29 - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ 1278 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَصَلَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَبَيْنَ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ بِتَرَاجِمَ كَثِيرَةٍ تُشْعِرُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ الثَّابِتَ فِي ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ ، وَالْفَضْلَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ . وَأُطْلِقَ الْحُكْمُ هُنَا لِمَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تُؤْمَنُ الْمَفْسَدَةُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَأُمُّ الْهُذَيْلِ هِيَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ . قَوْلُهُ : ( نُهِينَا ) تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَفْصَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ : كُنَّا نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ . وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِسْنَادِ هَذَا الْبَابِ ، بِلَفْظِ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ النَّاهِيَ فِيهِ ، لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ كَانَ مَرْفُوعًا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ النِّسَاءَ فِي بَيْتٍ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُنَّ ، بَعَثَنِي إِلَيْكُنَّ لِأُبَايِعْكُنَّ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا . الْحَدِيثَ . وَفِي آخِرِهِ : وَأَمَرَنَا أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدِ الْعَوَاتِقَ ، وَنَهَانَا أَنْ نَخْرُجَ فِي جِنَازَةٍ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأُولَى مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ) ؛ أَيْ : وَلَمْ يُؤَكِّدْ عَلَيْنَا فِي الْمَنْعِ ، كَمَا أَكَّدَ عَلَيْنَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَرِهَ لَنَا اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ سِيَاقِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَالَ مَالِكٌ إِلَى الْجَوَازِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَةٍ ، فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً فَصَاحَ بِهَا ، فَقَال : دَعْهَا يَا عُمَرُ . الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى دَرَجَاتٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْلُهَا : نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ أَيْ إِلَى أَنْ نَصِلَ إِلَى الْقُبُورِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ؛ أَيْ أَنْ لَا نَأْتِيَ أَهْلَ الْمَيِّتِ فَنُعَزِّيَهِمْ ، وَنَتَرَحَّمَ عَلَى مَيِّتِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَتَّبِعَ جِنَازَتَهُ . انْتَهَى . وَفِي أَخْذِ هَذَا التَّفْصِيلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ نَظَرٌ ، نَعَمْ هُوَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فَاطِمَةَ مُقْبِلَةً ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْتِ ؟ فَقَالَتْ : رَحِمْتُ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمَيِّتِ مَيِّتَهُمْ . فَقَالَ : لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى ؟ قَالَتْ : لَا . الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا . فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا بُلُوغَ الْكُدَى ، وَهُوَ بِالضَّمِّ ، وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَقْصُورَةِ ، وَهِيَ الْمَقَابرُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا التَّعْزِيَةُ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ؛ أَيْ كَمَا عَزَمَ عَلَى الرِّجَالِ بِتَرْغِيبِهِمْ فِي اتِّبَاعِهَا بِحُصُولِ الْقِيرَاطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِز · ص 173 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب اتباع النساء الجنائز · ص 63 باب اتباع النساء الجنائز أي هذا باب في بيان اتباع النساء الجنائز ، ولم يبين كيفية الحكم هل هو جائز ، أو غير جائز ، أو مكروه لاختلاف العلماء فيه ؛ لأن قول أم عطية يحتمل أن يكون نهي تحريم ، ويحتمل أن يكون نهي تنزيه على أن ظاهر قول أم عطية : : ولم يعزم علينا يقتضي أن يكون النهي نهي تنزيه ، وقد ورد في هذا الباب أحاديث تدل على الجواز ، فلأجل هذا الاختلاف أطلق البخاري الترجمة ، ولم يقيدها بحكم ، وفي بعض النسخ: باب اتباع النساء الجنازة . 