26 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرْتُ بِالصَّبَا 1035 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُصِرْتُ بِالصَّبَا ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى تَخْصِيصِ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ بِمَا سِوَى الصَّبَا مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرِّيحِ لِأَنَّ قَضِيَّةَ نَصْرِهَا لَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسَرُّ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى عُمُومِهِ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ نَصْرُهَا لَهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقولِهِ تَعَالَى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ نَصْرُهَا لَهُ بِسَبَبِ إِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ فَيُخْشَى مِنْ هُبُوبِهَا أَنْ تُهْلِكَ أَحَدًا مِنْ عُصَاةِ أُمَّتِهِ وَهُوَ كَانَ بِهِمْ رَءُوفًا رَحِيمًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَيْضًا فَالصَّبَا تُؤَلِّفُ السَّحَابَ وَتَجْمَعُهُ ، فَالْمَطَرُ فِي الْغَالِبِ يَقَعُ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الصَّبَا أَيْضًا مِمَّا يَقَعُ التَّخَوُّفُ عِنْدَ هُبُوبِهَا فَيُعَكِّرُ ذَلِكَ عَلَى التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( بِالصَّبَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَقْصُورَةٌ يُقَالُ لَهَا الْقَبُولُ بِفَتْحِ الْقَافِ لِأَنَّهَا تُقَابِلُ بَابَ الْكَعْبَةِ إِذْ مَهَبُّهَا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ ، وَضِدُّهَا الدَّبُورُ وَهِيَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِهَا قَوْمُ عَادٍ ، وَمِنْ لَطِيفِ الْمُنَاسَبَةِ كَوْنُ الْقَبُولِ نَصَرْتَ أَهْلَ الْقَبُولِ وَكَوْنُ الدَّبُّورِ أَهْلَكْتَ أَهْلَ الْإِدْبَارِ ، وَأَنَّ الدَّبُّورَ أَشَدُّ مِنَ الصَّبَا لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي قِصَّةِ عَادٍ أَنَّهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا قَدْرٌ يَسِيرٌ وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَأْصَلَتْهُمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ رَأْفَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْمِهِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمُوا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الصَّبَا فَكَانَتْ سَبَبُ رَحِيلِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِهَا مِنَ الشِّدَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَمْ تَسْتَأْصِلْهُمْ . وَمِنَ الرِّيَاحِ أَيْضًا الْجَنُوبُ وَالشَّمَالُ ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ تَهُبُّ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَأَيُّ رِيحٍ هَبَّتْ مِنْ بَيْنِ جِهَتَيْنِ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا النَّكْبَاءُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَمَدٌّ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرْتُ بِالصَّبَا · ص 604 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور · ص 322 26 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور 1035 - حدثنا مسلم ، ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور . وخرجه مسلم من طريق شعبة أيضا . ومن طريق الأعمش ، عن مسعود بن مالك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله . وهذا مما يدل على أن الريح تأتي تارة بالرحمة ، وتارة بالعذاب . وخرج الحاكم من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو : اللهم ، أعوذ بك من شر الريح ، ومن شر ما تجيء به الريح ، ومن ريح الشمال ؛ فإنها الريح العقيم . ومن حديث سلمة بن الأكوع رفعه - إن شاء الله - أنه كان إذا اشتدت الريح يقول : اللهم ، لقحا لا عقيما . وروينا عن شريح ، قال : ما هاجت ريح قط إلا لسقم صحيح أو برء سقيم . وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ، فهبت ريح شديدة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذه الريح لموت منافق عظيم النفاق ، فوجدوا قد مات في ذلك اليوم عظيم من المنافقين ، وهو رفاعة بن التابوت .