51 - بَاب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ . وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ . وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ : قَرِيبًا مِنْهَا 1315 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ ) أَيْ بَعْدَ أَنْ تُحْمَلَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ : أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ ، فَامْشِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَامْشُوا ، وَأَثَرُ أَنَسٍ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ فِي الْجِنَازَةِ فَقَالَ : أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا ، وَعَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا ، إِنَّمَا أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ . وَرَوَيْنَاهُ عَالِيًا فِي رُبَاعِيَّاتِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ حُمَيْدٍ كَذَلِكَ ، وَبِنَحْوِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعَتُ الْعَيْزَارَ - يَعْنِي ابْنَ حُرَيْثٍ - سألَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - يَعْنِي عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ - فَقَالَ : إِنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . فَاشْتَمَلَ عَلَى فَائِدَتَيْنِ : تَسْمِيَةِ السَّائِلِ ، وَالتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُطَابَقَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْأَثَرَ يَتَضَمَّنُ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْمُشَيِّعِينَ وَعَدَمِ الْتِزَامِهِمْ جِهَةً مُعَيَّنَةً ، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهِمْ فِي الْمَشْيِ ، وَقَضِيَّةُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ أَنْ لَا يُلْزَمُوا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ يَمْشُونَ فِيهِ لِئَلَّا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ مِمَّنْ يَضْعُفُ فِي الْمَشْيِ عَمَّنْ يَقْوَى عَلَيْهِ ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ السُّرْعَةَ لَا تَتَّفِقُ غَالِبًا إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ الْمَشْيِ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَنَاسَبَا ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ فَقَالَ : قَوْلُ أَنَسٍ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ إِلَّا مِنْ وَجْهِ أَنَّ النَّاسَ فِي مَشْيِهِمْ مُتَفَاوِتُونَ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَفْظُ الْمَشْيِ وَالتَّشْيِيعِ فِي أَثَرِ أَنَسٍ أَعَمُّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَسِّرَ أَثَرَ أَنَسٍ بِالْحَدِيثِ ، قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِقَوْلِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوَقَارِ لِمُتَّبِعِهَا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُصَاحَبَةُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا ) أَيْ قَالَ غَيْرُ أَنَسٍ مِثْلَ قَوْلِ أَنَسٍ ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِنَازَةِ ، لِأَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ مَشَى أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا مَثَلًا ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ أَظُنُّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ قَالَ : شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قُرْطٍ جِنَازَةً ، فَرَأَى نَاسًا تَقَدَّمُوا وَآخَرِينَ اسْتَأْخَرُوا ، فَأَمَرَ بِالْجِنَازَةِ فَوُضِعَتْ ، ثُمَّ رَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا ، فَحُمِلَتْ ثُمَّ قَالَ : بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ صَحَابِيٌّ ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَدَلَّ إِيرَادُ الْبُخَارِيِّ لِأَثَرِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ عَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْمَذْهَبِ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالْمَاشِي اتِّبَاعًا لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا : الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا . وَعَنِ النَّخَعِيِّ : أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْجِنَازَةِ نِسَاءٌ مَشَى أَمَامَهَا ، وَإِلَّا فَخَلْفَهَا . وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ مَشْهُورَانِ : فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ ، لَكِنْ حَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا . قَوْلُهُ : ( حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي عَنْ بَدَلَ مِنْ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي سَمَاعَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَمَاعِ سُفْيَانَ لَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) كَذَا قَالَ سُفْيَانُ وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ ، فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَسْرِعُوا ) نَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ بِوُجُوبِهِ . وَالْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ شِدَّةُ الْمَشْيِ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ . قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَيَمْشُونَ بِهَا مُسْرِعِينَ دُونَ الْخَبَبِ ، وَفِي الْمَبْسُوطِ : لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ ، غَيْرَ أَنَّ الْعَجَلَةَ أَحَبُّ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ : الْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْقَ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ ، وَيُكْرَهُ الْإِسْرَاعُ الشَّدِيدُ . وَمَالَ عِيَاضٌ إِلَى نَفْيِ الْخِلَافِ ، فَقَالَ : مَنِ اسْتَحَبَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ ، وَمَنْ كَرِهَهُ أَرَادَ الْإِفْرَاطَ فِيهِ كَالرَّمَلِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى شِدَّةٍ يُخَافُ مَعَهَا حُدُوثُ مَفْسَدَةٍ بِالْمَيِّتِ ، أَوْ مَشَقَّةٍ عَلَى الْحَامِلِ أَوِ الْمُشَيِّعِ ، لِئَلَّا يُنَافِيَ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَافَةِ وَإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُتَبَاطَأَ بِالْمَيِّتِ عَنِ الدَّفْنِ ، وَلِأَنَّ التَّبَاطُؤَ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى التَّبَاهِي وَالِاخْتِيَالِ . قَوْلُهُ : ( بِالْجِنَازَةِ ) أَيْ بِحَمْلِهَا إِلَى قَبْرِهَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى بِتَجْهِيزِهَا ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الثَّانِي بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ . وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيُّ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الرِّقَابِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَعَانِي ، كَمَا تَقُولُ : حَمَلَ فُلَانٌ عَلَى رَقَبَتِهِ ذُنُوبًا ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى : اسْتَرِيحُوا مِنْ نَظَرِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْكُلَّ لَا يَحْمِلُونَهُ . انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحَ مَرْفُوعًا : لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تَبْقَى بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ ، الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً ) أَيِ الْجُثَّةُ الْمَحْمُولَةُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : جُعِلَتِ الْجِنَازَةُ عَيْنَ الْمَيِّتِ ، وَجُعِلْتِ الْجِنَازَةُ الَّتِي هِيَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مُقَدَّمَةً إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي كُنِّيَ بِهِ عَنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ . قَوْلُهُ : ( فَخَيْرٌ ) هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : فَهُوَ خَيْرٌ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : فَلَهَا خَيْرٌ ، أَوْ فَهُنَاكَ خَيْرٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ . وَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : فَشَرٌّ . نَظِيرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْخَيْرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : رُوِيَ : تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهَا . فَأَنَّثَ الضَّمِيرَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَيْرِ بِالرَّحْمَةِ أَوِ الْحُسْنَى . قَوْلُهُ : ( تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى دَفْنِ الْمَيِّتِ ، لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ مَاتَ ، أَمَّا مَثَلُ الْمَطْعُونِ وَالْمَفْلُوجِ وَالْمَسْبُوتِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْرَعَ بِدَفْنِهِمْ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِيَتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بَزِيزَةَ . وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ تَرْكُ صُحْبَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَغَيْرُ الصَّالِحِينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَة · ص 218 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السرعة بالجنازة · ص 112 باب السرعة بالجنازة أي : هذا باب في بيان الإسراع بالجنازة بعد الحمل . وقال أنس رضي الله عنه : أنتم مشيعون فامشوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها . مطابقته للترجمة من حيث إن السرعة بالجنازة لا تكون غالبا إلا في جهات مختلفة ، ولا تكون في جهة معينة لتفاوت الناس في المشي ، وتحصل المشقة من بعضهم على بعض في تعيين جهة ، فإذا كان كذلك تكون السرعة من جوانبها الأربع ، وهذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة ، عن أبي بكر بن عياش ، عن حميد ، عن أنس في الجنازة أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها ، وأخرجه عبد الرزاق ، عن أبي جعفر الرازي ، عن حميد به . قوله : فامشوا بصيغة الجمع رواية الكشميهني ، وفي رواية الأكثرين فامش بالإفراد والأول أنسب . وقال غيره قريبا منها . أي : قال غير أنس : امش قريبا من الجنازة ، والمقصود أن يكون قريبا من الجنازة من أي جهة كان لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة فإن بعد منها لم يكن مشيعا ، فإن كانت المتابعة بعده لكثرة الجماعة حصل له فضل المتابعة وقال بعضهم : والغير المذكور أظنه عبد الرحمن بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة . قال سعيد بن منصور : حدثنا مسكين بن ميمون ، حدثني عروة بن رويم قال : شهد عبد الرحمن بن قرط جنازة فرأى ناسا تقدموا وآخرين استأخروا ، فأمر بالجنازة فوضعت ، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه ، ثم أمر بها فحملت ، ثم قال : بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها انتهى . قلت : هذا تخمين وحسبان ، ولئن سلمنا أنه هو ذاك الغير فلا نسلم أن هذا مناسب لما ذكره الغير ، بل هو بعينه مثل ما قاله أنس ، ولا يخفى ذلك على المتأمل ، وعبد الرحمن المذكور صحابي ذكر البخاري وغيره أنه كان من أهل الصفة ، وكان واليا على حمص في زمن عمر رضي الله تعالى عنه . 