38- بَاب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ 936- حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا ، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِلَخْ ) ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةِ إِلَى تَمَامِهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا ، بَلِ الشَّرْطُ أَنْ تَبْقَى مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ مَا . وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْبُخَارِيُّ لِعَدَدِ مَنْ تَقُومُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ ، وَجُمْلَةُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا : أَحَدُهَا تَصِحُّ مِنَ الْوَاحِدِ ، نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ . الثَّانِي اثْنَانِ كَالْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . الثَّالِثُ اثْنَانِ مَعَ الْإِمَامِ ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . الرَّابِعُ ثَلَاثَةٌ مَعَهُ ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . الْخَامِسُ سَبْعَةٌ ، عِنْدَ عِكْرِمَةَ . السَّادِسُ تِسْعَةٌ عِنْدَ رَبِيعَةَ . السَّابِعُ اثْنَا عَشَرَ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ . الثَّامِنُ مِثْلُهُ غَيْرُ الْإِمَامِ عِنْدَ إِسْحَاقَ . التَّاسِعُ عِشْرُونَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ مَالِكٍ . الْعَاشِرُ ثَلَاثُونَ كَذَلِكَ . الْحَادِي عَشَرَ أَرْبَعُونَ بِالْإِمَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . الثَّانِي عَشَرَ غَيْرُ الْإِمَامِ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَائِفَةٌ . الثَّالِثَ عَشَرَ خَمْسُونَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . الرَّابِعَ عَشَرَ ثَمَانُونَ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ . الْخَامِسَ عَشَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِغَيْرِ قَيْدٍ . وَلَعَلَّ هَذَا الْأَخِيرَ أَرْجَحُهَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَزْدَادَ الْعَدَدُ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ شَرْطٍ كَالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِقَامَةِ وَالِاسْتِيطَانِ فَيَكْمُلُ بِذَلِكَ عِشْرُونَ قَوْلًا . قَوْلُهُ : ( جَائِزَةٌ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِي تَامَّةٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ تَارَةً عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَحْدَهُ كَمَا هُنَا وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَتَارَةً عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ وَحْدَهُ وَهِيَ رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَإِسْرَائِيلَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَتَارَةً جُمِعَ بَيْنَهُمَا عَنْ جَابِرٍ وَهِيَ رِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا رِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَهُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ انْفِضَاضَهُمْ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، عَنْ حُصَيْنٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ وَلَهُ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ - زَادَ أَبُو عَوَانَةُ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ ، والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ - يَخْطُبُ وَمِثْلُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَإِسْرَائِيلَ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ . فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : نُصَلِّي أَيْ نَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ . وَقَوْلُهُ : فِي الصَّلَاةِ أَيْ فِي الْخُطْبَةِ مَثَلًا وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا قَارَبَهُ ، فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَحَمَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَوْلَهُ : يَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ غَيْرُ خَبَرِ كَوْنِهِمْ كَانُوا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : التَّقْدِيرُ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا الْحَدِيثَ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . قَوْلُهُ : ( إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ التِّجَارَةَ طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ فِي جَمْعِهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ قَوْلَهُ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا وَهُوَ ذُهُولٌ مِنْهُ ، نَعَمْ سَقَطَ ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَثَبَتَ هُنَا وَفِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَزَادَ فِيهِ أَنَّهَا أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّامِ ، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَمُرَّةَ فَرْقُهُمَا أَنَّ الَّذِي قَدِمَ بِهَا مِنَ الشَّامِ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتْ عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجُمِعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ التِّجَارَةَ كَانَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ دِحْيَةُ السَّفِيرَ فِيهَا أَوْ كَانَ مُقَارِضًا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهَا كَانَتْ لِوَبَرَةَ الْكَلْبِيِّ ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ رَفِيقَ دِحْيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ فِي الْبُيُوعِ فَانْفَضَّ النَّاسُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَدَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِالْتِفَاتِ الِانْصِرَافُ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الِالْتِفَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الِانْصِرَافُ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَطْعِهَا ، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْتِفَاتُهُمْ بِوُجُوهِهِمْ أَوْ بِقُلُوبِهِمْ ، وَأَمَّا هَيْئَةُ الصَّلَاةِ الْمُجْزِئَةُ فَبَاقِيَةٌ . ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِانْفِضَاضَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ تَرَجَّحَ فِيمَا مَضَى أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي الْخُطْبَةِ ، فَلَوْ كَانَ كَمَا قِيلَ لَمَا وَقَعَ هَذَا الْإِنْكَارُ الشَّدِيدُ ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِيهَا لَا يُنَافِي الِاسْتِمَاعَ ، وَقَدْ غَفَلَ قَائِلُهُ عَنْ بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ . وَفِي قَوْلِهِ : فَالْتَفَتُوا الْحَدِيثَ ، الْتِفَاتٌ ، لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَالْتَفَتْنَا ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي عُدُولِ جَابِرٍ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنِ الْتَفَتَ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَيْسَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا فَيَجِبُ رَفْعُهُ ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَمِيرِ بَقِيَ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الْمُصَلِّي فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ الرَّفْعُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ اهـ . وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمْ أَنْتُمْ ؟ فَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ ، فَإِذَا هُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَامْرَأَةً وَفِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيِّ وَامْرَأَتَانِ وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَبْعُ نِسْوَةٍ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا إِلَّا مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ إِلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحِفْظِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُصَيْنٍ كُلُّهُمْ . وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمْ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرًا قَالَ : أَنَا فِيهِمْ وَلَهُ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ دُونَ سَالِمٍ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ ، وَفِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيِّ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُمْ وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مِنْهُمُ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَأُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ أَسَدَ بْنَ عَمْرٍو رَوَى بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّ الْاثْنَيْ عَشَرَ هُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ وَبِلَالٌ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ عَمَّارٌ بَدَلَ ابْنِ مَسْعُودٍ اهـ . وَرِوَايَةُ الْعُقَيْلِيِّ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ رِوَايَةَ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ لَا كَمَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ إنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسَدٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ سَالِمٍ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ قُدُومِ الْعِيرِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْمُرَادُ بِاللَّهْوِ عَلَى هَذَا مَا يَنْشَأُ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَادِمِينَ وَمَا مَعَهُمْ . وَوَقَعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَتْ لَهُمْ سُوقٌ كَانَتْ بَنُو سَلِيمٍ يَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالسَّمْنَ ، فَقَدِمُوا فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ وَتَرَكُوهُ ، وَكَانَ لَهُمْ لَهْوٌ يَضْرِبُونَهُ فَنَزَلَتْ وَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالطَّبَرِيُّ بِذِكْرِ جَابِرٍ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَكَحُوا تَضْرِبُ الْجَوَارِي بِالْمَزَامِيرِ فَيَشْتَدُّ النَّاسُ إِلَيْهِمْ وَيَدَعُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي مُرْسَلِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كَانَ رِجَالٌ يَقُومُونَ إِلَى نَوَاضِحِهِمْ ، وَإِلَى السَّفَرِ يَقْدَمُونَ يَبْتَغُونَ التِّجَارَةَ وَاللَّهْوَ ، فَنَزَلَتْ وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ تَنْزِلَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَأَكْثَرَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى مَعَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ : انْفَضُّوا إِلَيْهَا دُونَ قَوْلِهِ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَيْهِ أَنَّ اللَّهْوَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ تَبَعًا لِلتِّجَارَةِ ، أَوْ حُذِفَ لِدَلَالَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : أُعِيدَ الضَّمِيرُ إِلَى الْمَعْنَى ، أَيِ انْفَضُّوا إِلَى الرُّؤْيَةِ أَيْ لِيَرَوْا مَا سَمِعُوهُ . ( فَائِدَةٌ ) : ذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال : لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْكُمُ أَحَدٌ لَسَالَ بِكُمُ الْوَادِي نَارًا قَالَ : وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ فِي الْكِتَابَيْنِ وَلَا فِي مُسْتَخْرَجَيِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالْبَرْقَانِيِّ ، قَالَ : وَهِيَ فَائِدَةٌ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَلَعَلَّنَا نَجِدُهَا بِالْإِسْنَادِ فِيمَا بَعْدُ انْتَهَى . وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا هِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُرْسَلَيِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَسَنَدُهُ سَاقِطٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ عَنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الْجُمُعَةِ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَبْعَدَهُ ، وَأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ الْجُمُعَةِ يَنْعَقِدُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِفَسْخِ مَا تَبَايَعُوا فِيهِ مِنَ الْعِيرِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ تَرْكِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ نَفْسًا وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَيَجِيءُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ فِي الِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلِ الْجُمُعَةُ بِانْفِضَاضِ الزَّائِدِ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَافٍ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَادَى حَتَّى عَادُوا أَوْ عَادَ مَنْ تُجْزِئُ بِهِمْ ، إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا . وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فِي هَذَا فَقِيلَ : إِذَا انْعَقَدَتْ لَمْ يَضُرَّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ بَقِيَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ . وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ بَقَاءُ وَاحِدٍ مَعَهُ ، وَقِيلَ : اثْنَيْنِ ، وَقِيلَ : يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا انْفَضُّوا بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَا يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَإِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ صَارَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ : إِذَا تَفَرَّقُوا بَعْدَ الِانْعِقَادِ فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ الْجَمْعُ الَّذِي يَبْقَى مَعَ الْإِمَامِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ ، وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُ كَوْنِ الِانْفِضَاضِ وَقَعَ فِي الْخُطْبَةِ لَا فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِالصَّحَابَةِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِمْ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ كَآيَةِ لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ، وَقَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَمِيعَ لَوِ انْفَضُّوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ الْجُمُعَةُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا . وَقِيلَ : تَصِحُّ إِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ ، وَقِيلَ : إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ صَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى صَحَّتْ لِمَنْ بَقِيَ ، وَقِيلَ : يُتِمُّهَا ظُهْرًا مُطْلَقًا . وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ أَقْوَالٌ مُخَرَّجَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا الْأَخِيرَ فَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ ، وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ زَالَ الْإِشْكَالُ ، لَكِنَّهُ مَعَ شُذُوذِهِ مُعْضِلٌ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْأَصِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ثُمَّ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ . انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي آيَةِ النُّورِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِهَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجُمُعَةِ . وَفَهِمُوا مِنْهَا ذَمَّ ذَلِكَ اجْتَنَبُوهُ فَوُصِفُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا فِي آيَةِ النُّورِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ · ص 489 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي تامة · ص 523 38 - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي تامة 936 - حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، ثنا جابر بن عبد الله ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وخرجه في التفسير ، عن حفص بن عمر قال : ثنا خالد بن عبد الله ، أبنا حصين ، عن سالم بن أبي الجعد - وعن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله - فذكره بمعناه . وفي هذه الرواية : متابعة أبي سفيان لسالم بن أبي الجعد على روايته عن جابر ، وإنما خرج لأبي سفيان متابعة . وقد خرجه مسلم بالوجهين - أيضا . وفي أكثر رواياته : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة . وفي رواية له : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما يوم الجمعة - فذكره بمعناه . وفي رواية له : فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، أنا فيهم . وفي رواية له - أيضا - : فيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري : بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد به أنهم انفضوا عنه في نفس الصلاة ، إنما أراد - والله أعلم - أنهم كانوا مجتمعين للصلاة ، فانفضوا وتركوه . ويدل عليه : حديث كعب بن عجرة ، لما قال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا ، وقد قال الله تعالى : انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وكذلك استدلال ابن مسعود وخلق من التابعين بالآية على القيام في الخطبة . وروى علي بن عاصم هذا الحديث عن حصين ، فقال فيه : فلم يبق معه إلا أربعون رجلا ، أنا فيهم . خرجه الدارقطني والبيهقي . وعلي بن عاصم ، ليس بالحافظ ، فلا يقبل تفرده بما يخالف الثقات . وقد استدل البخاري وخلق من العلماء على أن الناس إذا نفروا عن الإمام ، وهو يخطب للجمعة ، وصلى الجمعة بمن بقي ، جاز ذلك ، وصحت جمعتهم . وهذا يرجع إلى أصل مختلف فيه ، وهو : العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وقد اختلف في ذلك : فقالت طائفة : لا تنعقد الجمعة بدون أربعين رجلا ، روي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق ، ورواية عن مالك . وقالت طائفة : تنعقد بخمسين ، روي عن عمر بن عبد العزيز - أيضا - وهو رواية عن أحمد . وقالت طائفة تنعقد بثلاثة ، منهم : ابن المبارك والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وروي عن أبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد بأربعة ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه - في المشهور عنهما - والأوزاعي ومالك والثوري - في رواية عنهما - والليث بن سعد . وحكي قولا قديما للشافعي ، ومنهم من حكاه أنها تنعقد بثلاثة . وقالت طائفة : يعتبر أربعون في الأمصار وثلاثة في القرى ، وحكي رواية عن أحمد ، صححها بعض المتأخرين من أصحابه . وقالت طائفة : تنعقد بسبعة ، وحكي عن عكرمة ، ورواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد باثني عشر رجلا ، حكي عن ربيعة . وقد قال الزهري : إن مصعب بن عمير أول ما جمع بهم بالمدينة كانوا اثني عشر رجلا . وتعلق بعضهم لهذا الحديث بحديث جابر المخرج في هذا الباب . وقال طائفة : تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة ، وهو رجلان ، وهو قول الحسن بن صالح وأبي ثور - في رواية - وداود ، وحكي عن مكحول . وتعلق القائلون بالأربعين بحديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمع بهم أسعد بن زرارة ، كانوا أربعين ، وقد سبق ذكره في أول كتاب الجمعة . وقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره وجه الاستدلال به : أن الجمعة فرضت بمكة ، وكان بالمدينة من المسلمين أربعة وأكثر ممن هاجر إليها وممن أسلم بها ، ثم لم يصلوا [. . .] كذلك حتى كمل العدد أربعين ، فدل على أنها لا تجب على أقل منهم ، ولم يثبت أبو بكر الخلال خلافه عن أحمد في اشتراط الأربعين . قال : وإنما يحكى عن غيره ، أنه قال بثلاثة ، وبأربعة ، وبسبعة ، ولم يذهب إلى شيء من ذلك ، وهذا الذي قاله الخلال هو الأظهر . والله أعلم . وفي عدد الجمعة أحاديث مرفوعة ، لا يصح فيها شيء ، فلا معنى لذكرها . وإذا تقرر هذا الأصل ، فمن قال : إن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلا أو بدونهم ، فلا إشكال عنده في معنى حديث جابر ؛ فإنه يحمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الجمعة بمن بقي معه ، وصحت جمعتهم . ومن قال : لا تصح الجمعة بدون أربعين ، فإنه يشكل عليه حديث جابر . وقد أجاب بعضهم : بأن الصحيح أنهم انفضوا ، وهو في الخطبة . قال : فيحتمل أنهم رجعوا قبل الصلاة ، أو رجع من تم به الأربعون ، فجمع بهم . قال : والظاهر أنهم انفضوا ابتداء سوى اثني عشر رجلا ، ثم رجع منهم تمام أربعين ، فجمع بهم ، وبذلك يجمع بين رواية علي بن عاصم وسائر الروايات . وهذا الذي قاله بعيد ، ورواية علي بن عاصم غلط محض ، لا يلتفت إليها . وسلك طائفة مسلكا آخر ، وظاهر كلام البخاري هاهنا وتبويبه يدل عليه ، وهو : أن انفضاضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في نفس الصلاة ، وكان قد افتتح بهم الجمعة بالعدد المعتبر ، ثم تفرقوا في أثناء الصلاة ، فأتم بهم صلاة الجمعة ؛ فإن الاستدامة يغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء . وهذا قول جماعة من العلماء ، منهم : أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والشافعي - في القديم - وإسحاق ، وهو وجه لأصحابنا . وعلى هذا ؛ فمنهم من اعتبر أن يبقى معه واحد فأكثر ؛ لأن أصل الجماعة تنعقد بذلك ، ومنهم من شرط أن يبقى معه اثنان ، وهو قول الثوري وابن المبارك ، وحكي قولا للشافعي . وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر رجلا جمع بهم وإلا فلا ؛ لظاهر حديث جابر . وهو وجه لأصحابنا . ولأصحابنا وجه آخر : يتمها الإمام جمعة ، ولو بقي وحده . وهذا بعيد جدا . وفرق مالك بين أن يكون انفضاضهم قبل تمام ركعة فلا تصح جمعتهم ويصلون ظهرا ، وبين أن يكون بعد تمام ركعة فيتمونها جمعة . ووافقه المزني ، وهو وجه لأصحابنا . وقال أبو حنيفة : إن انفضوا قبل أن يسجد في الأولى فلا جمعة لهم ، وإن كان قد سجد فيها سجدة أتموها جمعة . وقال صاحباه : بل يتمونها جمعة بكل حال ، ولو انفضوا عقب تكبيرة الإحرام . ومذهب الشافعي - في الجديد - وأحمد والحسن بن زياد : أنه لا جمعة لهم ، حتى يكمل العدد في مجموع الصلاة . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : لم يختلف قول أحمد في ذلك . وقد وجدت جوابا آخر عن حديث جابر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد صلى بأصحابه الجمعة ، ثم خطبهم فانفضوا عنه في خطبته بعد صلاة الجمعة ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قدم خطبة الجمعة على صلاتها . فخرج أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيد ، حتى إذا كان يوم جمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل ، فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارته - وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف - فخرج الناس ، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة . وهذا الجواب أحسن مما قبله . ومن ظن بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد دخولهم معه فيها ، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فقد أساء بهم الظن ، ولم يقع ذلك بحمد الله تعالى . وأصل هذه المسائل : أن الجمعة يشترط لها الجماعة ، فلا تصح مع الانفراد ، وهذا إجماع لا نعلم فيه خلافا ، إلا ما تقدم حكايته عن أبي جحيفة ، أنه صلى ركعتين عند تأخير بعض الأمراء للجمعة ، وقال : أشهدكم أنها جمعة . وحكي مثله عن الفاشاني ، والفاشاني ليس ممن يعتد بقوله بين الفقهاء . وذهب عطاء إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة ، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة ، فذهب فتوضأ ، ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة ، أنه يصلي ركعتين ؛ لأنه قد حضر الخطبة ، نقله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وخالفه جمهور العلماء ، فقالوا : يصلي أربعا . وفي مراسيل يحيى بن أبي كثير : من أدرك الخطبة فقد أدرك الصلاة . خرجه عبد الرزاق . ومراسيل يحيى ضعيفة جدا . واختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب ، قد فرغ من الخطبة . فقالت طائفة : لم يدرك الجمعة ، ويصلي أربعا ، روي ذلك عن عمر ، وعن طاوس وعطاء ومجاهد ومكحول ، وقالوا : الخطبة بدل عن الركعتين . قال عطاء : إن جلس قبل أن ينزل الإمام من المنبر فقد أدرك الخطبة ، فيصلي جمعة ، وإلا صلى أربعا . وظاهر كلام عطاء : أن الجمعة ظهر مقصورة ؛ فإنه يقول : إن أدرك الخطبة قصر ، وإلا لم يقصر . وقال سعيد بن جبير : كانت الجمعة أربعا ، فجعلت الخطبة مكان الركعتين . وذهب طائفة : إلى أن من أدركهم في التشهد قبل السلام فقد أدرك الجمعة ، وهو قول الحكم وحماد وأبي حنيفة وأصحابه ، وحكي رواية عن النخعي ، ورواية عن أحمد ، ولا تكاد تصح عنه . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال لأصحابه - وقد أدرك الناس جلوسا في الجمعة - : قد أدركتم ، إن شاء الله . قال قتادة : إنما أراد : أدركتم الأجر . وذهب أكثر العلماء إلى أنه إن أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام ، فقد أدرك الجمعة ، ويتمها جمعة ، وإن فاتته الركعة الثانية صلى أربعا . وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأنس ، وهو قول علقمة والأسود والحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والليث والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بحديث : من أدرك ركعة من الصلاة . ثم إن أكثرهم قالوا : يصلي من أدرك التشهد مع الإمام الظهر خلفه أربعا . وهذا يتوجه على قول من يقول : يصح اقتداء من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر . فأما من قال : لا يجوز ذلك ، فهو مشكل على أصولهم . فلهذا قال طائفة : لا يجزئه أن يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة ، بل يستأنف الظهر ، وهو اختيار بعض أصحابنا في المسبوق ، وفيما إذا نقص العدد في أثناء الجمعة . وهو قول بعض فقهاء أهل المدينة ، إلا على قول من يقول : الجمعة ظهر مقصورة ، فيكون كمقيم صلى خلف مسافر . فلهذا قال بعضهم : ينوي في دخوله معه الجمعة ، ثم يصلي ظهرا إذا فارقه ، وهو بعيد . وحكي ذلك عن ابن شاقلا من أصحابنا . وقد صنف ابن شاقلا في المسألة جزءا مفردا ، وقد تأملته ، فوجدته يقول : إن من أدرك التشهد خلف الإمام في يوم الجمعة ، فإنه يصلي جمعة أربع ركعات . قال : وإنما كانت جمعة هذا أربعا لاتفاق الصحابة عليه ، على خلاف القياس ، وكان القياس : أن يصلي الركعتين . وأخذ ذاك من قول أحمد - في رواية حنبل - : لولا الحديث الذي في الجمعة ، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين إذا أدركهم جلوسا . حتى قال ابن شاقلا : لو كان الإمام قد صلى الجمعة قبل زوال الشمس ، فأدركه في التشهد صلى أربعا ، وأجزأه ، وكانت جمعة . وقد قال سفيان الثوري : إذا نوى الجمعة ، وصلى أربعا أجزأته جمعته ، وإن لم ينو الجمعة فلا أراه يجزئه . وللشافعية فيما إذا نوى بصلاة الجمعة صلاة الظهر المقصورة : هل تصح جمعته ؟ وجهان ، على قولهم : إن الجمعة ظهر مقصورة . وإن نوى الجمعة ، فإن قالوا : هي صلاة مستقلة أجزأه . وإن قالوا : ظهر مقصورة ، فهل تشترط نية القصر ؟ فيه وجهان لهم ، أصحهما : لا تشترط . ولو نوى الظهر مطلقا ، من غير تعرض للقصر ، لم يصح عندهم بغير خلاف . وقال مالك - فيما نقله عنه ابن عبد الحكم - في الإمام ينزل بقرية لا تقام فيها الجمعة ، فيجمع فيها : إنه لا يكون جمعة ، بل يكون ظهرا مقصورة ، فتصح له ولمن معه من المسافرين ، ويتم أهل تلك القرية صلاتهم إذا سلم . وهو ظاهر ما ذكره في الموطأ ، ونقله عنه ابن نافع - أيضا . وظاهر هذا : يدل على صحة صلاة الظهر المقصورة بنية الجمعة . قال ابن القاسم في المدونة : لا جمعة للإمام ولا لمن خلفه ، ويعيد ويعيدون ؛ لأنه جهر عامدا . وهذا تعليل عجيب ، وهو يقتضي أن من جهر في صلاة السر عمدا بطلت صلاته . والتعليل : بأنه لا تصح صلاة الظهر بنية الجمعة أظهر . وذكر ابن المواز ، عن ابن القاسم : أما هو فصلاته تامة ، وأما هم فعليهم الإعادة . واختلف السلف في هذه المسألة : فقال عطاء - فيمن دخل قرية لا ينبغي أن تقام فيها الجمعة ، وهي القرية التي ليست جامعة عنده ، فأقام أهلها الجمعة ، فجمع معهم : إنه يتم صلاته ، فإذا سلم إمامهم أتم صلاته بركعتين ، ولا يقصر معهم . وقال الزهري : يجمع معهم ويقصر . ومذهب أصحاب الشافعي : أن المسبوق في صلاة الجمعة يتم صلاته - إذا سلم الإمام - ظهرا . ثم منهم من قطع بذلك ، وهم جمهور العراقيين ، ومن الخراسانيين من بناه على القول في أن الجمعة : هل هي صلاة مستقلة أو ظهر مقصورة . فإن قيل : هي ظهر مقصورة أتمها ظهرا كالمسافر إذا امتنع عليه القصر لسبب ، وإن قيل : هي صلاة مستقلة ، فهل يتمها ظهرا ؟ فيها وجهان ، أصحهما : يتمها ظهرا ؛ لأنها بدل منها ، أو كالبدل . فعلى هذا : هل يشترط أن ينوي قبلها ظهرا ، أو تنقلب بنفسها ؟ فيه وجهان - أيضا . وهذا كله تفريع على قولهم : ينوي الجمعة موافقة للإمام . ولهم وجه آخر : ينوي الظهر ؛ لأنه لا يصح له غيرها . وهو قول الخرقي وأكثر أصحابنا . ومنهم من قال : هو ظاهر كلام أحمد . وحكاه - أيضا - عن مالك والشافعي ، وفي حكايته عن الشافعي نظر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة · ص 245 باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة أي هذا باب ترجمته : إذا نفر الناس عن الإمام ، إلى آخره ، يعني : خرجوا عن مجلس الإمام وذهبوا ، قوله : فصلاة الإمام كلام إضافي مبتدأ ، قوله : ومن بقي عطف عليه ، أي : وصلاة من بقي من القوم مع الإمام ، قوله : جائزة خبر المبتدأ ، وفي رواية الأصيلي تامة ، وظاهر هذه الترجمة يدل على أن البخاري رحمه الله لا يرى استمرار الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة إلى تمامها شرطا في صحة الجمعة ، وسيجيء بيان الاختلاف فيه مفصلا إن شاء الله تعالى . 