بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 22 كتاب السهو 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَرِيضَةِ 1224 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، ثُمَّ سَلَّمَ . 1225 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ : رَكْعَتَيِ الْفَرْضِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ : بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . وَالسَّهْوُ : الْغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَذَهَابُ الْقَلْبِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : مَسْنُونٌ كُلُّهُ . وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ : السُّجُودُ لِلنَّقْصِ وَاجِبٌ دُونَ الزِّيَادَةِ . وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ : التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ غَيْرِ الْأَرْكَانِ ، فَيَجِبُ لِتَرْكِهَا سَهْوًا ، وَبَيْنَ السُّنَنِ الْقَوْلِيَّةِ فَلَا يَجِبُ ، وَكَذَا يَجِبُ إِذَا سَهَا بِزِيَادَةِ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ : وَاجِبٌ كُلُّهُ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ : ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ . وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَفْعَالُهُ فِي الصَّلَاةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَيَانِ ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَلَمْ يُسَمَّ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ) تَقَدَّمَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّ بُحَيْنَةَ اسْمُ أُمِّهِ ، أَوْ أُمِّ أَبِيهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ ابْنَ بُحَيْنَةَ بِأَلِفٍ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى لَنَا ) ؛ أَيْ بِنَا ، أَوْ لِأَجْلِنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ التَّشَهُّدِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : صَلَّى بِهِمْ . وَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : صَلَّى بِنَا . قَوْلُهُ : ( مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا أَنَّهَا الظُّهْرُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ ) زَادَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ : فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَمَضَى حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ جَمِيعًا نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ) ؛ أَيْ فَرَغَ مِنْهَا ، كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ شَيْخِهِ ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّلَامَ لَمَّا كَانَ لِلتَّحْلِيلِ مِنَ الصَّلَاةِ كَانَ الْمُصَلِّي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ كَمَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ : حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ لِوُضُوحِهِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ : ) ؛ أَيِ انْتَظَرْنَا ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ : وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ . وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي قِصَّةِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوًا ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ سَجْدَتَا الصَّلَاةِ ، أَوِ الْمُرَادَ بِالتَّسْلِيمِ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ وَبُعْدُهُ . قَوْلُهُ : ( كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ السَّهْوِ ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِتْيَانَ بِسَجْدَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً ، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُمَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السُّجُودِ . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : فَكَبَّرَ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِبَ حَدِيثِ اللَّيْثِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِيهِمَا وَالْجَهْرِ بِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً فَاصِلَةً ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي فَاتَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ سَجَدَ لِأَجْلِهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرَ سَجْدَتَيْنِ ، وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِتَرْكِ مَا ذُكِرَ ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَيَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ السُّجُودَ مَكَانَ مَا نُسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ . نَعَمْ ، حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ دَالٌّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جَالِسٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ : سَجَدَ ؛ أَيْ أَنْشَأَ السُّجُودَ جَالِسًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَلَّمَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ : وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ كَذَلِكَ ، نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ بَعْدَ السَّلَامِ كَالْحَنَفِيَّةِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مُسْتَنَدِهِمْ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِزِيَادَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ خَاصٌّ بِالسَّهْوِ ، فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ لَا يَسْجُدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَاسٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا الْإِمَامُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنِ اسْتَثْنَى غَيْرَهُ مَا إِذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ وَتَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فِيمَا سَجَدَ لَهُ وَفِي تَصْوِيرِهَا عُسْرٌ ، وَمَا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ ، وَنَقَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ اسْتَثْنَى الْمَسْبُوقَ أَيْضًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا تَشَهُّدَ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا ، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَرْجِعُ ، فَقَدْ سَبَّحُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرْجِعْ ، فَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُصَلِّي الرُّجُوعَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالرُّكْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ ، وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ ، وَأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرُ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ سَاهِيًا أَعَادَ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَرِيضَة · ص 110 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفرض · ص 439 22 كتاب السهو بسم الله الرحمن الرحيم 1 - باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفرض 1224 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين من بعض الصلوات ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه ، كبر قبل التسليم ، فسجد سجدتين وهو جالس ، ثم سلم . 1225 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، نا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة ، أنه قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين من الظهر ، لم يجلس بينهما ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ، ثم سلم بعد ذلك . قد خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في أبواب التشهد ، من حديث شعيب ، عن الزهري ، ومن حديث جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج . وفي حديثهما : أن ذلك كان في صلاة الظهر . وقد أجمع العلماء على أن من ترك التشهد الأول من الصلاة الرباعية أو المغرب ، وقام إلى الثالثة سهوا ، فإن صلاته صحيحة ، ويسجد للسهو . وقد روي ذلك عن خلق من الصحابة ، بأنهم فعلوه . وروي عن عمر ، أنه تشهد مرتين ، فقضى التشهد الأول في تشهده الأخير . روى سفيان الثوري : حدثني أبي ، عن الحارث بن شبيل ، عن عبد الله بن شداد ، قال : قام عمر في الركعتين فمضى ، فلما سلم في آخر صلاته سجد سجدتين ، وتشهد مرتين . وقال عبد الرزاق : عن ابن جريج : قال عطاء : إذا قام في قعود ، فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو ، وتشهد تشهدين . وإن كان ترك التشهد الأول عمدا ، ففي بطلان صلاته اختلاف ، ذكرناه في التشهد . وإذا كان ساهيا فله ثلاثة أحوال : أحدها : أن يستمر سهوه حتى يقرأ في الركعة الثالثة ، فإنه يستمر ولا يرجع إلى السجود عند جمهور العلماء . وروي عن الحسن ، أنه يجلس للتشهد ، وإن قرأ ، ما لم يركع . وهذا يدل على أن التشهد الأول عنده واجب متأكد . الحالة الثانية : أن لا يستمر قائما ، فقال الجمهور : له أن يرجع . وقال أحمد : يجب أن يرجع ، بناء على قوله : إن هذا التشهد واجب . ويسجد للسهو ، وإن رجع ، عند جمهور العلماء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبي ليلى والشافعي وأحمد . وروي عن النعمان بن بشير ، وعن أنس بن مالك ، أنهما فعلاه . وروي عن أنس ، أنه فعله ، وقال : هو السنة . رواه سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس . قال الدارقطني : لم يقله عن يحيى غيره ، قال : وزيادة الثقة مقبولة . وقال طائفة : إذا رجع لم يسجد للسهو ، وهو قول علقمة والأوزاعي ، وهو أحد قولي الشافعي . وحكي عن بعض أصحابنا أيضا - وهو ابن حامد - أنه إذا رجع قبل أن يستتم قائما لم يسجد . وقال مالك : إذا فارقت أليته الأرض وناء للقيام لم يرجع ، ويسجد للسهو . وقال حسان بن عطية : إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى . وعند أبي حنيفة : إن كان إلى القعود أقرب عاد فجلس وتشهد ، وإن كان إلى القيام أقرب لم يقعد ، ويسجد للسهو . الحالة الثالثة : أن يستتم قائما ولا يقرأ ، وفيه قولان : أحدهما : لا يجوز أن يجلس ، وحكي عن علقمة والضحاك وقتادة ، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد - في رواية - ، وهي المذهب عند ابن أبي موسى . وممن كان لا يجلس إذا استتم قائما : سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر وابن الزبير وغير واحد من الصحابة . والثاني : أن له أن يرجع ، ما لم يشرع في القراءة ، وهو قول النخعي وحماد والثوري - مع قوله بكراهة الرجوع - . وروي نحوه عن الأوزاعي - أيضا - وهو قول أحمد في المشهور ، عنه عند أكثر أصحابه ، ووجه لأصحاب الشافعي ، وحكاه ابن عبد البر عن مالك والشافعي . واستدلوا بأن القراءة هي المقصود الأعظم من القيام ، من لم يأت به فلم يأت بالمقصود من القيام ، فكأنه لم يوجد القيام تاما . وفي هذا نظر . وحكى ابن عبد البر عن جمهور العلماء القائلين بأنه لا يرجع إذا تم قيامه : أنه إذا رجع لم تفسد صلاته ؛ لأن الأصل ما فعله ، وترك الرجوع له رخصة . وحكى عن بعض المتأخرين أنه تفسد صلاته ، قال : وهو ضعيف ، كذا قال . ومذهب الشافعي عند أصحابه : أنه إن رجع عالما بالحال بطلت صلاته . والجمهور على كراهة الرجوع ، وإن لم تفسد به الصلاة عند من يرى ذلك ، وإنما حكي الخلاف في كراهته عن أحمد . وقوله : إن الرجوع هو الأصل ، وتركه رخصة ، ليس كما قال ، بل الأصل أن من تلبس بفرض أنه يمضي فيه ، ولا يرجع إلا إلى ما هو فرض مثله ، فأما إن رجع من فرض إلى سنة ، فليس هو الأصل ، وإنما يجيء الرجوع على قول من يقول : إن التشهد واجب ، وابن عبد البر لا يرى ذلك . واستدل من لم يجوز الرجوع بما روى جابر الجعفي ، عن المغيرة بن شبيل ، عن قيس بن أبي حازم ، عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قام أحدكم فلم يستتم قائما فليجلس ، وإذا استتم قائما فلا يجلس ، ويسجد سجدتي السهو . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون . وهذا كله في قيامه من التشهد الأول في الصلاة المفروضة ، كما بوب عليه البخاري ، فإن كانت صلاته نفلا ، وكان نوى ركعتين ، ثم قام إلى ثالثة نهارا ، فهو مخير ، إن شاء أتمها أربعا ، وهو أفضل ؛ لأن صلاة أربع بالنهار لا كراهة فيها ، وبذلك يصون عمله عن الإلغاء ، فكان أولى ، وإن شاء رجع وتشهد وسجد للسهو ، هذا قول أصحابنا وجمهور العلماء . ومن الشافعية من قال : الأفضل أن يرجع ؛ لئلا يزيد على ركعتين . وروي عن مالك : الأفضل السجود ، ما لم يركع في الثالثة . وعنه : ما لم يرفع رأسه من ركوعها ، ثم يكون المضي أفضل . ومتى أتمها أربعا ، فعند أصحابنا : إن كان قد تشهد عقيب الركعتين لم يسجد ، وإلا سجد . وحكي عن مالك والأوزاعي والشافعي : يسجد لتأخيره السلام عن هذا التشهد . وإن كان ذلك في صلاة الليل ، فإنه يرجع ولا يتمها أربعا ، ويسجد للسهو ، نص عليه أحمد . فإن أتمها أربعا ، ففي بطلان صلاته وجهان ، بناء على الوجهين في صحة تطوعه بالليل بأربع . وحكي عن مالك والشافعي أن الأفضل أن يمضي فيها . وقال الأوزاعي ومالك - في رواية - : إن كان قد ركع في الثالثة لم يرجع ، وإلا رجع . وعن مالك رواية : أنه يراعي الرفع في الركوع ، كما سبق عنه . وقال الثوري - في رجل صلى تطوعا ركعتين ، فسها فقام في الثالثة - : كان الشعبي يقول : يمضي ويجعلها أربعا ، وقال الثوري : وأحب إلي أن يجلس ويسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة · ص 300 بسم الله الرحمن الرحيم باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة أي : هذا باب في بيان ما جاء في أمر السهو الواقع في الصلاة إذا قام المصلي من ركعتي الفريضة ، ولم يجلس عقيبهما ، وهذا بيانه إذا وقع ، وحكمه في حديث الباب ، والسهو الغفلة عن الشيء ، وذهاب القلب إلى غيره ، وقال بعضهم : ، وفرق بعضهم بين السهو ، والنسيان ، وليس بشيء . ( قلت ) : هذا الذي قاله ليس بشيء ، بل بينهما فرق دقيق ، وهو أن السهو إن ينعدم له شعور ، والنسيان له فيه شعور ، ثم اعلم أن لفظة باب ساقطة في رواية أبي ذر ، وفي رواية الكشميهني ، والأصيلي ، وأبي الوقت : من ركعتي الفرض . 247 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أنه قال : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ، ثم سلم بعد ذلك . مطابقته للترجمة في قوله : ( قام من اثنتين من الظهر ) ، وهو معنى قوله في الترجمة : إذا قام من ركعتي الفريضة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : ذكروا غير مرة ، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج ، ووقع كذا عبد الرحمن الأعرج في رواية كريمة ، وفي رواية غيرها عن الأعرج ، ولم يقع اسمه . وبحينة ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح النون ، وفي آخره هاء ، وهو اسم أم عبد الله ، وقيل : اسم أم أبيه ، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بألف ، وقد تقدم هذا الحديث في باب من لم ير التشهد الأول واجبا ، وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع ، وأخرجه بقية الجماعة . ( ذكر معناه وما يتعلق به من الأحكام ) قوله : ( قام من اثنتين ) ، أي : من ركعتين من صلاة الظهر ، وفي مسند السراج من حديث ابن إسحاق ، عن الزهري : الظهر أو العصر . ومن حديث أبي معاوية ، عن يحيى مثله . ومن حديث سفيان ، عن الزهري ، أي : إحدى صلاتي العشي . قوله : ( لم يجلس بينهما ) ، أي : بين هاتين الثنتين اللتين هما الركعتان الأوليان ، وبين الركعتين الأخريين . قوله : ( فلما قضى صلاته ) ، أي : لما فرغ منها . قوله : ( بعد ذلك ) ، أي : بعد أن سجد سجدتين ، وهما سجدتا السهو ، واحتج قوم بظاهر هذا الحديث ، أن سجود السهو قبل السلام مطلقا في الزيادة والنقصان ، وهو الصحيح من مذهب الشافعي ، وروي ذلك عن أبي هريرة ، والزهري ، ومكحول ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والسائب القاري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وزعم أبو الخطاب أنها رواية عن أحمد بن حنبل . ولهم أحاديث أخرى في ذلك ، منها ما رواه الترمذي ، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن عوف ، قال : سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إذا سها أحدكم في صلاته . الحديث . وفيه : فليسجد سجدتين قبل أن يسلم . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا شك أحدكم في صلاته . الحديث ، وفيه : فليسجد سجدتين من قبل أن يسلم . ومنها ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان أن معاوية سها فسجد سجدتين ، وهو جالس بعد أن أتم الصلاة ، وقال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : من نسي شيئا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين . ومنها ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة المخرج عند الستة ، وفيه زيادة : فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم . ومنها ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا شك أحدكم في صلاته . الحديث . وفيه : فإذا فرغ فلم يبق إلا التسليم فليسجد سجدتين ، وهو جالس ، ثم ليسلم . ومنها ما رواه أبو داود من حديث أبي عبيدة ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع . وفيه : وتشهدت ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت أيضا ثم تسلم . وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن السجود يكون بعد السلام في الزيادة والنقص ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود وعمار وابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك والنخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري ، واحتجوا بحديث ذي اليدين المخرج في الصحيحين ، وقد مر فيما مضى ، وفيه : فأتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بقي من الصلاة ، ثم سجد سجدتين ، وهو جالس بعد التسليم . واحتجوا أيضا بأحاديث أخرى ، منها ما رواه الترمذي من حديث الشعبي قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فسبح به القوم ، وسبح بهم ، فلما صلى بقية صلاته سلم ، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ، ثم حدثهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل بهم مثل الذي فعل . ومنها ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ، فقام رجل يقال له : الخرباق قد ذكر له صنيعه ، فقال : أصدق هذا ؟ قالوا : نعم فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم . ومنها ما رواه الطبراني من حديث محمد بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال : صليت خلف أنس بن مالك صلاة فسها فيها فسجد بعد السلام ، ثم التفت إلينا ، وقال : أما إني لم أصنع إلا كما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع . ومنها ما رواه ابن سعد في الطبقات ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : صليت مع عبد الله بن الزبير المغرب ، فسلم في الركعتين ، ثم قام يسبح به القوم ، فصلى بهم الركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين . قال : فأتيت ابن عباس من فوري فأخبرته ، فقال : لله أبوك ما ماط عن سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومنها ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن جعفر ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم . ومنها ما رواه أبو داود وابن ماجه ، وأحمد في مسنده ، وعبد الرزاق في مصنفه ، والطبراني في معجمه من حديث ثوبان ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : لكل سهو سجدتان بعدما يسلم . وبما رواه الطحاوي من حديث قتادة عن أنس في الرجل يهم في صلاته لا يدري أزاد أم نقص ؟ قال : يسجد سجدتين بعد السلام . ( فإن قلت ) : قال البيهقي في المعرفة : روي عن الزهري أنه ادعى نسخ السجود بعد السلام ، وأسنده الشافعي ، عنه ، ثم أكده بحديث معاوية ، أنه صلى الله عليه وسلم سجدهما قبل السلام . رواه النسائي في سننه . قال : وصحبة معاوية متأخرة . ( قلت ) : قول الزهري : منقطع ، وهو غير حجة عندهم ، وقال الطرطوشي : هذا لا يصح عن الزهري . وفي إسناده أيضا مطرف بن مازن . قال يحيى : كذاب ، وقال النسائي : غير ثقة ، وقال ابن حبان : لا تجوز الرواية عنه إلا للاعتبار . ( فإن قلت ) : قالوا : المراد بالسلام في الأحاديث التي جاءت بالسجود بعد السلام هو السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد ، أو يكون تأخيرها على سبيل السهو . ( قلت ) : هذا بعيد جدا مع أنه معارض بمثله ، وهو أن يقال : حديثهم قبل السلام يكون على سبيل السهو ، ويحتمل حديثهم على السلام المعهود الذي يخرج به عن الصلاة ، وهو سلام التحلل ، ويبطل أيضا حملهم على السلام الذي في التشهد أن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقا ، وأما الجواب عن أحاديثهم فنقول : أما حديث الباب ، وهو حديث ابن بحينة فهو يخبر ، عن فعله ، وفي أحاديثنا ما يخبر عن قوله : ( فالعمل بقوله أولى ) على أنه قد تعارض فعلاه ؛ لأن في أحاديثهم أنه صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام ، وفي أحاديثنا سجد بعد السلام ففي مثل هذا المصير إلى قوله أولى ، وقد يقال : أن سجوده بعد السلام إنما كان لبيان الجواز قبل السلام لا لبيان المسنون ، وقال بعض الشافعية ، وللشافعي قول آخر أنه يتخير إن شاء قبل السلام ، وإن شاء بعده ، والخلاف عندنا في الأجزاء ، وقيل : في الأفضل ، وادعى الماوردي اتفاق الفقهاء يعني جميع العلماء عليه . وقال صاحب الذخيرة للحنفية : لو سجد قبل السلام جاز عندنا . قال القدوري : هذا في رواية الأصول . قال : وروي عنهم أنه لا يجوز ؛ لأنه أداه قبل وقته ، ووجه رواية الأصول أنه فعل حصل في مجتهد فيه ، فلا يحكم بفساده ، وهذا لو أمرناه بالإعادة يتكرر عليه السجود ، ولم يقل به أحد من العلماء ، وذكر صاحب الهداية أن هذا الخلاف في الأولوية ، وذكر ابن عبد البر كلهم يقولون : لو سجد قبل السلام فيما يجب السجود بعده أو بعده فيما يجب قبله لا يضر ، وهو موافق لنقل الماوردي المذكور آنفا ، وقال الحازمي : طريق الإنصاف أن نقول : أما حديث الزهري الذي فيه دلالة على النسخ ففيه انقطاع ، فلا يقع معارضا للأحاديث الثابتة ، وأما بقية الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده قولا وفعلا فهي وإن كانت ثابتة صحيحة ففيها نوع تعارض غير أن تقديم بعضها على بعض غير معلوم رواية صحيحة موصولة ، والأشبه حمل الأحاديث على التوسع ، وجواز الأمرين ، انتهى . وأما حديث أبي سعيد فإن مسلما أخرجه منفردا به . ورواه مالك مرسلا . ( فإن قلت ) : قال الدارقطني : القول لمن وصله ؟ ( قلت ) : قال البيهقي : الأصل الإرسال . وأما حديث معاوية فإن النسائي أخرجه من حديث ابن عجلان ، عن محمد بن يوسف مولى عثمان ، عن أبيه ، عنه ، ثم قال : ويوسف ليس بمشهور ، وأما حديث أبي هريرة فهو منسوخ . وأما حديث ابن عباس فإنه من حديث ابن إسحاق ، عن مكحول ، عن كريب ، عن ابن عباس ، ورواه أبو علي الطوسي في الأحكام ، عن يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني مكحول ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ... فذكره ، وقال الدراقطني : رواه حماد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول مرسلا ، ورواه ابن علية ، وعبد الله بن نمير ، والمحاربي ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول مرسلا ، ووصله يرجع إلى حسين بن عبد الله ، وإسماعيل بن مسلم ، وكلاهما ضعيفان ، وأما حديث ابن مسعود فإن أبا عبيدة رواه ، عن أبيه ، ولم يسمع منه . وبقيت هنا أحكام أخرى الأول : أن في محل سجدتي السهو خمسة أقوال : القولان للحنفية ، والشافعية ذكرناهما . والثالث : مذهب المالكية فإن عندهم إن كان للنقصان فقبل السلام ، وإن كان للزيادة فبعد السلام ، وهو قول للشافعي . والرابع مذهب الحنابلة أنه يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبعد السلام في المواضع التي سجد فيها بعد السلام ، وما كان من السجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدا قبل السلام . والخامس : مذهب الظاهرية أنه لا يسجد للسهو إلا في المواضع التي سجد فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط ، وغير ذلك إن كان فرضا أتى به ، وإن كان ندبا فليس عليه شيء ، والمواضع التي سجد فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة : أحدها : قام من ثنتين على ما جاء به في حديث ابن بحينة . والثاني سلم من ثنتين كما جاء في حديث ذي اليدين ، والثالث : سلم من ثلاث ، كما جاء به في حديث عمران بن حصين ، والرابع أنه صلى خمسا كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه . والخامس : السجود على الشك كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري . الحكم الثاني : أن في الحديث دلالة على سنية التشهد الأول : والجلوس له إذ لو كانا واجبين لما جبرا بالسجود كالركوع وغيره وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ، كذا نقله صاحب التوضيح ، عن أبي حنيفة ، فإن كان مراده من السنة السنة المؤكدة يصح النقل عنه ؛ لأن السنة المؤكدة في قوة الواجب ، وفي المحيط قال الكرخي ، والطحاوي ، وبعض المتأخرين القعدة الأولى واجبة ، وقراءة التشهد فيها سنة عند بعض المشايخ ، وهو الأقيس . وعند بعضهم واجبة ، وهو الأصح ، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجبة بالاتفاق . الحكم الثالث : في أن التكبير مشروع لسجود السهو بالإجماع ، وفي التوضيح مذهبنا أن تكبير الصلوات كلها سنة غير تكبيرة الإحرام فهو ركن ، وهو قول الجمهور ، وأبو حنيفة يسمي تكبيرة