72 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان قال : حفظناه عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود ، عن مسدد يبلغ به ، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة وهشام بن عمار كلهم عن سفيان به . ( ذكر معناه ) . قوله : حفظناه ويروى حفظته قوله عن الزهري هو رواية المستملي بكلمة عن ، وفي رواية غيره من بدل عن قوله : أسرعوا أمر من الإسراع وليس المراد بالإسراع شدة الإسراع ، بل المراد المتوسط بين شدة السعي وبين المشي المعتاد بدليل قوله في حديث أبي بكرة : وإنا لنكاد أن نرمل ومقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد قاله شيخنا زين الدين . قلت : في رواية أبي داود عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص ، وكنا نمشي مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكرة فرفع صوته فقال : لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا . قوله : نرمل من رمل رملا ورملانا إذا أسرع في المشي وهز منكبه . قلت : مراده الإسراع المتوسط ، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال : إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيا بين المشيين ، وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم . قوله : بالجنازة أي : يحملها إلى قبرها ، وقيل : المراد الإسراع بتجهيزها وتعجيل الدفن بعد تيقن موته لحديث حصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال : إني لا أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا ؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود . قلت : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ، وابن وحوح بواوين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وهو أنصاري له صحبة قيل : إنه مات بالعذيب روى له أبو داود ، وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره . وقال القرطبي : الأول أظهر وقال النووي : الثاني باطل مردود بقوله في الحديث تضعونه عن رقابكم . ورد عليه بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني كما تقول : حمل فلان على رقبته ذنوبا فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه ، ويدل عليه أن الكل لا يحملونه . قلت : ويؤيده حديث أبي داود والطبراني المذكور . قوله : فإن تك أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف والضمير الذي فيه يرجع إلى الجنازة التي هي عبارة عن الميت . قوله : صالحة نصب على الخبرية . قوله : فخير مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : فهو وخير تقدمونها إليه يوم القيامة أو هو مبتدأ أي : فثمة خير تقدمون الجنازة إليه يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك الحالة قريبا . قوله : إليه الضمير فيه يرجع إلى الخير باعتبار الثواب . وقال ابن مالك : روي تقدمونه إليها أي : تقدمون الميت إليها أي إلى الخير ، وأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة أو الحسنى . قوله : فشر إعرابه مثل إعراب فخير . قوله : تضعونه أي : أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الأمر بالإسراع ، ونقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء ، وقال ابن حزم : وجوبه ، وفي شرح المهذب جاء عن بعض السلف كراهة الإسراع بالجنازة ، ولعله يكون محمولا على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجار الميت وخروج شيء منه ، وقال بعضهم : والمراد بالإسراع شدة المشي ، وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية . وقال صاحب الهداية : ويمشون بها مسرعين دون الخبب ، وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة . قلت : قوله وهو قول الحنفية غير صحيح ، ولم يقل أحد منهم بشدة المشي وعذا صاحب الهداية الذي لا يذكر إلا ما هو العمدة عند أبي حنيفة يقول : ويمشون بها مسرعين دون الخبب ، وقوله : دون الخبب يدل على أن المراد من الإسراع الإسراع المتوسط لا شدة الإسراع التي هي الخبب وهو العدو ، وكذلك المراد من قول صاحب المبسوط : العجلة أحب هي العجلة المتوسطة لا الشديدة . والعجب من هذا القائل يقول : شدة المشي قول الحنفية ، ثم يذكر عن كتابين معتبرين في المذهب ما يدل على نفي شدة المشي ؛ لأن قوله : دون الخبب هو شدة المشي . وقال البيهقي في المعرفة : قال الشافعي : الإسراع بالجنازة هو فوق سجية المشي المعتاد ، ويكره الإسراع الشديد . فإن قلت : روى البخاري ومسلم من رواية عطاء قال : حضرنا مع ابن عباس رضي الله تعالى عنه جنازة ميمونة رضي الله تعالى عنها بسرف فقال ابن عباس : هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن فضيل ، عن بنت أبي بردة ، عن أبي موسى قال : مر على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بجنازة وهي تمحض كما يمحض الزق فقال : عليكم بالقصد في جنائزكم . وهذا يدل على استحباب الرفق بالجنازة وترك الإسراع . قلت : أما ابن عباس فإنه أراد الرفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي بها ، وأما حديث أبي موسى فإنه منقطع بين بنت أبي بردة وبين أبي موسى ، ومع ذلك فهو ظاهر في أنه كان يفرط في الإسراع بها ، ولعله خشي انفجارها أو خروج شيء منه وكذا الحكم عند ذلك في كل موضع ، وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد تحقق موته ، فإن من المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلا بعد مضي زمان كالمسبوت ونحوه . وعن ابن بزيزة ينبغي أن لا يسرع بتجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم ، وفيه مجانبة صحبة أهل البطالة وصحبة غير الصالحين .