح الأدلة على أن غسل الجمعة ليس بواجب ، حتى ولا على من له ريح تخرج منه ، وإنما يؤمر به ندبا واستحبابا ، لقوله : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . ومقصود البخاري من هذا الحديث : أن أهل العوالي كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس في هذا ما يدل على وجوب الجمعة على من كان خارج المصر ، فإنه ليس فيه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بشهود الجمعة . وكذا ، ما خرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إن أهل قباء كانوا يجمعون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . لكن قد روي عنه ، أنه أمرهم بذلك . خرجه الترمذي من رواية إسرائيل ، عن ثوير - هو : ابن أبي فاختة - عن رجل من أهل قباء ، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشهد الجمعة من قباء . وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال : ولا يصح في هذا الباب شيء . انتهى . وثوير ، ضعيف الحديث ، وشيخه مجهول . وقد خرجه وكيع في كتابه ، عن إسرائيل ، به ، ولفظه : كنا نجمع من قباء - ولم يذكر : أمرهم بذلك . وقال الزهري : كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة . خرجه ابن أبي شيبة وغيره . ومراسيل الزهري ضعيفة . وقد ذكر الإمام أحمد أن بين ذي الحليفة والمدينة فرسخين ، وقال : كانوا يتطوعون بذلك من غير أن يجب عليهم . ويشهد لقوله : أن أبا هريرة كان بذي الحليفة ، وكان أحيانا يأتي الجمعة ، وأحيانا لا يأتيها . وكذلك ذكر عمرو بن شعيب ، أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكون بالرهط ، فلا يشهد الجمعة مع الناس بالطائف ، وإن ما بينه وبين الطائف أربعة أميال أو ثلاثة . خرجه عبد الرزاق . وروى عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، أنه كان يشهد الجمعة بالطائف من الرهط . وهذا يدل على أنه كان يشهدها أحيانا ، ويتركها أحيانا ، كما فعل غيره من الصحابة - رضي الله عنهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب · ص 196 باب من أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجب لقول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ أي هذا باب ترجمته من أين تؤتى الجمعة ، وكلمة أين استفهام عن المكان ، وقوله : تؤتى مجهول من الإتيان ، قوله : وعلى من تجب أي : الجمعة ، قوله : لقوله تعالى يتعلق بقوله : تجب وأراد بإيراده بعض هذه الآية الكريمة الإشارة إلى وجوب الجمعة ، وهذا لا خلاف فيه ، ولكن الخلاف فيمن تجب عليه ، فكأنه ذكر الترجمة بالاستفهام لهذا المعنى ، وقد تكلمنا فيما يتعلق بالآية الكريمة في أول كتاب الجمعة ؛ لأنه ذكر الآية الكريمة هناك . ( وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة فنودي بالصلاة من يوم الجمعة فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه ) . عطاء هو ابن أبي رباح ، ووصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه ، وزاد في روايته عن ابن جريج أيضا ، قلت لعطاء : ما القرية الجامعة ؟ قال : ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض مثل جدة ، انتهى . قلت : هذا الذي ذكره حد المدينة أطلق عليها اسم القرية كما في قوله تعالى : عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ وهما مكة والطائف ، وبهذا قال أصحابنا الحنفية ، قوله : سمعت النداء أو لم تسمعه يعني : إذا كان داخل البلد ، وبهذا صرح أحمد ، ونقل النووي أنه لا خلاف فيه . ( وكان أنس رضي الله عنه في قصره أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين ) . أنس : هو ابن مالك خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع عن أبي البختري قال : رأيت أنسا شهد الجمعة من الزاوية ، وهي على فرسخين من البصرة ، قوله : أحيانا أي : في بعض الأوقات ، وانتصابه على الظرفية ، قوله : يجمع بضم الياء وتشديد الميم ، أي : يصلي الجمعة بمن معه أو يشهد الجمعة بجامع البصرة ، قوله : وهو أي : القصر بالزاوية ، وهو موضع ظاهر البصرة معروف بينها وبين البصرة فرسخان ، والفرسخ فيه وقعة كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث ، قوله : على فرسخين أي : من البصرة ، فإن قلت : روى عبد الرزاق عن معمر عن ثابت قال : كان أنس يكون في أرضه ، وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال فيشهد الجمعة بالبصرة ، فهذا يعارض ما رواه ابن أبي شيبة ، قلت : ليس الأمر كذلك ؛ لأن الأرض المذكورة غير القصر ، وأيضا الفرسخ ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف خطوة . 