11 - بَاب إِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ 1211 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : كُنَّا بِالْأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي ، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ ، فَجَعَلَتْ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا ، قَالَ شُعْبَةُ : هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ . فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانِيا ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ ، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ ) أَيْ مَاذَا يَصْنَعُ ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ ، وَزَادَ : فَيَرَى صَبِيًّا عَلَى بِئْرٍ فَيَتَخَوَّفُ أَنْ يَسْقُطَ فِيهَا ، قَالَ : يَنْصَرِفُ لَهُ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا بِالْأَهْوَازِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ؛ هِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ ، فُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ : هِيَ بَلَدٌ يَجْمَعُهَا سَبْعُ كُوَرٍ فَذَكَرَهَا . قَالَ ابْنُ خُرْدَاذْبُهْ : هِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَبَلِ وَأَصْبَهَانَ . قَوْلُهُ : ( الْحَرُورِيَّةَ ) بِمُهْمَلَاتٍ ؛ أَيِ الْخَوَارِجَ ، وَكَانَ الَّذِي يُقَاتِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ : أَخْبَارُ الْخَوَارِجِ ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَكَانَ الْخَوَارِجُ قَدْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَصْرَةِ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلَ مِنْ أُمَرَاءِ الْبَصْرَةِ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنْ وَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ عَلَى الْبَصْرَةِ ، وَوَلَّى الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ نَحْوَهُ . وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاةَ أَبِي بَرْزَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ أَوْ قَبْلَهَا . قَوْلُهُ : ( عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ ) هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ ، وَقَدْ تَسْكُنُ الرَّاءُ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي أَكَلَهُ السَّيْلُ . وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ؛ أَيْ جَانِبِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْأَزْرَقِ فِي الْأَدَبِ : كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ ؛ أَيْ زَالَ ، وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ : كُنْتُ فِي ظِلِّ قَصْرِ مِهْرَانَ بِالْأَهْوَازِ عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ . وَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَةُ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ بِالْجِيمِ مُصَغَّر . قَوْلُهُ : ( إِذَا رَجُلٌ ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ : إِذْ جَاءَ رَجُلٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ) أَيِ الرَّجُلُ الْمُصَلِّي ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَزْرَقَ لَمْ يُسَمِّهِ لِشُعْبَةَ ، وَلَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَإِذَا هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ . وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : . فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فِي الْأَدَبِ : فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ ، فَصَلَّى وَخَلَّاهَا ، فَانْطَلَقَتْ فَاتَّبَعَهَا . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ : إِنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ مَشَى إِلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، الْحَدِيثَ . وَبَيَّنَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَمَضَتِ الدَّابَّةُ فِي قِبْلَتِهِ ، فَانْطَلَقَ فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ ) فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ : فَإِذَا بِشَيْخٍ يُصَلِّي قَدْ عَمَدَ إِلَى عِنَانِ دَابَّتِهِ ، فَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ ، فَنَكَصَتِ الدَّابَّةُ ، فَنَكَصَ مَعَهَا ، وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ فَجَعَلَ يَسُبُّهُ . وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْحِمَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَقَالَ : انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ ، تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ . قَوْلُهُ : ( أَوْ ثَمَانِيًا ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : أَوْ ثَمَانِيَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا تَنْوِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ : الْأَصْلُ أَوْ ثَمَانِيَ غَزَوَاتٍ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ بِلَفْظِ : سَبْعَ غَزَوَاتٍ بِغَيْرِ شَكٍّ . قَوْلُهُ : ( وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَفِي جَمِيعِ الطُّرُقِ : مِنَ التَّيْسِيرِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ : وَشَهِدْتُ تُسْتَرَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَقَالَ : مَعْنَى شَهِدْتُ تُسْتَرَ ؛ أَيْ فَتْحَهَا ، وَكَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ . انْتَهَى . وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ ، وَمُقْتَضَاهُ ، أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْقِصَّةِ شَائِبَةُ رَفْعٍ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْمَحْفُوظَةِ ، فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجْوِيزُ مِثْلِهِ ، وَزَادَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ فِي آخِرِهِ : قَالَ : فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُخْزِيكَ ، شَتَمْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ : فَقُلْتُ : اسْكُتْ ، فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ، هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّرْقِ عَلَى تَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ حِكَايَةِ الرَّجُلِ مَنَاقِبَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي سِيَاقِ الْفَخْرِ ، وَأَشَارَ أَبُو بَرْزَةَ بِقَوْلِهِ : وَرَأَيْتُ تَيْسِيرَهُ . إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ شَدَّدَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَتْرُكَ دَابَّتَهُ تَذْهَبُ ، وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْشَى إِتْلَافُهُ مِنْ مَتَاعٍ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِهِ . وَقَوْلُهُ : مَأْلَفِهَا يَعْنِي الْمَوْضِعَ الَّذِي أَلِفَتْهُ وَاعْتَادَتْهُ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى غَالِبِ أَمْرِهَا ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا تَرْجِعَ إِلَى مَأْلَفِهَا ، بَلْ تَتَوَجَّهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَدْرِي بِمَكَانِهَا ، فَيَكُونُ فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : ظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ : فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى . فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَطَعَهَا مَا بَالَى أَنْ يَرْجِعَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ ، وَفِي رُجُوعِهِ الْقَهْقَرَى مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَشْيَهُ إِلَى قَصْدِهَا مَا كَانَ كَثِيرًا ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَخَّرَ فِي صَلَاتِهِ وَتَقَدَّمَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا ، فَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ ، وَمَشْيٌ قَلِيلٌ ، فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَضُرُّ . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى ، فَأَشْفَقَ أَنْ تَذْهَبَ دَابَّتُهُ ، قَالَ : يَنْصَرِفُ . قِيلَ لَهُ أَفَيُتِمُّ ؟ قَالَ : إِذَا وَلَّى ظَهْرَهُ الْقِبْلَةَ اسْتَأْنَفَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ الْكَثِيرَ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ يُبْطِلُهَا ، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ عَلَى الْقَلِيلِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتِ الْعَصْرَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أَرْجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا ) . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : إِنِّي وَمَا بَعْدَهَا : اسْمُ مُبْتَدَأٍ ، وَأَنْ أَرْجِعَ : اسْمُ مُبْدَلٍ مِنَ الِاسْمِ الْأَوَّلِ ، وَأَحَبُّ : خَبَرٌ عَنِ الثَّانِي ، وَخَبَرُ كَانَ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : إِنِّي إِنْ كُنْتُ رَاجِعًا أَحَبُّ إِلَيَّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَنْ كُنْتُ ؛ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ ، وَهِيَ مَعَ كُنْتُ بِتَقْدِيرِ كَوْنِي ، وَفِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي : إِنِّي ، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا مَصْدَرِيَّةٌ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَقَالَ : إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ - أَيْ مُتَبَاعِدٌ - فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ - أَيِ الْفَرَسَ - لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ ؛ أَيْ لِبُعْدِ الْمَكَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاة · ص 97 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا انفلتت الدابة في الصلاة · ص 400 11 - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة وقال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة ، في رجل كان يصلي ، فأشفق أن تذهب دابته أو أغار عليها السبع ؟ قالا : ينصرف . وعن معمر ، عن قتادة ، قالَ : سألته ، قلت : الرجل يصلي فيرى صبيًا على بئر ، يتخوف أن يسقط فيها ، أفينصرف ؟ قال : نعم ، قلت : فيرى سارقًا يريد أن يأخذ نعليه ؟ قال : ينصرف . ومذهب سفيان : إذا عرض الشيء المتفاقم والرجل في الصلاة ينصرف إليه . رواه عنه المعافى . وكذلك إن خشي على ماشيته السيل ، أو على دابته . ومذهب مالك : من انفلتت دابته وهو يصلي مشى إليها فيما قرب ، إن كانت بين يديه ، أو عن يمينه أو عن يساره ، وإن بعدت طلبها وقطع الصَّلاة . ومذهب أصحابنا : لو رأى غريقًا ، أو حريقًا ، أو صبيين يقتتلان ، ونحو ذلك ، وهو يقدر على إزالته قطع الصلاة وأزاله . ومنهم من قيده بالنافلة . والأصح : أنه يعم الفرض وغيره . وقال أحمد فيمن كان يلازم غريمًا له ، فدخلا في الصلاة ، ثم فر الغريم وهو في الصلاة : يخرج في طلبه . وقال أحمد - أيضا - : إذا رأى صبيًا يقع في بئر ، يقطع صلاته ويأخذه . قال بعض أصحابنا : إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذه ، فإن كان العمل يسيرًا لم تبطل به الصلاة . وكذا قال أبو بكر في الذي خرج ورأى غريمه : إنه يعود ويبني على صلاته . وحمله القاضي على أنه كان يسيرًا . ويحتمل أن يقال : هو خائف على ماله ، فيغتفر عمله ، وإن كثر .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا انفلتت الدابة في الصلاة · ص 401 خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الأول - وهو موقوف - : 1211 - ثنا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا الأزرق بن قيس ، قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على حرف نهر ، إذا رجل يصلي ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل يتبعها ، وقال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي ، فجعل رجل من الخوارج يقول : اللهم ، افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ ، قال : إني سمعت قولكم ، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات - أو سبع غزوات أو ثمانيًا - ، وشهدت تيسيره ، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها ، فيشق علي . فهذا موقوف على أبي برزة ، وفيه ما يشعر بتوبيخ من رفع ؛ لقوله : شهدت تيسير النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى : أنه شاهد من تيسيره صلى الله عليه وسلم ما استدل به على أن هذا العمل في الصلاة غير مضر بالصلاة . وقد تقدم أن الإمام أحمد قالَ : إذا فعل في صلاته كفعل أبي برزة فصلاته جائزة . ومتى كان يخاف من ذهاب دابته على نفسه ، فحكمه حكم الخائف ، فلا يبطل عمله في الصلاة لتحصيل دابته ، وإن كثر . وقد خرج البخاري حديث أبي برزة في الأدب من صحيحه هذا ، من طريق حماد بن زيد ، عن الأزرق ، به ، وفي حديثه : فانطلقت الفرس ، فخلى صلاته وأتبعها ، حتى أدركها ، فأخذها ، ثم جاء فقضى صلاته . والظاهر : أن المراد بترك صلاته ترك العمل فيها ، اشتغالا بطلب الفرس ، ثم جاء فبنى على ما مضى من صلاته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا انفلتت الدابة في الصلاة · ص 287 باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة أي : هذا باب يذكر فيه إذا انفلتت الدابة في حال الصلاة ، الانفلات والإفلات والتفلت : التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث ، وجواب إذا محذوف تقديره إذا انفلتت الدابة ، وهو في الصلاة ماذا يصنع . ( وقال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن دابة المصلي إذا انفلتت له أن يتبعها على ما يجيء ، فكذلك إذا أخذ السارق ثوبه وهو في الصلاة له أن يتبعه ، ويقطع صلاته ، فمن هذه الحيثية تؤخذ المطابقة ، والأثر معلق ، ووصله عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة بمعناه . وزاد : فيرى صبيا على بئر فيتخوف أن يسقط فيها ، قال : ينصرف له . قوله : ( ويدع ) ، أي : يترك الصلاة . 234 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا الأزرق بن قيس قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل يتبعها - قال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي - فجعل رجل من الخوارج يقول : اللهم افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ قال : إني سمعت قولكم ، وإني غزوت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ست غزوات أو سبع غزوات ، أو : ثمان ، وشهدت تيسيره ، وإني أن كنت أن أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي . مطابقته للترجمة في قوله : فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها . ( ذكر رجاله ) فيه خمس أنفس : آدم بن أبي إياس ، وشعبة بن الحجاج ، والأزرق - بفتح الهمزة ، وسكون الزاي - ابن قيس الحارثي البصري ، وهو من أفراد البخاري ، ورجلان : أحدهما هو أبو برزة الأسلمي ، فسره شعبة بقوله : ( هو أبو برزة الأسلمي ) ، واسمه نضلة بن عبيد أسلم قديما ، ونزل البصرة ، وروي أنه مات بها ، ورد أنه مات بنيسابور ، وروي أنه مات في مفازة بين سجستان وهراة ، وقال خليفة بن خياط : وافى خراسان ، ومات بها بعد سنة أربع وستين ، وقال غيره : مات في آخر خلافة معاوية ، أو في أيام يزيد بن معاوية ، والآخر مجهول ، وهو قوله : ( فجعل رجل من الخوارج ) ، وإسناد هذا كله بالتحديث بصيغة الجمع ، وتفرد به البخاري عن الجماعة . ( ذكر معناه ) قوله : ( بالأهواز ) بفتح الهمزة ، وسكون الهاء ، وبالزاي ، قاله الكرماني : هي أرض خوزستان ، وقال صاحب العين : الأهواز سبع كور بين البصرة وفارس ، لكل كورة منها اسم ، ويجمعها الأهواز ، ولا تنفرد واحدة منها بهوز ، وفي المحكم : ليس للأهواز واحد من لفظه ، وقال ابن خردابة هي بلاد واسعة متصلة بالجبل وأصبهان . وقال البكري : بلد يجمع سبع كور ، كورة الأهواز ، وجندي ، وسابور ، والسوس ، وسرق ، ونهر بين ، ونهر تيرى ، وقال ابن السمعاني : يقال لها الآن : سوق الأهواز ، وقال بعضهم : الأهواز بلدة معروفة بين البصرة وفارس ، فتحت أيام عمر رضي الله تعالى عنه ؟ ( قلت ) : قوله : ( بلدة ) ليس كذلك ، بل هي بلاد كما ذكرنا . قوله : الحرورية ، بفتح الحاء المهملة ، وضم الراء الأولى المخففة نسبة إلى حروراء ، اسم قرية ، يمد ويقصر . وقال الرشاطي : حروراء قرية من قرى الكوفة ، والحرورية صنف من الخوارج ينسبون إلى حروراء اجتمعوا بها ، فقال لهم : على ما نسميكم ؟ قال : أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء ، والنسب إلى مثل حروراء أن يقال : حروراوي ، وكذلك ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة ، ولكنه حذفت الزوائد تخفيفا ، فقيل : الحروري ، وكان الذي يقاتل الحرورية إذ ذاك المهلب بن أبي صفرة كما في رواية عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عند الإسماعيلي ، وذكر محمد بن قدامة الجوهري في كتابه أخبار الخوارج أن ذلك كان في خمس وستين من الهجرة ، وكان الخوارج قد حاصروا أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتى قتل ، وقتل من أمراء البصرة جماعة إلى أن ولي عبد الله بن الزبير بن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي على البصرة ، وولي المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج . وفي الكامل لأبي العباس المبرد أن الخوارج تجمعت بالأهواز مع نافع بن الأزرق سنة أربع وستين ، فلما قتل نافع ، وابن عبيس رئيس المسلمين من جهة ابن الزبير ، ثم خرج إليهم حارثة بن بدر ، ثم أرسل إليهم ابن الزبير عثمان بن عبيد الله ، ثم توفي القياع ، فبعث إليهم المهلب بن أبي صفرة ، وكل من هؤلاء الأمراء يمكثون معهم في القتال حينا ، فلعل ذلك انتهى إلى سنة خمس ، وهو يعكر على من قال : إن أبا برزة توفي سنة ستين ، وأكثر ما قيل : سنة أربع . قوله : فبينا أصله بين ، أشبعت فتحة النون فصارت ألفا يقال : بينا ، وبينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من مبتدأ ، وخبر ، وفعل ، وفاعل ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والجواب هنا هو قوله : ( إذا رجل يصلي ) ، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه إذ وإذا ، تقول : بينا زيد جالس دخل عليه عمرو ، وإذ دخل عليه عمرو ، وإذا دخل عليه عمرو . قوله : أنا مبتدأ وخبره قوله : على جرف نهر جرف بضم الجيم ، والراء ، وبسكونها أيضا ، وفي آخره فاء ، وهو المكان الذي أكله السيل ، وفي رواية الكشميهني : على حرف نهر ، بفتح الحاء المهملة ، وسكون الراء ، أي على جانبه ، ووقع في رواية حماد بن زيد عن الأزرق في الأدب : كنا على شاطئ نهر قد نضب عنه الماء ، أي : زال ، وفي رواية مهدي بن ميمون ، عن الأزرق ، عن محمد بن قدامة : كنت في ظل قصر مهران بالأهواز على شط دجيل . وبين هذا تفسير النهر في رواية البخاري ، والدجيل بضم الدال ، وفتح الجيم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره لام ، وهو نهر ينشق من دجلة نهر بغداد . قوله : إذا رجل ، كلمة إذا في الموضعين للمفاجأة ، وفي رواية الحموي والكشميهني : إذا جاء رجل . قوله : قال شعبة ، هو أبو برزة الأسلمي ، أي : الرجل المصلي ، والذي يقتضيه المقام أن الأزرق بن قيس الذي يروي عنه شعبة لم يسم الرجل شعبة ، ولكن رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ، عن شعبة ، فقال في آخره : فإذا هو أبو برزة الأسلمي . وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي : فجاء أبو برزة . وفي رواية حماد في الأدب : فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى ، وخلاها فانطلقت فاتبعها . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الأزرق بن قيس ، أن أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابته ، وهو في الصلاة . الحديث . وبين مهدي بن ميمون في روايته أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر ، وفي رواية عمرو بن مرزوق : فمضت الدابة في قبلته ، فانطلق أبو برزة حتى أخذها ، ثم رجع القهقرى . قوله : افعل بهذا الشيخ دعاء عليه ، وفي رواية الطيالسي : فإذا شيخ يصلي قد عمد إلى عنان دابته ، فجعله في يده فنكصت الدابة ، فنكص معها ومعنا رجل من الخوارج فجعل يسبه ، وفي رواية مهدي قال : ألا ترى إلى هذا الحمار . وفي رواية حماد : انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس . قوله : أو ثماني بغير ألف ، ولا تنوين . وفي رواية الكشميهني : أو ثماني ، وقال ابن مالك : الأصل ثماني غزوات فحذف المضاف ، وأبقى المضاف إليه على حاله . وقد رواه عمرو بن مرزوق بلفظ : سبع غزوات ، بغير شك . قوله : ( وشهدت تيسيره ) ، أي : تسهيله على الناس ، وغالب النسخ على هذا . قال الكرماني : وفي بعض الروايات : كل سيره ، أي سفره . وفي بعضها : شهدت سيره ، بكسر السين ، وفتح الياء آخر الحروف جمع السيرة . وحكى ابن التين عن الداودي أنه وقع عنده : وشهدت تستر ، بضم التاء المثناة من فوق ، وسكون السين ، اسم مدينة بخوزستان ، من بلاد العجم ، ومعناه : شهدت فتحها ، وكانت فتحت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة سبع عشرة من الهجرة . قوله : وإني إن كنت أن أرجع ، نقل بعضهم عن السهيلي أنه قال : إني وما بعدها اسم مبتدأ ، وأن أرجع اسم مبدل في الاسم الأول ، وأحب خبر عن الثاني . وخبر كان محذوف ، أي : إني إن كنت راجعا أحب إلي . ( قلت ) : ما أظن أن السهيلي أعرب بهذا الإعراب ، فكيف يقول : إني ، وما بعدها اسم ، وهي جملة . ( فإن قيل ) أراد أنه جملة اسمية مؤكدة بأن يقال له المبتدأ اسم مفرد ، والجملة لا تقع مبتدأ ، وكذلك قوله : وأن أرجع ليس باسم ، فكيف يقول اسم مبدل ، وهذا تصرف من لم يمس شيئا من علم النحو ، والذي يقال : إن الياء في إني اسم إن وكلمة إن في إن كنت شرطية ، واسم كان هو الضمير المرفوع فيه ، وكلمة أن بالفتح مصدرية تقدر لام العلة فيما قبلها ، والتقدير : وإن كنت لأن أرجع ، وقوله : أحب خبر كان ، وهذه الجملة الشرطية سدت مسد خبر إن في إني ، وذلك لأن رجوعه إلى دابته ، وانطلاقه إليها ، وهو في الصلاة أحب إليه من أن يدعها ، أي : يتركها ترجع إلى مألفها بفتح اللام ، أي : معلفها فيشق عليه ، وكان منزله بعيدا إذا صلاها ، وتركها لم يكن يأتي إلى أهله إلى الليل لبعد المسافة ، وقد صرح بذلك في رواية حماد ، فقال : إن منزلي متراخ ، أي : متباعد ، فلو صليت وتركتها ، أي : الفرس ، لم آت أهلي إلى الليل لبعد المكان . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال : لا خلاف بين الفقهاء أن من أفلتت دابته وهو في الصلاة ، أنه يقطع الصلاة ويتبعها ، وقال مالك : من خشي على دابته الهلاك ، أو على صبي رآه في الموت ، فليقطع صلاته . وروى ابن القاسم عنه في مسافر أفلتت دابته ، وخاف عليها ، أو على صبي ، أو أعمى أن يقع في بئر أو نار ، أو ذكر متاعا يخاف أن يتلف ، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ولا تفسد على من خلفه شيئا ، ولا يجوز أن يفعل هذا أبو برزة دون أن يشاهده من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال ابن التين : والصواب أنه إذا كان له شيء له قدر يخشى فواته يقطع ، وإن كان يسيرا فعادته على صلاته أولى من صيانة قدر يسير من ماله ، هذا حكم الفذ والمأموم ، فأما الإمام ففي كتاب ابن سحنون : إذا صلى ركعة ، ثم انفلتت دابته ، وخاف عليها ، أو على صبي ، أو أعمى أن يقعا في البئر ، أو ذكر متاعا له يخاف تلفه فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ، ولا يفسد على من خلفه شيئا ، وعلى قول أشهب : إن لم يعد واحد منهم بنى قياسا على قوله : ( إذا خرج لغسل دم رآه في ثوبه ) ، وأحب إلي أن يستأنف وإن بنى أجزأه . ( قلت ) : ذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير حديث الأزرق بن قيس ، أنه رأى أبا برزة يصلي آخذا بعنان فرسه حتى صلى ركعتين ، ثم انسل قياد فرسه من يده ، فمضى الفرس إلى القبلة ، فتبعه أبو برزة حتى أخذ بقياده ، ثم رجع ناكصا على عقبيه حتى صلى الركعتين الباقيتين . قال محمد رحمه الله : وبهذا نأخذ الصلاة تجزئ مع ما صنع لا يفسدها الذي صنع ؛ لأنه رجع على عقبيه ، ولم يستدبر القبلة بوجهه حتى لو جعلها خلف ظهره فسدت صلاته ، ثم ليس في هذا الحديث فصل بين المشي القليل والكثير ، فهذا يبين لك أن المشي في الصلاة مستقبل القبلة لا يوجب فساد الصلاة ، وإن كثر ، وبعض مشايخنا أولوا هذا الحديث ، واختلفوا فيما بينهم في التأويل ؛ فمنهم من قال : تأويله أنه لم يجاوز موضع سجوده ، فأما إذا جاوز ذلك فإن صلاته تفسد ؛ لأن موضع سجوده في الفضاء مصلاه ، وكذلك موضع الصفوف في المسجد ، وخطاه في مصلاه عفو ، ومنهم من قال : تأويله أن مشيه لم يكن متلاصقا بل مشى خطوة فسكن ، ثم مشى خطوة ، وذلك قليل ، وأنه لا يوجب فساد الصلاة ، أما إذا كان المشي متلاصقا تفسد ، وإن لم يستدبر القبلة ؛ لأنه عمل كثير ، ومن المشايخ من أخذ بظاهر الحديث ، ولم يقل بالفساد قل المشي أو كثر استحسانا ، والقياس أن تفسد صلاته إذا كثر المشي إلا أنا تركنا القياس بحديث أبي برزة رضي الله تعالى عنه ، وأنه خص بحالة العذر ، ففي غير حالة العذر يعمل بقضية القياس .