27 - بَاب مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالْآيَاتِ 1036 - - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وَهُوَ الْقَتْلُ - حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ . 1037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا ، قَالَ : قَالُوا : وَفِي نَجْدِنَا . قَالَ : قَالَ : هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالْآيَاتِ ) قِيلَ : لَمَّا كَانَ هُبُوبُ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ يُوجِبُ التَّخَوُّفَ الْمُفْضِيَ إِلَى الْخُشُوعِ وَالْإِنَابَةِ كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْآيَاتِ أَوْلَى بِذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَصَّ فِي الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الزَّلَازِلِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ إِدْخَالِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَابِ الِاسْتِسْقَاءِ أَنَّ وُجُودَ الزَّلْزَلَةِ وَنَحْوِهَا يَقَعُ غَالِبًا مَعَ نُزُولِ الْمَطَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِنُزُولِ الْمَطَرِ دُعَاءٌ يَخُصُّهُ فَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى شَرْطِهِ فِي الْقَوْلِ عِنْدَ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا شَيْءٌ ، وَهَلْ يُصَلِّي عِنْدَ وُجُودِهَا ؟ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الِاخْتِلَافَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَجَمَاعَةٌ ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : صَلَاةُ الْآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرُ الزَّلَازِلُ الْحَدِيثَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَاكَ مُطَوَّلًا ، وَذَكَرَ مِنْهُ قِطَعًا هُنَا وَفِي الزَّكَاةِ وَفِي الرِّقَاقِ . وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ فَقِيلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْقِصَرِ وَالطُّولِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ قُرْبُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقِيلَ تَذْهَبُ الْبَرَكَةُ فَيَذْهَبُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ بِسُرْعَةٍ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ يَتَقَارَبُ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي الشَّرِّ وَعَدَمِ الْخَيْرِ ، وَقِيلَ تَتَقَارَبُ صُدُورُ الدُّوَلِ وتَطُولُ مُدَّةُ أَحَدٍ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : حَتَّى يَقْتَرِبَ الزَّمَانُ مَعْنَاهُ : حَتَّى تَقْرُبَ الْقِيَامَةُ ، وَوَهَّاهُ الْكِرْمَانِيُّ وَقَالَ : هُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَعْنَاهُ قُرْبُ الزَّمَانِ الْعَامِّ مِنَ الزَّمَانِ الْخَاصِّ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَعِنْدَ قُرْبِهِ يَقَعُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : قَالُوا : وَفِي نَجْدِنَا . قَالَ : هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : سَقَطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النُّسْخَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، انْتَهَى . وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ آلِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَرَوَاهُ أَزْهَرُ السَّمَّانُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ مُصَرِّحًا فِيهِ بِذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ ، وَنَذْكُرُ فِيهِ مَنْ وَافَقَ أَزْهَرَ عَلَى التَّصْرِيحِ بِرَفْعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالْآيَاتِ · ص 605 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما قيل