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا · ص 56 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا أي هذا باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا ، وذكر أبو حنيفة في كتاب الأنواء أن خالد بن صفوان قال : الرياح أربع : الصبا ، ومهبها فيما بين مطلع الشرطين إلى القطب ، ومهب الشمال فيما بين القطب إلى مسقط الشرطين ، وما بين مسقط الشرطين إلى القطب الأسفل مهب الدبور ، وما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشرطين مهب الجنوب ، وحكي عن جعفر بن سعد بن سمرة أنه قال : الرياح ست : القبول ، وهي الصبا مخرجها ما بين المشرقين ، وما بين المغربين الدبور ، وزاد النكباء ، ومحوة ، وقال الجوهري : الصبا ريح مهبها المستوي موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ، والدبور الريح الذي يقابل الصبا ، ويقال : الصبا مقصورة الريح الشرقية ، والدبور ، بفتح الدال الريح الغربية ، ويقال : الصبا التي تجيء من ظهرك إذا استقبلت القبلة ، والدبور التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلتها ، وعن ابن الأعرابي أنه قال : مهب الصبا من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، ومهب الدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل ، والصبا ريح البرد ، والدبور ريح الصيف ، وعن أبي عبيدة الصبا للإلذاذ ، والدبور للبلاء ، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا يقذي الأعين ، وهي أقلهن هبوبا ، وفي التفسير ريح الصبا هي التي حملت ريح يوسف عليه الصلاة والسلام قبل البشير إليه ، فإليها يستريح كل محزون ، والدبور هي الريح العقيم ، يقال : صبا وصبيان وصبوات ، وأصباء ، وكتابتها بالألف لقولهم : صبت الريح تصبو صبا إذا هبت ، وقال أبو علي الصبا ، والدبور يكونان اسما وصفة ، والدبور يجمع على دبر ، وأدبار ودبائر ، ويجمع قبول على قبائل ، يقال : قبلت الريح تقبل قبولا ودبرت تدبر دبورا ، ويقال : أقبلنا من القبول ، وأصبينا من الصبا ، وأدبرنا من الدبور ، فنحن مصبون ، ومدبرون ، فإذا أردت أنها أصابتنا . ( قلت ) : قبلنا ، فنحن مقبولون وصبينا ، فنحن مصبون ، ومصبيون ودبرنا ، فنحن مدبرون . 74 - حدثنا مسلم ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومسلم هو ابن إبراهيم ، والحكم ، بفتحتين ، هو ابن عتيبة . وأخرجه البخاري أيضا في بدء الخلق عن آدم ، وفي أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن محمد بن عرعرة ، وفي المغازي عن مسدد ، عن يحيى ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي موسى ، وبندار ، ثلاثتهم عن غندر ، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن إبراهيم . قوله : نصرت بالصبا ونصرته صلى الله عليه وسلم بالصبا كان يوم الخندق بعث الله الصبا ريحا باردة على المشركين في ليالي شاتية شديدة البرد ، فأطفأت النيران وقطعت الأوتاد ، والأطناب ، وألقت المضارب ، والأخبية ، فانهزموا بغير قتال ليلا ، قال الله تعالى : إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا . وأما عاد ، فإنه ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام فتفرعت أولاده ، فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف ، وبلادها ، وكانت ديارهم بالدهناء وعالج ، وبثرين ، ووبار إلى حضرموت ، وكانت أخصب البلاد ، فلما سخط الله تعالى عليهم جعلها مفاوز ، فأرسل الله عليهم الدبور ، فأهلكتهم ، وكانت عليهم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا أي متتابعة ابتدأت غدوة الأربعاء ، وسكنت في آخر الثامن واعتزل هود نبي الله عليه السلام ، ومن معه من المؤمنين في حظيرة لا يصيبهم منها إلا ما يلين الجلود ، وتلذ الأعين ، وقال مجاهد : وكان قد آمن معه أربعة آلاف ، فذلك قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانت الريح تقلع الشجر ، وتهدم البيوت ، ومن لم يكن في بيته منهم أهلكته في البراري ، والجبال ، وكانت ترفع الظعينة بين السماء ، والأرض حتى ترى كأنها جرادة وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم ، وقال ابن عباس : دخلوا البيوت ، وأغلقوا أبوابها فجاءت الريح ، ففتحت الأبواب ، وسفت عليهم الرمل فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام ، وكان يسمع أنينهم تحت الرمل ، وماتوا ، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : لم تجر الرياح قط بمكيال إلا في قصة عاد ، فإنها عصت عل الخزان فغلبتهم ، فلم يعلموا مقدار مكيالها ، فذلك قوله تعالى : فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ والصرصر ذات الصوت الشديد ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ منقعرا من أصله . وقال ابن بطال : في هذا الحديث تفضيل المخلوقات بعضها على بعض ، وفيه إخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على جهة التحديث بنعمة الله ، والشكر له لا على الفخر ، وفيه الإخبار عن الأمم الماضية ، وإهلاكها .