25 - حدثنا أحمد قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسان منهم ، وهو عندي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي . ذكر رجاله : وهم سبعة : الأول : أحمد بن صالح ، كذا في رواية أبي ذر ، وبه قال ابن السكن ، وذكر الجياني أن البخاري روى عن أحمد يعني غير مسمى عن ابن وهب في كتاب الصلاة في موضعين . وقال : حدثنا أحمد حدثنا ابن وهب قال : ونسبه أبو علي بن السكن في نسخته ، فقال : أحمد بن صالح المصري . وقال الحاكم : روى البخاري في كتاب الصلاة في ثلاثة مواضع عن أحمد عن ابن وهب فقيل : إنه ابن صالح المصري ، وقيل : ابن عيسى التستري ، ولا يخلو أن يكون واحدا منهما ، فقد روى عنهما في ( الجامع ) ، ونسبهما في مواضع ، وذكر أبو نصر الكلاباذي قال : قال لي أبو أحمد يعني الحاكم : أحمد عن ابن وهب في ( الجامع ) هو ابن أخي ابن وهب . وقال الحاكم أبو عبد الله : من قال هذا فقد وهم وغلط ، دليله أن المشايخ الذين ترك البخاري الرواية عنهم في ( الجامع ) فقد روى عنهم في سائر مصنفاته كابن صالح وغيره ، وليس له عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع ، فهذا يدل على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه ، ثم ترك الرواية عنه أصلا . وقال الكلاباذي : قال ابن منده : كلما قال البخاري في ( الجامع ) حدثنا أحمد عن ابن وهب فهو ابن صالح ، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في ( الصحيح ) ، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه . الثاني : عبد الله بن وهب المصري ، الثالث : عمرو بن الحارث مر في باب المسح على الخفين ، الرابع : عبيد الله بن أبي جعفر الأموي القرشي ، واسم أبي جعفر يسار أحد أعلام مصر ، مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومائة ، الخامس : محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام القرشي ، السادس : عروة بن الزبير بن العوام ، السابع : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن الأربعة من الرواة مصريون ، وهم : شيخه ، وثلاثة بعده متناسقون ، واثنان بعدهما مدنيان ، وفيه رواية الرجل عن عمه . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن هارون بن سعيد ، وأحمد بن عيسى كلاهما عن ابن وهب ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح عن ابن وهب . ذكر معناه : قوله : ينتابون الجمعة أي : يحضرونها بالنوبة ، وهو من الانتياب من النوبة ، وهو المجيء نوبا ويروى يتناوبون من النوبة أيضا ، قوله : والعوالي جمع العالية ، وهي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جهة المشرق من ميلين إلى ثمانية أميال ، وقيل : أدناها من أربعة أميال ، قوله : فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار كذا وقع لأكثر الرواة ، وعند القابسي : فيأتون في العباء بفتح العين المهملة ، وبالمد : جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان ، وكذا شرحه النووي في ( شرحه ) ؛ لأنه عند مسلم كذا هو ، وكذا عند الإسماعيلي وغيرهما ، وهو الصواب . قوله : إنسان منهم وفي رواية الإسماعيلي أناس منهم ، قوله : لو أنكم تطهرتم كلمة لو تقتضي دخولها على الفعل ، تقديره : لو ثبت تطهركم ، ثم إن لو هذه يجوز أن تكون للتمني ، فلا تحتاج إلى جواب ، ويجوز أن تكون على أصلها ، والجزاء محذوف تقديره لكان حسنا . ذكر ما يستفاد منه : اختلف العلماء في هذا الباب ، أعني في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر ، فقالت طائفة : تجب على من آواه الليل إلى أهله ، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية ، وهو قول نافع ، والحسن ، وعكرمة ، والحكم ، والنخعي ، وأبي عبد الرحمن السلمي ، وعطاء ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، حكاه ابن المنذر عنهم لحديث أبي هريرة مرفوعا : الجمعة على من آواه الليل إلى أهله ، رواه الترمذي ، والبيهقي ، وضعفاه ، ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئا ، وقال لمن ذكره له : استغفر ربك ، استغفر ربك . ومعنى هذا الحديث أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار قبل دخول الليل ، وقالت طائفة : إنها تجب على من سمع النداء ، روي ذلك عن عبد الله بن عمر أيضا ، وحكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق ، وحكاه ابن العربي عن مالك أيضا ، واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أخرجه أبو داود من رواية سفيان عن محمد بن سعيد ، عن أبي سلمة بن نبيه ، عن عبد الله بن هارون ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة على من سمع النداء ، قال أبو داود : روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورا على عبد الله بن عمرو ، ولم يرفعوه ، ورواه الدارقطني من رواية الوليد ، عن زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما الجمعة على من سمع النداء ، والوليد هو ابن مسلم ، وزهير ابن محمد كلاهما من رجال ( الصحيح ) ، لكن زهيرا روى عنه أهل الشام مناكير منهم الوليد ، والوليد مدلس ، وقد رواه بالعنعنة ، فلا تصح ، وقد رواه الدارقطني أيضا من رواية محمد بن الفضل بن عطية عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة على من يهدئ الصوت ، قال داود بن رشيد : يعني حيث يسمع الصوت ، ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف جدا ، والحجاج هو ابن أرطاة ، وهو مدلس مختلف في الاحتجاج به . وقال ابن العربي : الوجوب على من سمع النداء عند الشافعي قال : وتعليقه السعي على سماع النداء يسقطه عمن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه ، وقالت طائفة : يجب على أهل المصر ، ولا يجب على من كان خارج المصر ، سمع النداء أو لم يسمعه ، قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : وهو قول أبي حنيفة بناء على قوله : إن الجمعة لا تجب على أهل القرى والبوادي ما لم يكن في المصر ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي ، وقال : إن الظاهر مع أبي حنيفة رضي الله عنه . قلت : مذهب أبي حنيفة أن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر نحو مصلى العيد ، وفي المفيد والإسبيجابي والتحفة : لا تجب الجمعة عندنا إلا في مصر جامع أو فيما هو في حكمه كمصلى العيد ، وفي ( جوامع الفقه ) : وأرباض المصر كالمصر ، وفي ( الينابيع ) : لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه ، قال : وهذا أصح ما قيل فيه ، وفي ( قاضيخان ) عن أبي يوسف : هو رواية عنه ، وعنه من ثلاثة فراسخ ، وعنه إذا شهد الجمعة ، فإن أمكنه المبيت بأهله لزمته الجمعة ، واختاره كثير من مشايخنا ، وفي ( الذخيرة ) : في ظاهر رواية أصحابنا : لا يجب شهود الجمعة إلا على من يسكن المصر والأرباض دون السواد سواء كان قريبا من مصر أو بعيدا عنها ، وعن محمد : إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال فعليه الجمعة ، وهو قول مالك ، والليث ، وفي ( منية المفتي ) : على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ هو المختار ، وعنه إذا كان أقل من فرسخين تجب ، وفي الأكثر لا ، وفي رواية : كل موضع لو خرج الإمام إليه صلى الجمعة فتجب ، وعن معاذ بن جبل : يجب الحضور من خمسة عشر فرسخا . وقال ابن المنذر : يجب عند ابن المنكدر ، وربيعة ، والزهري في رواية : من أربعة أميال ، وعن الزهري : من ستة أميال ، وحكاه ابن التين عن النخعي ، وعن مالك ، والليث : ثلاثة أميال ، وحكى أبو حامد عن عطاء : عشرة أميال . واختلف أصحاب مالك هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة ، فالأول قاله القاضي أبو محمد ، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم ، وعن حذيفة : ليس على من من على رأس ميل جمعة . وقال صاحب التوضيح : في حديث الباب رد لقول الكوفيين : إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر ؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا يتناوبون الجمعة ، فدل على لزومها عليهم . قلت : هذا نقله عن القرطبي ، وهو ليس بصحيح ؛ لأنه لو كان واجبا على أهل العوالي ما تناوبوا ، ولكانوا يحضرون جميعا . وفيه من الفوائد : رفق العالم بالمتعلم ، واستحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير ، واجتناب أذى المسلم بكل طريق ، وحرص الصحابة على امتثال الأمر ، ولو شق عليهم .