18 - بَاب الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ قَالَ : السَّعْيُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ ، لِقَوْلِ الله تَعَالَى : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ : إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ 907 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ : أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ قَالَ السَّعْيُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : لَمَّا قَابَلَ اللَّهُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالسَّعْيِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ دَلَّ على أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ الطَّاعَةُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَابَلُ بِسَعْيِ الدُّنْيَا كَالْبَيْعِ وَالصِّنَاعَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ سَعْيُ الْآخِرَةِ ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ سَعْيُ الدُّنْيَا . وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : كَانَ عُمَرُ يَقْرَؤُهَا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَامْضُوا وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ السَّعْيَ بِالذَّهَابِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا السَّعْيُ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ وَقَالَ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ السَّعْيُ الِاشْتِدَادَ اهـ . وَقِرَاءَةُ عُمَرَ الْمَذْكُورَةُ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي التَّفْسِيرِ . وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ لَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْآيَةِ غَيْرُ السَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ السَّعْيَ فِي الْآيَةِ فُسِّرَ بِالْمُضِيِّ ، وَالسَّعْيَ فِي الْحَدِيثِ فُسِّرَ بِالْعَدْوِ . لِمُقَابَلَتِهِ بِالْمَشْيِ حَيْثُ قَالَ : لَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ ) أَيْ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ ، وَهَذَا الْأَثَرُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ لَا يَصْلُحُ الْبَيْعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى لِلصَّلَاةِ ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَاشْتَرِ وَبِعْ وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَإِلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَابْتِدَاؤُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ حِينِ الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ أَنَّ النِّدَاءَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ ، وَذَلِكَ النِّدَاءُ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ الْبَيْعُ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ يُعْتَضَدُ بِشَوَاهِدَ تَأْتِي قَرِيبًا . وَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي عِنْدَ الزَّوَالِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْبَيْعُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَلَا يَحْرُمُ ، وَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ ؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا أَوْ لَا ؟ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ حَرُمَ اللَّهْوُ وَالْبَيْعُ وَالصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا وَالرُّقَادُ وَأَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَقِيلَ عَنْهُ هَكَذَا ، وَقِيلَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ إِنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ ، كَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ اهـ . وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ عَلَى حَالَيْنِ ، فَحَيْثُ قَالَ لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ أَرَادَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ ، وَحَيْثُ قَالَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَرَادَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ . وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ هَذِهِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَهُوَ إِذَا اتَّفَقَ حُضُورُهُ فِي مَوْضِعٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَسَمِعَ النِّدَاءَ لَهَا ، لَا أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُسَافِرُ مُطْلَقًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ السَّفَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُهَا مُجْتَازًا مَثَلًا ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ رَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيَتَأَيَّدُ عِنْدَهُ بِعُمُومِ قولِهِ تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يَخُصَّ مُقِيمًا مِنْ مُسَافِرٍ ، وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنِ الْمُسَافِرِ بِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِعَرَفَةَ وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ فَهُوَ عَمَلٌ صَحِيحٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَرَّرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتَ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِقَوْلِ مَنْ فَسَّرَهَا بِالذَّهَابِ الَّذِي يَتَنَاوَلُ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ عَلَى عُمُومِهِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فَتَدْخُلُ الْجُمُعَةُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِسْرَاعِ فِي حَالِ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ . قَوْلُهُ : ( يَزِيدُ ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ ، وَ ( عَبَايَةُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ ابْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ . قَوْلُهُ : ( أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهُوَ ابْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَ سُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَذْهَبُ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِعَبَايَةَ مَعَ أَبِي عَبْسٍ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مَعَ عَبَايَةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ وَلَفْظُهُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ قَالَ : لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ وَأَنَا مَاشٍ إِلَى الْجُمُعَةِ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ ، فَقَالَ : احْتَسِبْ خُطَاكَ هَذِهِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنَّ خُطَاكَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَبْسِ بْنَ جَبْرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَدَخَلَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، وَلِكَوْنِ رَاوِي الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : وَجْهُ دُخُولِ حَدِيثِ أَبِي عَبْسٍ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْدُو لَمَا احْتَمَلَ وَقْتَ الْمُحَادَثَةِ لِتَعَذُّرِهَا مَعَ الْجَرْيِ ، وَلِأَنَّ أَبَا عَبْسٍ جَعَلَ حُكْمَ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ حُكْمَ الْجِهَادِ . وَلَيْسَ الْعَدْوُ مِنْ مَطَالِبِ الْجِهَادِ فَكَذَلِكَ الْجُمُعَةُ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْأَذَانِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ تَوْجِيهٌ إِيرَادُهُ هُنَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ · ص 453 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المشي إلى الجمعة · ص 429 - 18 باب المشي إلى الجمعة وقول الله عز وجل : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ومن قال : السعي العمل والذهاب ، لقوله : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وقال ابن عباس : يحرم البيع حينئذ . وقال عطاء : تحرم الصناعات كلها . وقال إبراهيم بن سعد ، عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ، وهو مسافر ، فعليه أن يشهد . اشتمل كلامه - هاهنا - على مسائل : إحداها : المشي إلى الجمعة ، وله فضل . وفي حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من بكر وابتكر ، وغسل واغتسل ، ومشى ولم يركب " . وقد سبق . وفي حديث اختصام الملأ الأعلى ، " إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات ، والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ، والمشي على الأقدام إلى الجمعات " . وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ . وله طرق كثيرة ، ذكرتها مستوفاة في " شرح الترمذي " . وروى ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشيا ، فإذا رجع رجع كيف شاء ماشيا ، وإن شاء راكبا . وفي رواية : وكان بين منزله وبين الجمعة ميلان . وعن أبي هريرة ، أنه كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشيا . وذكر ابن سعد في " طبقاته " بإسناده ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين . وقال النخعي : لا يركب إلى الجمعة . المسألة الثانية : أنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا ، كما في سائر الصلوات ، على ما سبق ذكره في موضعه . فأما قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فقد حمله قوم من المتقدمين على ظاهره ، وأنكر ذلك عليهم الصحابة . فروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت ، قال : خرجت إلى المسجد يوم الجمعة ، فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء ، فرفعت في المشي ؛ لقول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه ، ثم قال : أولسنا في سعي ؟ . فقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو ، وبين أن المشي إليها سعي ؛ لأنه عمل ، والعمل يسمى سعيا ، كما قال تعالى : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى وقال : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ومثل هذا كثير في القرآن . وبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم ، ومنهم : عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، والثوري ، والشافعي وغيرهم . وروي عن ابن عباس - أيضا - من وجه منقطع . ومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة ، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام ، هذا قول الحسن . وجمع قتادة بين القولين - في رواية - فقال : السعي بالقلب والعمل . وكان عثمان وابن مسعود وجماعة من الصحابة يقرءونها : " فامضوا إلى ذكر الله " . وقال النخعي : لو قرأتها " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . وروي هذا الكلام عن ابن مسعود من وجه منقطع . المسألة الثالثة : في تحريم البيع وغيره مما يشتغل به عن السعي بعد النداء . وقد حكي عن ابن عباس تحريم البيع وغيره . وروى القاضي إسماعيل في كتابه " أحكام القرآن " من رواية سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع . وبإسناده : عن ميمون بن مهران ، قال : كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من يوم الجمعة نادوا : حرم البيع ، حرم البيع . وعن أيوب ، قال : لأهل المدينة ساعة ، وذلك عند خروج الإمام ، يقولون : حرم البيع ، حرم البيع . وعن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة . وعن الحسن وعطاء والضحاك : تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة . وعن الشعبي ، أنه محرم . وكذا قال مكحول . وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء . وحكى القاضي إسماعيل ، عمن لم يسمه ، أن البيع مكروه ، وأنه استدل بقوله : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ورد عليه : بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خير له ، كما قال تعالى : وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالك . ورواه ابن عيينة ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد أو غيره . وهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . وخالف فيه أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وعبيد الله العنبري ، وقالوا : البيع غير مردود ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيا عنه لذاته بل لوقته . والأولون يقولون : النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته ، كالصوم يوم العيد ، والصلاة وقت النهي ، فكذلك العقود . وقال الثوري - فيما إذا تصارفا ذهبا بفضة وقبضا البعض ، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة ، فإنهما يترادان البيع . وهذا يدل على أن القبض عنده شرط لانعقاد الصرف ، فلا يتم العقد إلا به ، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا - أيضا . وأما ما ذكره عن عطاء ، أنه تحرم الصناعات حينئذ ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع ؛ لأنه شاغل عن السعي إلى ذكر الله والصلاة ، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها ، حتى الأكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك ، وهذا قول الشافعية وغيرهم - أيضا . لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان ، فإن وقوعها بعد النداء نادر ، بخلاف البيع ، فإنه غالب ، فلو لم يبطل لأدى إلى الاشتغال عن الجمعة به ، فتفوت الجمعة غالبا . وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك ، وفيه نظر ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه . وقد روي عن زيد بن أسلم ، قال : لم يأمرهم الله أن يذروا شيئا غيره ، حرم البيع ، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا . وهذا ضعيف جدا ؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي ، عن السعي ، فيشاركه في المعنى كل شاغل . واستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة ، وقال : قد أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب . وهذا لا يصح ؛ فإن الصدقة قربة وطاعة ، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها . فإن ألحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجها ، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح ، وهو ابن عقيل . وعن أحمد رواية : إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب ، وهو زوال الشمس . وقد سبق مثله عن الحسن ، وعطاء ، والضحاك ، وهو - أيضا - قول مسروق ، ومسلم بن يسار ، والثوري ، وإسحاق . وقياس قولهم : إنه يجب السعي بالزوال ، ويحرم حينئذ كل شاغل يشغل عنه . والجمهور : على أنه لا يحرم بدون النداء . ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام ؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه . وفي " صحيح الإسماعيلي " من حديث الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام ، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر . وعن أحمد رواية : أنه يحرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول . وهو قول مقاتل بن حيان ، قال : وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس . ونقله ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه - صريحا . وعن أحمد ، أنه قال : أخاف أن يحرم البيع ، وإن أذن قبل الوقت . ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية ؛ لأنه صار نداء مشروعا مسنونا من سنة الخلفاء الراشدين . قال أصحابنا : ولو اقتصر عليه أجزأ ، وسقط فرض الأذان . وعند أصحاب الشافعي : يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي الإمام ، إذا كان قاطعا عن السعي ، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف ، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم . وهذا بعيد ، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان ؛ لزمانه ومكانه ، فهو أولى بالتحريم . المسألة الرابعة : حكي عن الزهري : أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة ، فعليه أن يشهدها ، وقد سبق ذكر ذلك عنه ، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاء : أن عليه شهودها ، سمع الأذان أو لم يسمعه ، وأن الجمهور على خلاف ذلك . وهل للمسافر أن يبيع ويشتري في المصر بعد سماع النداء ؟ فيه اختلاف بين أصحابنا ، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر ، كالمريض : هل له أن يبيع بعد النداء ، أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد . وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية ، كالمرأة ، فلها البيع والشراء بغير خلاف ، وكذا العبد ، إذا قلنا : لا يجب عليه الجمعة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المشي إلى الجمعة · ص 436 خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الأول : 907 - ثنا علي بن عبد الله ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا يزيد بن أبي مريم ، ثنا عباية بن رفاعة ، قال : أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار . يزيد بن أبي مريم ، هو : الأنصاري الشامي ، وهو بالياء المثناة من تحت ، وبالزاي . وأما بريد بن أبي مريم - بالباء الموحدة ، والراء المهملة - فبصري ، لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئا . وخرج الإسماعيلي في صحيحه هذا الحديث بسياق تام ، ولفظه : عن يزيد بن أبي مريم : بينما أنا رائح إلى الجمعة إذ لحقني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري ، وهو راكب وأنا ماش ، فقال : احتسب خطاك هذه في سبيل الله ، فإني سمعت أبا عبس بن جبر الأنصاري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار . وخرجه الترمذي والنسائي - بمعناه . ففي هذه الرواية أن هذه القصة جرت ليزيد مع عباية ، وفي رواية البخاري أنها جرت لعباية مع أبي عبس ، وقد يكون كلاهما محفوظا . والله أعلم . وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة ، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله ، فأدخل الراوي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل ، وجعله شاملا له وللجهاد . والأظهر في إطلاق سبيل الله : الجهاد ، وقد يؤخذ بعموم اللفظ ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه ، وقال : الحج من سبيل الله ، وقد ذكرناه في موضع آخر . وقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة ، كما سبق عن غير واحد من الصحابة . وقد روي عن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - أنه كان يبكر إلى الجمعة ، ويخلع نعليه ، ويمشي حافيا ، ويقصر في مشيه . خرجه الأثرم بإسناد منقطع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المشي إلى الجمعة · ص 203 باب المشي إلى الجمعة ، وقول الله جل ذكره فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ومن قال : السعي العمل والذهاب ؛ لقوله تعالى : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا أي هذا باب في بيان المشي إلى صلاة الجمعة ، أراد أن في حالة المشي إليها ما يترتب من الحكم ، قوله : وقول الله بالجر عطف على قوله : المشي أي : وفي بيان معنى قول الله عز وجل فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ والسعي في لسان العرب : الإسراع في المشي ، والاشتداد ، وفي ( المحكم ) : السعي عدو دون الشد ، سعى يسعى سعيا ، والسعي الكسب ، وكل عمل من خير أو شر سعي . وقال ابن التين : ذهب مالك إلى أن المشي والمضي يسميان سعيا من حيث كانا عملا ، وكل من عمل بيده أو غيرها فقد سعى . وأما السعي بمعنى الجري فهو الإسراع ، يقال : سعى إلى كذا ، بمعنى العدو والجري ، فيتعدى بإلى ، وإن كان بمعنى العمل فيتعدى باللام . وقال الكرماني في قوله : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا أي : عمل لها وذهب إليها ، فإن قلت : هذا معدى باللام ، وذلك بإلى . قلت : لا تفاوت بينهما إلا بإرادة الاختصاص والانتهاء ، انتهى كلامه . قلت : الفرق بين سعى له ، وسعى إليه بما ذكرنا ، وهو الذي ذكره أهل اللغة ، وإليه أشار البخاري بقوله : ومن قال السعي العمل والذهاب يعني من فسر السعي بالعمل ، والذهاب يقول باللام كما في قوله تعالى: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا أي : عمل لها ، ولكن باللام لا تأتي إلا في تفسير السعي بالعمل . وأما في تفسير السعي بالذهاب ، فلا يأتي إلا بإلى ، ثم اختلفوا في معنى قوله تعالى : فَاسْعَوْا فمنهم من قال : معناه فامضوا ، واحتجوا بأن عمر ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما كانا يقرآن : فامضوا إلى ذكر الله ، قالا : ولو قرأناها فاسعوا لسعينا حتى يسقط رداؤنا . وقال عمر رضي الله تعالى عنه لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ، وقرأ : فاسعوا ، لا تزال تقرأ المنسوخ ، كذا ذكره ابن الأثير ، وفي تفسير عبد بن حميد : قيل لعمر رضي الله تعالى عنه : إن أبيا يقرأ فَاسْعَوْا : فامشوا ، فقال عمر : أبي أعلمنا بالمنسوخ ، وفي ( المعاني ) للزجاج : وقرأ أبي وابن مسعود : فامضوا ، وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين ، ومنهم من قال : معنى فاسعوا فاقصدوا ، وفي تفسير أبي القاسم الجوزي فاسعوا ، أي : فاقصدوا إلى صلاة الجمعة ، ومنهم من قال : معناه فامشوا كما ذكرناه عن أبي . وقال ابن التين : ولم يذكر أحد من المفسرين أنه الجري ، وقد ذكرنا نبذا من ذلك في أول كتاب الجمعة . ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يحرم البيع حينئذ ) أي حين نودي للصلاة ، وهذا التعليق وصله ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ لا يصلح البيع يوم الجمعة حتى ينادى للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع . وقال الزجاج : البيع في وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام . وقال الفراء : إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء ؛ لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء ، ولأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تحرم التجارة عند الأذان ، ويحرم الكلام عند الخطبة ، ويحل الكلام بعد الخطبة ، وتحل التجارة بعد الصلاة ، وعن قتادة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء . وقال الضحاك : إذا زالت الشمس ، وعن عطاء والحسن مثله ، وعن أيوب : لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون حرم البيع ، وذلك عند خروج الإمام ، وفي ( المصنف ) عن مسلم بن يسار : إذا علمت أن النهار قد انتصف يوم الجمعة فلا تتبايعن شيئا ، وعن مجاهد : من باع شيئا بعد زوال الشمس يوم الجمعة فإن بيعه مردود . وقال صاحب الهداية : قيل : المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي المنبر . قلت : هو مذهب الطحاوي فإنه قال : هو المعتبر في وجوب السعي إلى الجمعة على المكلف ، وفي حرمة البيع ، والشراء ، وفي ( فتاوى العتابي ) هو المختار ، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار ، ونص في المرغيناني أنه هو الصحيح . وقال ابن عمر : الأذان الأول بدعة ، ذكره ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عنه ، ثم البيع إذا وقع فعند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وزفر والشافعي يجوز البيع مع الكراهة ، وهو قول الجمهور . وقال مالك وأحمد والظاهرية : يبطل البيع ، وفي ( المحلى ) يفسخ البيع إلى أن تقضى الصلاة ، ولا يصححه خروج الوقت ، ولو كانا كافرين ، ولا يحرم نكاح ، ولا إجارة ، ولا سلم . وقال مالك كذلك في البيع الذي فيه سلم ، وكذا في النكاح ، والإجارة ، والسلم ، وأباح الهبة ، والقرض ، والصدقة ، وعن الثوري : البيع صحيح ، وفاعله عاص لله تعالى ، وروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ ، وهو قول أكثر المالكية ، وروى عنه ابن وهب ، وعلي بن زياد : بئس ما صنع ، ويستغفر الله تعالى . وقال عنه : ولا أرى الربح فيه حراما . وقال ابن القاسم : لا يفسح ما عقد من النكاح ، ولا يفسخ الهبة والصدقة والرهن والحمالة . وقال أصبغ : يفسخ النكاح . وقال ابن التين : كل من لزمه التوجه إلى الجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع أو نكاح أو عمل . قال : واختلف في النكاح والإجارة . قال : وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك . وقال أبو محمد : من انتقض وضوؤه فلم يجد ماء إلا بثمن جاز له أن يشتريه ليتوضأ به ، ولا يفسخ شراؤه ، قال الشافعي في ( الأم ) : ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولا يكره ، وإذا بايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها ، فإن كان قبل الزوال فلا كراهة ، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر أو قبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه ، وإن كان بعد جلوسه وشروع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعا سواء كان من أهل الفرض أو أحدهما ، ولا يبطل البيع ، وحرمة البيع ووجوب السعي مختصان بالمخاطبين بالجمعة ، أما غيرهم كالنساء ، فلا يثبت في حقه ذلك ، وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين . ( وقال عطاء : تحرم الصناعات كلها ) هذا التعليق عن عطاء بن أبي رباح وصله عبد بن حميد في ( تفسيره الكبير ) عن روح عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : هل من شيء يحرم إذا نودي بالأول سوى البيع . قال عطاء : إذا نودي بالأول حرم اللهو ، والبيع ، والصناعات كلها بمنزلة البيع ، والرقاد ، وأن يأتي الرجل أهله ، وأن يكتب كتابا . ( وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر فعليه أن يشهد ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القريشي المدني ، كان على قضاء بغداد ، يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وأخرج أبو داود في ( مراسيله ) حدثنا قتيبة ، عن أبي صفوان ، عن ابن أبي ذئب ، عن صالح بن أبي كثير أن ابن شهاب خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار . قال : فقلت له في ذلك . فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار ، ورواه ابن أبي شيبة عن الفضل : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب بغير واسطة . وقال ابن المنذر : اختلف فيه عن الزهري ، وقد روى عنه مثل قول الجماعة ، أي : لا جمعة على مسافر ، كذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري . وقال ابن المنذر : هو كالإجماع من أهل العلم على ذلك ؛ لأن الزهري اختلف عليه فيه ، وقيل : يحمل كلام الزهري على حالين ، فحيث قال : لا جمعة على مسافر ، أراد على طريق الوجوب ، وحيث قال : فعليه أن يشهد ، أراد على طريق الاستحباب . وأما رواية إبراهيم بن سعد عنه فيمكن أن تحمل على أنه إذا اتفق حضوره في موضع تقام فيه الجمعة فسمع النداء لها أنها تلزم المسافر . وقال ابن بطال : وأكثر العلماء على أنه لا جمعة على مسافر ، حكاه ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وأنس بن مالك ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وابن مسعود ، ونفر من أصحاب عبد الله ، ومكحول ، وعروة بن المغيرة ، وإبراهيم النخعي ، وعبد الملك بن مروان ، والشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، ولما ذكر ابن التين قول الزهري ، قال : إن أراد وجوبها فهو قول شاذ ، وفي ( شرح المهذب ) : أما السفر ليلها يعني ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر فيجوز عندنا ، وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي . قال : لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة ، وهذا مذهب باطل لا أصل له ، انتهى . قلت : بل له أصل صحيح رواه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة . وأما السفر قبل الزوال فجوزه عمر بن الخطاب ، والزبير بن العوام ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعبد الله بن عمر ، والحسن ، وابن سيرين ، وبه قال مالك ، وابن المنذر ، وفي ( شرح المهذب ) : الأصح تحريمه ، وبه قالت عائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وحسان بن عطية ، ومعاذ بن جبل . وأما السفر بعد الزول يوم الجمعة إذا لم يخف فوت الرفقة ، ولم يصل الجمعة في طريقه ، فلا يجوز عند مالك وأحمد وجوزه أبو حنيفة . 30 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا يزيد بن أبي مريم قال : حدثنا عباية بن رفاعة قال : أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار مطابقته للترجمة من حيث إن الجمعة تدخل في قوله : في سبيل الله لأن السبيل اسم جنس مضاف فيفيد العموم ، ولأن أبا عبس جعل حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد . ذكر رجاله ، وهم خمسة : علي بن عبد الله بن المديني قد تكرر ذكره ، والوليد بن مسلم قد مر في باب وقت المغرب ، ويزيد بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي ابن أبي مريم أبو عبد الله الأنصاري الدمشقي إمام جامعها ، مات سنة أربع وأربعين ومائة ، وعباية بفتح العين المهملة ، والباء الموحدة المخففة ، وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة ، ابن رفاعة بكسر الراء وتخفيف الفاء ، وبعد الألف عين مهملة ابن رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة ، وبالجيم الأنصاري ، وأبو عبس بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ، وفي آخره سين مهملة ، واسمه عبد الرحمن على الصحيح ابن جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وبالراء . وقال الذهبي : وقيل : جابر بن عمرو الأنصاري الأوسي الحارثي ، بدري مشهور . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن الأولين من الرواة مدنيان ، والآخران دمشقيان ، وفيه أنه ليس للبخاري في الكتاب من أبي عبس إلا هذا الحديث الواحد ، وفيه أن يزيد هذا من أفراد البخاري ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ؛ لأن يزيد ابن أبي مريم رأى واثلة بن الأسقع . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ، أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن إسحاق عن محمد بن المبارك ، وأخرجه الترمذي في الجهاد عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم به ، وقال: حديث حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الجهاد أيضا كذلك ، ولفظه قال يزيد بن أبي مريم : لحقني عباية بن رافع بن خديج ، وأنا ماش إلى الجمعة ، فقال : أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله ؛ سمعت أبا عبس يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرام على النار ، وزاد الإسماعيلي في روايته ، وهو راكب ، فقال : احتسب خطاك هذه فذكر الحديث ، والظاهر أن القصة المذكورة وقعت لكل منهما ، والله أعلم ، وفي الباب عن ابن عمر رواه الفلاس عن أبي نصر التمار عن كوثر بن حكيم عن نافع عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : حرمها الله على النار ، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه عند ابن المقري ، ولفظه ما اغبرت قدما رجل في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار ، وعن معاذ يرفعه عند ابن عساكر ، ولفظه والذي نفسي بيده ما اغبرت قدما عبد ولا وجهه في عمل أفضل عند الله يوم القيامة بعد المكتوبة من جهاد في سبيل الله ، وعن عبادة يرفعه عند المخلص بسند جيد لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ مسلم ، وعن أبي سعيد الخدري مثله عند أبي نعيم ، وعن مالك بن عبد الله النخعي مثله عند أحمد ، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عند الطبراني لا تلثموا من الغبار في سبيل الله فإنه مسك الجنة ، وعن أنس عنده أيضا الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة ، وعن أبي أمامة عند ابن عساكر ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا أمن الله وجهه من النار ، وما من رجل يغبر قدماه في سبيل لله إلا أمن الله قدمه من النار يوم القيامة ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عند الخلعي من اغبرت قدماه في سبيل الله فلن يلج النار أبدا . ذكر معناه : قوله : وأنا أذهب جملة اسمية وقعت حالا ، وكذا وقع عند البخاري أن القصة وقعت لعباية مع أبي عبس . وعند الإسماعيلي من رواية علي بن بحر وغيره عن الوليد بن مسلم أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية ، وكذا أخرجه النسائي كما ذكرناه عن قريب ، وذكرنا التوفيق بين الروايتين ، قوله : اغبرت قدماه أي : أصابها الغبار ، وإنما ذكر القدمين ، وإن كان الغبار يعم البدن كله عند ثورانه ؛ لأن أكثر المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاة ، والأقدام تتغبر على كل حال سواء كان الغبار قويا أو ضعيفا ، ولأن أساس ابن آدم على القدمين ، فإذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه عنها ، وكذلك الكلام في ذكر الوجه في سبيل الله .