40 - حدثنا قبيصة بن عقبة قال : حدثنا سفيان عن خالد عن أم الهذيل عن أم عطية رضي الله عنها قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا . مطابقته للترجمة من حيث إنه بين ما أبهمه البخاري في الترجمة في إطلاق الحكم بأنه منهي ، وسفيان هو الثوري ، وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين ، وأم عطية هي نسيبة ، وقد تقدم كل الرواة ، وتقدم الحديث أيضا في باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض في كتاب الحيض من طريق أيوب عن حفصة عن أم عطية مطولا ، وفيه: وكنا ننهى عن اتباع الجنائز ، ورواه هشام بن حسان أيضا عن حفصة عن أم عطية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج الإسماعيلي هذا الحديث من رواية يزيد بن أبي حكيم عن الثوري بإسناد هذا الباب ، ولفظه: نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . فإن قلت : هذا الحديث لا حجة فيه ؛ لأنه لم يسم الناهي فيه . قلت : الذي أخرجه الإسماعيلي يرد ما قيل فيه من ذلك ، وهذا الباب مختلف فيه ؛ فالجمهور على أن كل ما ورد بهذه الصيغة حكمه حكم المرفوع ، وروى الطبراني عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع النساء في بيت ثم بعث إلينا عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال : إني رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليكن بعثني لأبايعكن على أن لا تسرقن الحديث ، وفي آخره : وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة ، وهذا يدل على أن حديث الباب مرسل . قوله : ولم يعزم علينا على صيغة المجهول ، أي لم يوجب ، ولم يفرض ، أو لم يشدد ، ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات ، فكان المعنى أنها قالت : كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم ، وقال القرطبي : ظاهر الحديث يقتضي أن النهي للتنزيه ، وبه قال جمهور أهل العلم ، وقال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود وابن عمر وعائشة وأبي أمامة أنهم كرهوا ذلك للنساء ، وكرهه أيضا إبراهيم والحسن ومسروق وابن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري : اتباع النساء الجنائز بدعة ، وعن أبي حنيفة : لا ينبغي ذلك للنساء ، وروي إجازة ذلك عن ابن عباس والقاسم وسالم والزهري وربيعة وأبي الزناد ، ورخص فيه مالك ، وكرهه للشابة ، وعند الشافعي مكروه ، وليس بحرام ، ونقل العبدري عن مالك : يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها ، وكانت ممن يخرج مثلها لمثله ، وقال ابن حزم : لا يمنعن من اتباعها ، وآثار النهي عن ذلك لا تصح ؛ لأنها إما عن مجهول ، أو مرسلة ، أو عمن لا يحتج به ، وأشبه شيء فيه حديث الباب ، وهو غير مسند ؛ لأنا لا ندري من هو الناهي ، ولعله بعض الصحابة ، ثم لو صح مسندا لم يكن فيه حجة ، بل كان يكون على كراهة فقط ، وقد صح خلافه ، روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أنه صلى الله عليه وسلم كان في جنازة ، فرأى عمر رضي الله تعالى عنه امرأة فصاح بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا عمر ، فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب . قلت : أخرج الحاكم هذا ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وفيه نظر ؛ لأن البيهقي نص على انقطاعه ، وفي سنده سلمة بن الأزرق قال ابن القطان : سلمة هذا لا يعرف حاله ، ولا أعرف أحدا من مصنفي الرجال ذكره ، وروى الحاكم قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا نافع بن يزيد ، أخبرني ربيعة بن سيف ، حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ، فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها ، فقال : يا فاطمة من أين جئت قالت : جئت من أهل الميت رحمت إليهم ميتهم وعزيتهم ، قال : فلعلك بلغت معهم الكدى قالت : معاذ الله أن أبلغ معهم الكدى ، وقد سمعتك تذكر فيه ما تذكر ، قال : لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يرى جد أبيك . والكدى المقابر ، قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . قلت : كيف يقول : على شرط الشيخين وربيعة بن سيف لم يخرج له أحد منهما ، وقال الداودي : قولها: نهينا عن اتباع الجنائز ، أي إلى أن نصل إلى القبور ، وقولها : ولم يعزم علينا ، أي لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته ، وقال بعضهم : وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظر . قلت : وفي نظره نظر ؛ لأن الحديث الذي رواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو المذكور يساعده . وقيل : يحتمل أن يكون المراد بقولها : ولم يعزم علينا ، أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ، ونحو ذلك . انتهى . وأحسن حالات المرأة مع الجنازة أنها لا توجد في حضورها ، وقال الحازمي : أما باتباع الجنازة فلا رخصة لهن فيه ، وقد روي عن يزيد بن أبن حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة رجل ، فلما وضعت ليصلى عليها أبصر امرأة ، فسأل عنها ، فقيل : هي أخت الميت ، فقال لها : ارجعي فلم يصل عليها حتى توارت ، وقال لامرأة أخرى : ارجعي ، وإلا رجعت .