في الزلازل والآيات · ص 323 27 - باب ما قيل في الزلازل والآيات فيه حديثان : الأول : 1036 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، أنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض . هذا قطعة من حديث طويل ، قد خرجه بتمامه في كتاب الفتن . وقبض العلم ، قد سبق الكلام عليه بما فيه كفاية . وتقارب الزمان ، فسر بقصر الأعمار ، وفسر بقصر الأيام في زمن الدجال . وقد روي في ذلك أحاديث متعددة ، الله أعلم بصحتها . وأما كثرة الزلازل ، فهو مقصود البخاري في هذا الباب من الحديث . والظاهر : أنه حمله على الزلازل المحسوسة ، وهي ارتجاف الأرض وتحركها . ويمكن حمله على الزلازل المعنوية ، وهي كثرة الفتن المزعجة الموجبة لارتجاف القلوب . والأول أظهر ؛ لأن هذا يغني عنه ذكر ظهور الفتن . وكأن البخاري ذكر هذا الباب استطرادا لذكر الرياح واشتدادها ، فذكر بعده الآيات والزلازل . وقيل : إنه أشار إلى أن الزلازل لا يصلى لها ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ظهورها وكثرتها ، ولم يأمر بالصلاة لها ، كما أمر به في كسوف الشمس والقمر ، وكما أنه لم يكن يصلي للرياح إذا اشتدت ، فكذلك الزلازل ونحوها من الآيات . وقد اختلف العلماء في الصلاة للآيات : فقالت طائفة : لا يصلى لشيء منها سوى كسوف الشمس والقمر ، وهو قول مالك والشافعي . وقد زلزلت المدينة في عهد عمر بن الخطاب ، ولم ينقل أنه صلى لها ، هو ولا أحد من الصحابة . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن صفية بنت أبي عبيد ، قالت : زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر ، وابن عمر يصلي ، فلم يدر بها ، ولم يوافق أحدا يصلي فدرى بها ، فخطب عمر الناس ، فقال : أحدثتم ، لقد عجلتم ، قالت : ولا أعلمه إلا قال : لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم . خرجه البيهقي . وخرجه حرب الكرماني ، من رواية أيوب ، عن نافع ، مختصرا . وروي أيضا من رواية ليث ، عن شهر ، قال : زلزلت المدينة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يستعتبكم فاعتبوه . وهذا مرسل ضعيف . وقالت طائفة : يصلى لجميع الآيات في البيوت فرادى ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة وأصحابه . وكذلك إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد ، قال : صلاة الآيات وصلاة الكسوف واحد . كذا نقله أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي من طريق الجوزجاني ، عن الشالنجي ، عن أحمد . ونقله - أيضا - من طريق الفضل بن زياد وحبيش بن مبشر ، عن أحمد أيضا . والذي نقله الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد عن صلاة كسوف الشمس والقمر والزلازل ؟ قال : تصلى جماعة ، ثمان ركعات وأربع سجدات ، وكذلك الزلزلة . قال : وبذلك قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة . وقال : ابن أبي شيبة يرى فيها الخطبة وجماعة . وقد نقل أبو بكر في الشافي هذا - أيضا - من طريق الجوزجاني . وخرج الجوزجاني من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل ، قال : صلى بنا ابن عباس في زلزلة كانت ، فصلى بنا ست ركعات في ركعتين ، فلما انصرف التفت إلينا وقال : هذه صلاة الآيات . فالمنصوص عن أحمد إنما يدل على الصلاة للزلزلة خاصة ، وهو الذي عليه عامة أصحابنا ، وخصوه بالزلزلة الدائمة التي يتمكن من الصلاة لها مع وجودها . وروي عن ابن عباس ، أنه صلى للزلزلة بعد سكونها وانقضائها . وحكى بعض أصحاب الشافعي قولا له : أنه يصلى للزلزلة . ومنهم من حكاه في جميع الآيات . وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد وإسحاق وأبي ثور : الصلاة للزلزلة والطامة والريح الشديدة . وهذا يدل على استحبابها لكل آية ، كالظلمة في النهار ، والضياء المشبه للنهار بالليل ، سواء كان في السماء أو انتثار الكواكب ، وغير ذلك . وهو اختيار ابن أبي موسى من أصحابنا ، وظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز في الشافي أيضا . وممن روي عنه ، أنه يصلي في الآيات : ابن عباس . وفي المسند و سنن أبي داود ، عنه ، أنه سجد لموت بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا رأيتم آية فاسجدوا . وروي عن عائشة ، قالت : صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات . وروي عنها ، مرفوعا . خرجه الجوزجاني من طريق حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في صلاة الآيات ، فيركع ثلاث ركعات ، ويسجد سجدتين ، ثم يقوم فيركع ثلاث ركعات ، ثم يسجد سجدتين . واستدل به على الصلاة للزلزلة . ولكن رواه وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، فوقفه على عائشة ، وهو الصواب . وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، من رواية مكحول ، عن أبي صخر زياد بن صخر ، عن أبي الدرداء ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد ، حتى تسكن الريح ، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي . وهو منقطع ، وفي إسناده : نعيم بن حماد ، وله مناكير . وخرج أبو داود من رواية عبيد الله بن النضر ، قال : أخبرني أبي ، قال : كانت ظلمة على عهد أنس بن مالك ، قال : أتيت أنس بن مالك ، فقلت : يا أبا حمزة ، هل كان يصيبكم هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : معاذ الله ، إن كانت الريح تشتد فنبادر المسجد مخافة القيامة . وبوب عليه : باب : الصلاة عند الظلمة . وهو دليل على الصلاة عند اشتداد الريح أيضا . وأبو داود من أجل أصحاب الإمام أحمد . ثم بوب على السجود عند الآيات ، وذكر فيه حديث ابن عباس المتقدم . وظاهره يدل على أن الآيات يسجد عندها سجودا مفردا ، كسجود الشكر من غير صلاة . وذكر الشافعي أنه بلغه عن عباد ، عن عاصم الأحول ، عن قزعة ، عن علي ، أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات : خمس ركعات وسجدتين في ركعة ، وركعة وسجدتين في ركعة . قال الشافعي : ولو ثبت هذا الحديث عندنا لقلنا به . قال البيهقي : هو ثابت عن ابن عباس . ثم ذكر بنحو ما تقدم . وله طرق صحيحة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس . وروى حرب : نا إسحاق ، نا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه البيهقي من رواية حبيب بن حسان ، عن الشعبي ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : إذا سمعتم هادا من السماء ، فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه ابن عدي من رواية حبيب بن حسان ، عن إبراهيم والشعبي ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء ، فافزعوا إلى الصلاة . وقال : حبيب بن حسان قد اتهم في دينه ، ولا بأس برواياته . قلت : الصحيح رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة من قوله . والله سبحانه وتعالى أعلم . وروى حرب بإسناده ، عن أبي الجبر ، قال : أظلمت يوما نهارا ، حتى رأينا الكواكب ، فقام تميم بن حذلم ، فصلى ، فأتاه هني بن نويرة ، فسأله ما صنع ؟ فأمره أن يرجع إلى بيته فيصلي . واعلم أن الشغل بالصلاة في البيوت فرادى عند الآيات أكثر الناس على استحبابه ، وقد نص عليه الشافعي وأصحابه . كما يشرع الدعاء والتضرع عند ذلك ؛ لئلا يكون عند ذلك غافلا . وإنما محل الاختلاف : هل تصلى جماعة ، أم لا ؟ وهل تصلى ركعة بركوعين كصلاة الكسوف ، أم لا ؟ وظاهر كلام مالك وأكثر أصحابنا : أنه لا تسن الصلاة للآيات جماعة ولا فرادى . وفي تهذيب المدونة : أنكر مالك السجود للزلزلة . ولا وجه لكراهة ذلك ، إلا إذا نوى به الصلاة لأجل تلك الآية الحادثة دون ما إذا نوى به التطوع المطلق . وقد روي عن طائفة من علماء أهل الشام ، أنهم كانوا يأمرون عند الزلزلة بالتوبة والاستغفار ، ويجتمعون لذلك ، وربما وعظهم بعض علمائهم وأمرهم ونهاهم ، واستحسن ذلك الإمام . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب إلى أهل الأمصار : إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد ، وقد كنت كتبت إلى أهل بلد كذا وكذا أن يخرجوا يوم كذا وكذا ، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل ؛ فإن الله يقول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وقولوا كما قال أبوكم آدم : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال نوح : وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال موسى : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي وقولوا كما قال ذو النون : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقال أبو بكر الخلال في كتاب العلل : نا أبو بكر المروذي ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يقول : سألني إنسان عن الرجفة ، فكتبت له هذا الحديث - وقال : ما أحسنه - : أنا أبو المغيرة ، قال : أصاب الناس رجفة بحمص ، سنة أربع وتسعين ، ففزع الناس إلى المسجد ، فلما صلى أيفع بن عبد الكلاعي صلاة الغداة ، قام في الناس ، فأمرهم بتقوى الله ، وحذرهم وأنذرهم ، ونزع القوارع من القرآن ، وذكر الذين أهلكوا بالرجفة قبلنا ، ثم قال : والله ، ما أصابت قوما قط قبلكم إلا أصبحوا في دارهم جاثمين ، فاحمدوا الله الذي عافاكم ودفع عنكم ، ولم يهلككم بما أهلك به الظالمين قبلكم ، وكان أكثر دعائه : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، واستغفروا الله ، ويقول : يا أيها الناس ، عليكم بهؤلاء الكلمات ؛ فإنهن القرآن ، وهي الباقيات الصالحات . ثم إن أيفع قال لأبي ضمرة القاضي : قم في الناس ، فقام فصنع كما صنع ، أيفع ، فلما قضى موعظته انصرف ، ثم صنع ذلك دبر الصلوات ثلاثة أيام ، فاستحسن ذلك المسلمون . ومما يتعلق بالزلزلة : هل يجوز الخروج منها والهرب إلى الصحراء ؟ قال الأوزاعي : لا بأس به ؛ كل يعلم أنه ليس يسبق قدر الله من فر ومن جلس ، قال : والجلوس أحب إلي . خرجه حرب من رواية الوليد بن مسلم ، عنه . قال حرب : وسألت إسحاق بن راهويه ، عن الرجل يكون في بيته ، فتصيبه الزلزلة : هل يقوم فيخرج من البيت ؟ قال : إن فعل فهو أحسن . وقد صنف في هذه المسألة أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الدمشقي مصنفا ، ولم يذكر في ذلك أثرا عمن تقدم من العلماء ، لكنه حكى عن بعض من في زمانه ، أنه استحب الفرار منها . واستدل بحديث مرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بحائط مائل ، فأسرع ، وقال : أكره موت الفوات . وهذا حديث مرسل ، خرجه أبو داود في مراسيله . وقد روي مسندا ، ولا يصح . ورد أبو القاسم على هذا القائل قوله ، وألحق الفرار منها بالفرار من الطاعون . وفي ذلك نظر ؛ لأن الفرار من الطاعون لا يتيقن به النجاة ، بل الغالب فيه عدم النجاة ، وأما الخروج من المساكن التي يخشى وقوعها بالرجفة فيغلب على الظن منه السلامة ، فهو كالهرب من النار والسيل ونحوهما . والحديث المرسل الذي ذكرناه يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم . وإنما جاء النهي عن الخروج من الرجفة إلى الدجال ، إذا حاصر المدينة ، فترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما قيل في الزلازل والآيات · ص 57 باب ما قيل في الزلازل ، والآيات أي هذا باب في بيان ما قيل في الزلازل ، وهو جمع زلزلة ، والآيات جمع آية ، وهي العلامة ، وأراد بها علامات القيامة ، أو علامات قدرة الله تعالى ، وإنما ذكر هذا الباب في أبواب الاستسقاء ؛ لأن وجود الزلزلة ونحوها يقع غالبا مع نزول المطر . 75 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : أخبرنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج ، وهو القتل القتل حتى يكثر فيكم المال فيفيض . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تكرر ذكرهم ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب ابن أبي حمزة ، وأبو الزناد بالزاي ، والنون عبد الله بن ذكوان ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وقد ذكر هذا الحديث مطولا في كتاب الفتن ، وذكر منه قطعا هنا ، وفي الزكاة ، وفي الرقاق . قوله : لا تقوم الساعة أراد بها يوم القيامة . قوله : حتى يقبض العلم وذلك بموت العلماء ، وكثرة الجهلاء ، وقال السفاقسي : يعني : أكثرهم لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله . قوله : وتكثر الزلازل ، قال المهلب : ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض ، قال الله تعالى : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا والتخويف ، والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة ، والإعلان بالمعاصي ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين زلزلت المدينة في أيامه قال : يا أهل المدينة ، ما أسرع ما أحدثتم ، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم ، فخشي أن تصيبه العقوبة معهم كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون ، قال : نعم ، إذا كثر الخبث ، ويبعث الله الصالحين على نياتهم . قوله : ويتقارب الزمان ، قال ابن الجوزي : فيه أربعة أقوال أحدها : أنه قرب القيامة ، ثم المعنى إذا قربت القيامة كان من شرطها الشح ، والهرج . والثاني : أنه قصر مدة الأزمنة عما جرت به العادة ، كما جاء حتى تكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، قيل : واليوم كالساعة ، والساعة كالضرمة بالنار . والثالث : أنه قصر الأعمار بقلة البركة فيها ، والرابع : تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم ، ويكون المعنى : ويتقارب أهل الزمان ، أي تتقارب صفاتهم في القبائح ، ولهذا ذكر على أثره الهرج ، والشح ، وقال ابن التين : معنى ذلك قرب الآيات بعضها من بعض ، وفي ( حواشي المنذري ) قيل : معناه تطيب تلك الأيام حتى لا تكاد تستطال ، بل تقصر ، قال : وقيل : على ظاهره من قصر مددها ، وقيل : تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله ، قال الطحاوي : وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة ، وقيل : يتقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات وانتقاصها بأن يتساويا طولا وقصرا ، قال أهل الهيئة : تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار ، فحينئذ يلزم تساويهما ضرورة ، وقال النووي : حتى يقرب الزمان من القيامة ، وقال الكرماني : حاصل تفسيره أنه لا تكون القيامة حتى تقرب ، وهذا كلام مهمل لا طائل تحته . ( قلت ) : هذه جرأة من غير طريقة ، وليس هذا الذي ذكره حاصل تفسيره ، بل معنى كلامه يقرب الزمان العام بين الخلق من القيامة التي هي الزمان الخاص ، وقال البيضاوي : أو يراد أن تتسارع الدول إلى الانقضاء فتقارب أيام الملوك . قوله : ويكثر الهرج ، بفتح الهاء ، وسكون الراء ، وفي آخره جيم ، وهو القتال ، والاختلاط ، ورأيتهم يتهارجون ، أي يتسافدون ، قاله صاحب ( العين ) ، وقال يعقوب : الهرج القتل ، وقال ابن دريد : الهرج الفتنة في آخر الزمان ، قال : وروي : أمام الساعة هرج ، وأصله الإكثار من الشيء ، وفي المحكم الهرج شدة القتل ، وكثرته ، والهرج كثرة الكذب ، وكثرة النوم ، والهرج شيء تراه في النوم ، وليس بصادق . قوله : حتى يكثر ، وذلك لقلة الرجال وقلة الرغبات ، ولقصر الآمال لعلمهم بقرب الساعة ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم ترك الواو ، ولم يعطف على ما قبله ، يعني : لم يقل : وحتى يكثر . ( قلت ) : لأنه لا غاية لكثرة الهرج ، ويحتمل أن يكون معطوفا على ما قبله ، والواو محذوفة ، وحذف الواو جائز في اللغة . قوله : فيفيض ، بفتح حرف المضارعة ، ويجوز في الضاد الرفع ، والنصب ، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي فهو يفيض ، وأما النصب فعلى أنه عطف على أن يكثر ، يقال : فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي ، أي جانبه ، ويقال : أفاض الرجل إناءه ، أي ملأه حتى فاض ، ويقال : فيض المال كثرته حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به ، وقيل : بل ينتشر في الناس ، ويعمهم ، وهو الأظهر .