الإحرام واجبة ، وفي رواية عن أحمد ، والظاهرية أن كلها واجبة . ( قلت ) : مذهب أبي حنيفة أن تكبيرة الإحرام فرض ، ونحن نفرق بين الفرض والواجب ، ولكنه شرط ، أو ركن ، فعندنا شرط ، وعند الشافعي ركن كما عرف في موضعه . الحكم الرابع في أنه هل يتشهد في سجود السهو أم لا ، فعندنا يتشهد . وعند الشافعي في الصحيح لا يتشهد كما في سجود التلاوة ، والجنازة . وقال ابن قدامة : إن كان قبل السلام يسلم عقيب التكبير ، وإن كان بعده يتشهد ويسلم قال : وبه قال ابن مسعود ، وقتادة ، والنخعي ، والحكم ، وحماد ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وعن النخعي : يتشهد ولا يسلم ، وعن أنس ، والشعبي ، والحسن ، وعطاء : ليس فيهما تشهد ولا تسليم ، وعن سعد بن أبي وقاص ، وعمار ، وابن أبي ليلى ، وابن سيرين ، وابن المنذر : فيهما تسليم بغير تشهد . وقال ابن المنذر : التسليم فيهما ثابت من غير وجه ، وفي ثبوت التشهد عنه نظر ، وقال أبو عمر : لا أحفظه مرفوعا من وجه صحيح ، وعن عطاء : إن شاء يتشهد ، ويسلم ، وإن شاء لم يفعل . ( قلت ) : عندنا يسلم ثنتين ، وبه قال الثوري ، وأحمد ، ويسلم عن يمينه وشماله ، وفي المحيط : ينبغي أن يسلم واحدة عن يمينه ، وهو قول الكرخي ، وبه قال النخعي كالجنازة ، وفي البدائع يسلم تلقاء وجهه في صفة السلام ، فهما روايتان عن مالك . الحكم الخامس : في أنه لا يتكرر السجود ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما ترك التشهد الأول والجلوس له اكتفى بسجدتين ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وعن الأوزاعي إذا سها عن شيئين مختلفين يكرر ويسجد أربعا . وقال ابن أبي ليلى : يتكرر السجود بتكرر السهو . وقال ابن أبي حازم ، وعبد العزيز بن أبي سلمة : إذا كان عليه سهوان في صلاة واحدة : منه ما يسجد له قبل السلام ، ومنه ما يسجد له بعد السلام فليفعلهما . الحكم السادس : في أن سجود السهو في التطوع كالفرض سواء ، وقال ابن سيرين وقتادة : لا سجود في التطوع ، وهو قول غريب ضعيف للشافعي . الحكم السابع : في أن متابعة الإمام عند القيام من هذا الجلوس واجبة أم لا ، فذكر في التوضيح أنها واجبة ، وقد وقع كذلك في الحديث ، ويجوز أن يكونوا علموا حكم هذه الحادثة ، أو لم يعلموا فسبحوا فأشار إليهم أن يقوموا ، نعم اختلفوا فيمن قام من اثنتين ساهيا : هل يرجع إلى الجلوس ؟ فقالت طائفة بهذا الحديث : إن من استتم قائما ، واستقل من الأرض ، فلا يرجع ، وليمض في صلاته ، وإن لم يستو قائما جلس . وروي ذلك عن علقمة ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو قول الأوزاعي ، وابن القاسم في المدونة ، والشافعي ، وقالت طائفة : إذا فارقت أليته الأرض ، وإن لم يعتدل ، فلا يرجع ، ويتمادى ، ويسجد قبل السلام . رواه ابن القاسم عن مالك في المجموعة ، وقالت طائفة : يقعد وإن كان استتم قائما ، روي ذلك عن النعمان بن بشير ، والنخعي ، والحسن البصري ، إلا أن النخعي قال : يجلس ما لم يستتم القراءة . وقال الحسن : ما لم يركع ، وقد روي عن عمر ، وابن مسعود ، ومعاوية ، وسعيد ، والمغيرة بن شعبة ، وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قاموا من اثنتين ، فلما ذكروا بعد القيام لم يجلسوا ، وقالوا : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك ، وفي قول أكثر العلماء أن من رجع إلى الجلوس بعد قيامه من ثنتين أنه لا تفسد صلاته إلا ما ذكر ابن أبي زيد عن سحنون أنه قال : أفسد الصلاة رجوعه ، والصواب قول الجماعة . الحكم الثامن فيمن سها في سجدتي السهو لا سهو عليه ، قاله النخعي ، والحكم ، وحماد ، والمغيرة ، وابن أبي ليلى ، والحسن . الحكم التاسع أن سجود السهو واجب عند أبي حنيفة لوجود الأمر به في غير حديث لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه : فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين ، وذهب الشافعي إلى أن سجود السهو سنة يجوز تركه ، والحديث حجة عليه ، وقال ابن شبرمة في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد ؟ قال : يعيد الصلاة . ( فإن قلت ) : روى الطبراني من حديث ابن عمر ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يسجد يوم ذي اليدين ؟ ( قلت ) : في إسناده عبد الله بن عمر العمري ، وهو مختلف في الاحتجاج به ، ولئن سلمنا صحته فإنه لا يقاوم حديث أبي هريرة فافهم .