59 - حدثنا معاوية بن عمرو قال : حدثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد قال : حدثنا جابر بن عبد الله قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا مطابقته للترجمة من حيث إن الصحابة لما انفضوا حين إقبال العير ، ولم يبق منهم إلا اثنا عشر نفسا أتم النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الجمعة بهم ؛ لأنه لم ينقل أنه أعاد الظهر ، فدل على الترجمة من هذه الحيثية . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي البغدادي أصله كوفي ، مات في جمادى الأولى سنة أربع عشرة ومائتين ، الثاني : زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفي ، الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها نون ابن عبد الرحمن الواسطي ، الرابع : سالم بن أبي الجعد ، واسم أبي الجعد رافع الكوفي ، الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن البخاري روى هنا عن معاوية بن عمرو بلا واسطة ، وروى في مواضع عنه بواسطة عبد الله بن المسندي ، ومحمد بن عبد الرحيم ، وأحمد بن أبي رجاء ، وفيه أن رواته ما بين بغدادي ، وكوفي ، وواسطي ، وقد علم ذلك مما سلف ، وفيه أن مدار هذا الحديث في الصحيحين على حصين المذكور ؛ لأنه تارة يرويه عن سالم بن أبي الجعد وحده ، كما هنا ، وهي رواية أكثر أصحابه ، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده ، وهي رواية قيس بن الربيع ، وإسرائيل عند ابن مردويه ، وتارة جمع بينهما عن جابر ، وهي رواية خالد بن عبد الله عند البخاري في التفسير ، وعند مسلم ، وكذا رواية هشيم عنده أيضا . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن طلق بن غنام عن زائدة ، وعن محمد هو ابن سلام عن محمد بن فضيل ، وفي التفسير عن حفص بن عمر عن خالد بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن رفاعة بن الهيثم ، وعن إسماعيل بن سالم ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الصلاة عن عبد الله بن أحمد بن عبد الله . ذكر معناه ، قوله : بينما قد مر غير مرة أن أصله بين فزيدت عليه الألف والميم ، وأضيف إلى الجملة بعده ، وقوله : إذا أقبلت جوابه ، ويروى بينا بدون الميم ، قوله : نحن نصلي ظاهره أن انفضاضهم كان بعد دخولهم في الصلاة ، والدليل عليه رواية خالد بن عبد الله عند أبي نعيم في ( المستخرج ) : بينما نحن مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الصلاة ، ولكن وقع عند مسلم ، ورسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يخطب ، وله في رواية بينا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قائم ، وزاد أبو عوانة في ( صحيحه ) ، والترمذي والدارقطني من طريقه يخطب ، فإن قلت : كيف التوفيق بين الكلامين ؟ قلت : قالوا : قوله : نصلي أي : ننتظر الصلاة ، وهو معنى قوله : في الصلاة في رواية أبي نعيم في الخطبة ، وهو من تسمية الشيء بما قاربه . وقال النووي : والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة ليوافق رواية مسلم . وقال ابن الجوزي : معناه حضرنا الصلاة ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يخطب يومئذ قائما ، وبين هذا في حديث جابر أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يخطب قائما . وقال البيهقي : الأشبه أن يكون الصحيح رواية من روى أن ذلك كان في الخطبة . قلت : إخراج كلام جابر الذي رواه البخاري يؤدي إلى عدم مطابقته للترجمة ؛ لأنه وضع الترجمة في نفور القوم عن الإمام وهو في الصلاة ، وما ذكره يدل على أنهم نفروا والإمام يخطب ، قوله : عير بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، وهي الإبل التي تحمل التجارة طعاما كانت أو غيره ، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها . وقال الزمخشري في قوله تعالى : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنها الإبل التي عليها الأحمال ؛ لأنها تعير ، أي : تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير بفتح العين ، والمراد أصحاب العير فعلى هذا إسناد الإقبال إلى العير مجاز ، وفي ( المحكم ) ، والجمع عيرات ، وعير ، ونقل عبد الحق في جمعه أن البخاري لم يخرج قوله : إذا أقبلت عير تحمل طعاما وليس كذلك فإنه ثبت هنا ، وفي أوائل البيوع ، نعم ، سقط ذلك في التفسير ، وزاد البخاري في البيوع أنها أقبلت من الشام ، ومثله لمسلم من طريق جرير عن حصين . فإن قلت : لمن كانت العير المذكورة ؟ قلت : في رواية الطبري من طريق السدي أن الذي قدم بها من الشام هو دحية بن خليفة الكلبي . وقال السهيلي : ذكر أهل الحديث أن دحية بن خليفة الكلبي قدم من الشام بعير له تحمل طعاما وبرا ، وكان الناس إذ ذاك محتاجين فانفضوا إليها ، وتركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس : جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه . فإن قلت : كيف التوفيق بين الروايتين ؟ قلت : قيل : جمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن ، وكان دحية السفير فيها . قلت : يحتمل أن يكونا مشتركين فصحت نسبتها لكل منهما بهذا الاعتبار ، قوله : فالتفتوا إليها أي : إلى العير ، وفي رواية ابن فضيل في البيوع فانفض الناس ، أي : فتفرق الناس ، وهو موافق لنص القرآن ، فدل هذا على أن المراد من الالتفات الانصراف ، وبهذا يرد على من حمل الالتفات على ظاهره حيث قال : لا يفهم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعها ، وإنما الذي يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم ، ويرد هذا أيضا قوله : حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فإن بقاء اثني عشر رجلا منهم يدل على أن الباقين ما بقوا معه - صلى الله عليه وسلم - . وقال بعضهم : وفي قوله : فالتفتوا الالتفات لأن السياق يقتضي أن يقول فالتفتنا ، وكأن النكتة في عدول جابر عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفت . قلت : ليس فيه التفات ؛ لأن جابرا رضي الله تعالى عنه كان من الاثني عشر على ما جاء أنه قال : وأنا فيهم ، فيكون هذا إخبارا عن الذين انفضوا ، فلا عدول فيه عن الأصل ، قوله : إلا اثنا عشر استثناء من الضمير الذي في لفظة بقي الذي يعود إلى المصلي ، فإذا كان كذلك يجوز فيه الرفع والنصب ، وجاءت الرواية بهما ، ولا يقال : إن الاستثناء مفرغ فيتعين الرفع ؛ لأن إعرابه على حسب العوامل ؛ لأن ما ذكر يمنع أن يكون مفرغا ، وهنا وجه آخر لجواز الرفع والنصب ، أما الرفع فيكون المستثنى فيه محذوفا ، تقديره : ما بقي أحد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عدد كانوا اثني عشر رجلا . وأما النصب فلإعطاء اثني عشر حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر ، وأربعة عشر وغيرهما ؛ لأن الأصل فيها البناء لتضمنها الحرف فافهم . ثم تعيين عدد الذين بقوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما هو في ( الصحيح ) ، وهم اثنا عشر ، وفي الدارقطني ليس معه - صلى الله عليه وسلم - إلا أربعين رجلا أنا فيهم ، ثم قال الدارقطني : لم يقل كذلك إلا علي بن عاصم عن حصين ، وخالفه أصحاب حصين فقالوا : اثنا عشر رجلا ، وفي ( المعاني ) للفراء إلا ثمانية نفر ، وفي تفسير عبد بن حميد إلا سبعة ، ووقع في ( تفسير الطبري ) ، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى قتادة قال : قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي وامرأتان ، ولابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وسبع نسوة ، لكن إسناده ضعيف . وأما تسميتهم فوقع في رواية خالد الطحان عند مسلم أن جابرا قال : أنا فيهم ، وله في رواية هشيم فيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أن سالما مولى أبي حذيفة منهم . وروى العقيلي عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وأناس من الأنصار ، وحكى السهيلي أن أسد بن عمرو روى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة ، وبلال ، وابن مسعود . قال : وفي رواية عمار بدل ابن مسعود ، وأهمل جابرا ، وهو منهم ، كما ذكر في الصحيح . قوله : فنزلت هذه الآية ظاهر هذا أن سبب نزول هذه الآية قدوم العير المذكورة ، وفي ( مراسيل أبي داود ) حدثنا محمود بن خالد ، حدثنا الوليد ، أخبرني بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال : إن دحية قدم بتجارته ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف ، فخرج الناس لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله عز وجل وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الآية ، فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة فكان أحد لا يخرج لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يشير إليه بيده ، قال السهيلي : هذا وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحا . وقال عياض : وقد أنكر بعضهم كونه - صلى الله عليه وسلم - خطب قط بعد صلاة الجمعة ، وفي ( سنن الشافعي ) رحمه الله عن إبراهيم بن محمد ، حدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، وكانت لهم سوق يقال لها البطحاء ، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل ، والإبل ، والسمن ، وقدموا فخرج إليهم الناس ، وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان لهم لهو إذا تزوج أحد من الأنصار يضربونه ، يقال له الكبر فعيرهم الله بذلك ، فقال : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا وهو مرسل ؛ لأن محمد الباقر من التابعين ، ووصله أبو عوانة في ( صحيحه ) ، والطبري يذكر جابرا فيه أنهم كانوا إذ نكحوا تضرب لهم الجواري بالمزامير ، فيشتد الناس إليهم ، ويدعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما فنزلت هذه الآية ، وفي تفسير عبد بن حميد ، حدثنا يعلى عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : قدم دحية بتجارة فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر ، وأخبرني عمرو بن عوف عن هشيم عن يونس عن الحسن قال : فلم يبق معه - صلى الله عليه وسلم - إلا رهط منهم أبو بكر ، وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فنزلت هذه الآية وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً فقال - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي نارا ، حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم جمعة فخطبهم ، فقيل : جاءت عير فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم ، فقال : كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ، ووعظهم ، فقيل : جاءت عير فجعلوا يقومون حتى بقيت منهم عصابة ، فقيل لهم : كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال : والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم أولكم لألهب الوادي عليكم نارا ، فأنزل الله تعالى فيها ما تسمعون وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الآية . حدثنا شيبان عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا قال : كان رجال يقومون إلى نواضحهم ، وإلى السفر يقدمون يتبعون التجارة واللهو ، وفي ( تفسير ابن عباس ) جمع إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن جويبر عن الضحاك عن أبان عن أنس بينما نحن مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة إذ سمع أهل المسجد صوت الطبول والمزامير ، وكان أهل المدينة إذا قدمت عليهم العير من الشام بالبر والزبيب استقبلوها فرحا بالمعازف ، فقدمت عير لدحية ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فتركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من هاهنا ، فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة : فإذا اثنا عشر رجلا وامرأتان ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : لو اتبع آخركم أولكم لاضطرم الوادي عليكم نارا ، ولكن الله تطول علي بكم فرفع العقوبة بكم عمن خرج فنزلت الآية ، وفي ( تفسير النسفي ) ، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق ، وهو المراد باللهو ، وفيه أيضا بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي ، ثم أحد بني الخزرج ، ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة ، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق ، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره ، فنزل عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، ثم يضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه ، فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه ، فقدم ذات يوم جمعة ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب ، فخرج إليه الناس ، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم بقي في المسجد ؟ فقالوا : اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . قوله : انفضوا إليها من الانفضاض ، وهو التفرق ، يقال : فضضت القوم فانفضوا ، أي : فرقتهم فتفرقوا ، قال الزمخشري : كيف قال إليها ، وقد ذكر شيئين . قلت : تقديره : إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه ، وكذلك قراءة من قرأ انفضوا إليه ، وقراءة من قرأ لهوا أو تجارة انفضوا إليها ، وقرئ إليهما ، انتهى . وقيل : أعيد الضمير إلى التجارة فقط ؛ لأنها كانت أهم إليهم . وقال الزجاج : يجوز في الكلام انفضوا إليه ، وإليها ، وإليهما ، ولأن العطف إذا كان ضميرا فقياسه عوده إلى أحدهما لا إليهما ، أو أن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ ، أي : انفضوا إلى الرؤية التي رأوها ، أي : مالوا إلى طلب ما رأوه . ذكر ما يستفاد منه : يستفاد من ظاهر حديث الباب أن القوم إذا نفروا عن الإمام ، وهو في صلاة الجمعة ، فصلاة من بقي وصلاة الإمام على حالها ، فلذلك ترجم البخاري الباب بقوله : باب إذا نفر الناس إلى آخره . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في الإمام يفتتح صلاة الجمعة بجماعة ، ثم يتفرقون ، فقال الثوري : إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين ، وإن بقي واحد صلى أربعا . وقال أبو ثور : يصليها جمعة ، انتهى . قلت : إذا اقتدى الناس بالإمام في صلاة الجمعة ، ثم عرض للناس عارض أداهم إلى النفور فنفروا ، وبقي الإمام وحده ، وذلك قبل أن يركع ويسجد ، استقبل الظهر عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : إن نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة ، وإن بقي وحده ، وبه قال المزني في قول ، وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا ، خلافا لزفر فعنده يصلي الظهر ، وعند مالك : إن انفضوا بعد الإحرام ، ويئس من رجوعهم بنى على إحرامه أربعا ، وإلا جعلها نافلة ، وانتظرهم ، وإن انفضوا بعد ركعة قال أشهب وعبد الوهاب : يتمها جمعة ، وهو اختيار المزني . وقال سحنون : هو كما بعد الإحرام فتشترط إلى الانتهاء . وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر صلى الجمعة ، وظاهر كلام أحمد استدامة الأربعين . وقال النووي : لو أحرم بالأربعين المشروطة ، ثم انفضوا ففيه خمسة أقوال أصحها يتمها ظهرا كالابتداء ، وللمزني تخريجان أحدهما يتمها جمعة وحده ، والثاني إن صلى ركعة بسجدتيها أتمها جمعة ، وقيل : إن بقي معه واحد أتمها جمعة نص عليه في القديم ، وذكر ابن المنذر : إن بقي معه اثنان أتمها جمعة ، وهي رواية البويطي . وقال صاحب ( التقريب ) : يحتمل أن يكتفي بالعبد والمسافر ، وأقام الماوردي الصبي والمرأة مقامهما ، فالحاصل بقاء الأربعين في كل الصلاة هل هو شرط أم لا ؟ قولان : فإن قلنا لا فهل يشترط بقاء عدد أم لا ؟ فقولان ، فإن قلنا : لا ، فهل يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا ؟ قولان ، فإن قلنا : نعم ، فكم يشترط ؟ قولان : أحدهما ثلاثة ، والآخر اثنان ، فإذا أردت اختصار ذلك قلت : في المسألة خمسة أقوال أحدها يتمها ظهرا كيف ما كان وهو الصحيح ، والثاني جمعة كيف ما كان ، والثالث إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وإلا ظهرا ، والرابع : إن بقي معه واحد أتمها جمعة ، والخامس إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وإلا أتمها ظهرا . قلت : الأصل أن الجماعة من شرائط الجمعة لأنها مشتقة منها ، وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تصح من المنفرد إلا ما ذكر ابن حزم في ( المحلى ) عن بعض الناس أن الفذ يصلي الجمعة كالظهر ، ثم أقل الجماعة عند أبي حنيفة ثلاثة سوى الإمام ، وبه قال زفر والليث بن سعد ، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري في قول ، وأبي ثور ، واختاره المزني ، وعند أبي يوسف ومحمد اثنان سوى الإمام ، وبه قال أبو ثور والثوري في قول ، وهو قول الحسن البصري ، ثم الجماعة للجمعة شرط تأكد العقد بالسجدة عند أبي حنيفة ، وعندهما للشروع ، وعند زفر يشترط دوامها كالوقت والطهارة ، وفائدة الخلاف تظهر فيما ذكرناه عنهم الآن . وفي العدد الذي تصح به الجمعة أربعة عشر قولا : ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة ، واثنان سواه عندهما ، وواحد سواه عند النخعي ، والحسن بن حي ، وجميع الظاهرية ، وسبعة عن عكرمة ، وتسعة واثنا عشر عن ربيعة ، وثلاثة عشر وعشرون وثلاثون عن مالك في رواية ابن حبيب ، وأربعون موالي عن عمر بن عبد العزيز ، وأربعون أحرارا بالغين عقلاء مقيمين لا يظعنون صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة عند الشافعي وأحمد في ظاهر قوله ، وخمسون رجلا عن أحمد في رواية ، وعمر بن عبد العزيز في رواية ، وثمانون ذكره المازري ، وغير محدود بعدد ذكره المازري أيضا . وقال الكرماني : وفي الحديث دليل لمالك حيث قال : تنعقد الجمعة باثني عشر ، وأجاب الشافعي بأنه محمول على أنهم رجعوا أو رجع منهم تمام أربعين فأتم بهم الجمعة : قلت : في استدلال مالك نظر ، وكذا في جواب الشافعية ؛ لأنه لم يرد أنه أتم الصلاة ، ويحتمل أنه أتمها ظهرا ، وقيل : إن إسحاق بن راهويه ذهب إلى ظاهر هذا الحديث ، فقال : إذا تفرقوا بعد الانعقاد يشترط بقاء اثني عشر ، وتعقب بأنها واقعة عين لا عموم لها . وقال بعضهم : ترجح كون انفضاض القوم وقع في الخطبة لا في الصلاة ، وهو اللائق بالصحابة تحسينا للظن بهم . وقال الأصيلي : وصف الله تعالى الصحابة بخلاف هذا ، فقال : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ قلت : قيل : إن نزول الآية بعد وقوع هذا الأمر على أنه ليس في الآية تصريح بنزولها في الصحابة ، ولئن سلمنا فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك ، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه فوصفوا بعد ذلك بآية النور .