75 - بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ . مُلْتَحَدًا مَعْدِلًا ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا 1347 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ . وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ . 1348 - وَأَخْبَرَنَا ، الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ : أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ . وَقَالَ جَابِرٌ : فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ . قَوْلُهُ : ( وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَصْلُ الْإِلْحَادِ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَقِيلَ لِلْمَائِلِ عَنِ الدِّينِ : مُلْحِدٌ ، وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ شَقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ ، فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ بِحَيْثُ يَسَعُ الْمَيِّتَ فَيُوضَعُ فِيهِ وَيُطْبَقُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ : وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا لَكَانَ ضَرِيحًا . فَلِأَنَّ الضَّرِيحَ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ وَيُدْفَنُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( مُلْتَحَدًا : مَعْدِلًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْمَجَازِ . قَالَ : قَوْلُهُ مُلْتَحَدًا ، أَيْ مَعْدِلًا . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ : وَلَنْ تَجِدْ مِنْ دُونِهِ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ . قَالَ : وَالْمُلْتَحَدُ مُفْتَعَلٌ مِنَ اللَّحْدِ ، يُقَالُ مِنْهُ : لَحِدْتُ إِلَى كَذَا إِذَا مِلْتَ إِلَيْهِ . انْتَهَى . وَيُقَالُ : لَحِدْتُهُ وَأَلْحَدْتُهُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : الرُّبَاعِيُّ أَجْوَدُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الثُّلَاثِيُّ أَكْثَرُ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ دَفْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّقَّاقِ وَاللَّاحِدِ ، الْحَدِيثَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ اللَّيْثِ مُتَّصِلًا ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مُنْقَطِعًا ، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ . زَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ ، فَإِنِّي أَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا . الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ( فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ : بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ مُخَطَّطَةٌ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : هِيَ دُرَّاعَةٌ فِيهَا لَوْنَانِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ ، وَيُقَالُ لِلسَّحَابَةِ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ : نَمِرَةٌ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي وَابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمَا كُفِّنَا فِي نَمِرَتَيْنِ ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّمِرَةَ الْوَاحِدَةَ شُقَّتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ . وَالرَّجُلُ الَّذِي كُفِّنَ مَعَهُ فِي النَّمِرَةِ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَعْدَ بَابٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ إِلَخْ ) هُوَ مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ إِبْهَامُ شَيْخِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ بَابَيْنِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّعِ : اضْطَرَبَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاضْطِرَابِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الثِّقَاتِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ ، وَأَمَّا إِبْهَامُ سُلَيْمَانَ لِشَيْخِ الزُّهْرِيُّ وَحَذْفُ الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْ سَمَّاهُ ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَبَطَ وَزَادَ إِذَا كَانَ ثِقَةً ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أُسَامَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ لِضَعْفِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَرَّحَ بِغَلَطِ أُسَامَةَ فِيهِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَغَازِي ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفَضْلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْد · ص 252 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من يقدم في اللحد · ص 158 ( باب من يقدم في اللحد ) أي هذا باب في بيان من يقدم من الموتى إذا وضعوا في اللحد ، وحديث الباب بين ذلك هو أن يقدم منهم من كان أكثر أخذا بالقرآن ، وذلك كما في الإمامة في الصلاة ، ثم أشار البخاري إلى تفسير اللحد بقوله : ( وسمي اللحد لأنه في ناحية ) أي سمي اللحد لحدا لأنه لاشق يعمل في جانب القبر ، يقال : لحد القبر يلحده لحدا أو ألحده عمل له لحدا ، وكذلك لحد الميت يلحده لحدا وألحده وألحد له ، وقيل : لحده دفنه ، وألحده عمل له لحدا ، ولحد إلى الشيء يلحد وألحد والتحد مال ، ولحد في الدين يلحد وألحد مال وعدل ، وقيل : لحد جار ومال وألحد مارى وجادل ، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء ، ومنه قيل للمائل عن الدين ملحد ، ومنه قيل لحد القبر لأنه يميل عن وسط القبر إلى جانبه ، وفي الجمهرة : كل مائل لاحد وملحد ولا يقال له ذلك حتى يميل عن حق إلى باطل ، وفي ( الجامع ) للقزاز : والملحد اللحد والجمع ملاحد ، وقال الفراء : لحد وألحد اعترض والألف أجود ، ويقال : لحدت للميت وألحدت أجود ، وقال ابن سيده : اللحد واللحد الذي يكون في جانب القبر ، وقيل : الذي يحفر في عرضه والجمع ألحاد ولحود . ( وكل جائر ملحد ) من الإلحاد من باب الإفعال بكسر الهمزة ، وقد قلنا إن الملحد هو المماري والمجادل ، والجائز يسمى اللاحد ، وذكر البخاري ذلك بحاصل المعنى . ( ملتحدا معدلا ) أشار به إلى المذكور في القرآن وهو قوله تعالى : وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا أي ملتجأ يعدل إليه عن الله لأن قدرة الله محيطة بجميع خلقه ، كذا فسره الطبري ، والملتحد من باب الافتعال على وزن مفتعل من اللحد من لحد إلى الشيء والتحد إذا مال كما ذكرناه آنفا . ( ولو كان مستقيما كان ضريحا ) أي : ولو كان القبر أو الشق مستقيما غير مائل إلى ناحية لكان ضريحا ، لأن الضريح شق في الأرض على الاستواء ، وقال ابن الأثير : الضارح هو الذي يعمل الضريح وهو القبر ، وهو فعيل بمعنى مفعول من الضرح وهو الشق في الأرض ، ثم الجمهور على كراهة الدفن في الشق وهو قول إبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، ولو شقوا لمسلم يكون تركا للسنة ، اللهم إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل اللحد ، فإن الشق حينئذ متعين ، وقال فخر الإسلام في ( الجامع الصغير ) : وإن تعذر اللحد فلا بأس بتابوت يتخذ للميت ، لكن السنة أن يفرش فيه التراب . وقال صاحب المبسوط والمحيط والبدائع وغيرهم عن الشافعي : أن الشق أفضل عنده ، وهكذا نقله القرافي في الذخيرة عنه . وقال النووي في ( شرح المهذب ) : أجمع العلماء على أن اللحد والشق جائزان ، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل ، وإن كانت رخوة ينهار فالشق أفضل . ( قلت ) : فيه نظر من وجهين : الأول : أن الأرض إذا كانت رخوة يتعين الشق فلا يقال أفضل . والثاني : أنه يصادم الحديث الذي رواه الأئمة الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللحد لنا والشق لغيرنا " ومعنى " اللحد لنا " أي لأجل أموات المسلمين ، والشق لأجل أموات الكفار . وقال شيخنا زين الدين : المراد بقوله " لغيرنا " أهل الكتاب كما ورد مصرحا به في بعض طرق حديث جرير في مسند الإمام أحمد ، " والشق لأهل الكتاب " فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل اللحد للمسلمين والشق لأهل الكتاب فكيف يكونان سواء ؟! على أنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في اللحد أحاديث ، منها : حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما رواهما ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع ، عن العمري ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، وعن العمري ، عن نافع ، " عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى أن يلحد له " وروى ابن ماجه " عن عائشة قالت : لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لا تصخبوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا ، فجاء اللاحد يلحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دفن " وفي طبقات ابن سعد من رواية حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، " عن عائشة قالت : كان بالمدينة حفاران " وفي رواية : " قباران أحدهما يلحد والآخر يشق " الحديث . ومنها حديث سعد رواه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنها حديث أنس رواه ابن ماجه عنه قال : " لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح ، فقالوا : نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه ، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " ومنها حديث المغيرة رواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال : حدثنا أبو أسامة ، عن المجالد ، عن عامر قال : قال المغيرة بن شعبة : لحد بالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ومنها حديث بريدة رواه البيهقي ، " عن ابن بردة ، عن أبيه قال : أدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل القبلة ، وألحد له لحدا ، ونصب عليه اللبن نصبا " وفي سنده أبو بردة عن علقمة ، قال البيهقي : وأبو بردة هذا هو عمرو بن بريد التميمي الكوفي وهو ضعيف . ( قلت ) : لكون هذا الحديث حجة عليه بادر إلى تضعيفه . ومنها حديث أبي طلحة رواه ابن سعد في الطبقات قال : " اختلفوا في الشق واللحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال المهاجرون : شقوا كما يحفر أهل مكة ، وقالت الأنصار : ألحدوا كما يحفر بأرضنا ، فلما اختلفوا في ذلك قالوا : اللهم خر لنبيك ابعثوا إلى أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله ، قال : فجاء أبو طلحة فقال : والله إني لأرجو أن يكون الله قد خار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إنه كان يرى اللحد فيعجبه " ثم الحكمة في اختياره صلى الله عليه وسلم اللحد على الشق لكونه أستر للميت ، واختيار الشق للأنصار فإنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : " المحيا محياكم والممات مماتكم " فأراد إعلامهم بأنه إنما يموت عندهم ولا يريد الرجوع إلى بلده مكة ، فوافقهم أيضا في صفة الدفن ، واختار الله له ذلك ، وفيه حديث رواه السلفي عن أبي بن كعب يرفعه : " اللحد لآدم وغسل بالماء وترا ، وقالت الملائكة : هذه سنة ولده من بعده " 104 - حدثنا ابن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا الليث بن سعد قال : حدثني ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول : " أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء ، وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم " . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم في اللحد من قتلى أحد من كان أكثر أخذا للقرآن . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وابن مقاتل هو محمد بن مقاتل المروزي وهو من أفراده ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي . والحديث مر عن قريب أخرجه في باب الصلاة على الشهيد عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث إلى آخره نحوه ، وأخرجه في باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد عن سعيد بن سليمان عن الليث إلى آخره ، وأخرجه أيضا مختصرا في باب من لم ير غسل الشهيد عن أبي الوليد عن الليث إلى آخره ، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من يقدم في اللحد · ص 160 ( وأخبرنا الأوزاعي ، عن الزهري ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لقتلى أحد : أي هؤلاء أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى رجل قدمه في اللحد قبل صاحبه " ) أي : قال عبد الله : وأخبرنا عبد الرحمن الأوزاعي ، وهذا طريق منقطع ؛ لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر ؛ لأن جابرا توفي في سنة ثمان وثمانين ، وفي الكاشف : سنة ثمان وسبعين ، ومولد الزهري سنة ثمان وخمسين قاله الواقدي ، وقال أبو زرعة الدمشقي : مولده سنة خمسين . ( قلت ) : لقيه إياه ممكن ولكن سماعه منه لم يثبت ، وأما طريق ابن شهاب الأول فمتصل . ( وقال جابر : فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة ) ذكر في ( التلويح ) : أن قوله عمي يتبادر الذهن إليه أنه عم جابر ، وليس كذلك ، لأنه عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ، وعبد الله أبو جابر هو ابن عمرو بن حرام ، فهو ابن عمه وزوج أخته هند بنت عمرو ، فسماه عما تعظيما له وتكريما ، ذكره أبو عمر وغيره ، وقال الكرماني : قوله عمي قيل هذا تصحيف أو وهم ؛ لأن المدفون مع أبيه هو عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي ، ويحتمل أن يجاب عنه أنه أطلق العم عليه مجازا كما هو عادتهم فيه ، لا سيما وكان بينهما قرابة . وقال النووي : إن عبد الله وعمرا كانا صهرين ، والنمرة بفتح النون وكسر الميم بردة من صوف أو غيره مخططة ، وقال القزاز : هي دراعة فيها لونان سواد وبياض ، ويقال للسحابة إذا كانت كذلك نمرة ، وقال الكرماني : النمرة بردة من صوف تلبسها الأعراب ، وهي بكسر الميم وسكونها ويجوز كسر النون مع سكون الميم . ( فإن قلت ) : ذكر الواقدي في المغازي ، وابن سعد : أنهما كفنا في ثوبين . ( قلت ) : إذا ثبت ذلك حمل على أن النمرة شقت بينهما نصفين . ( وقال سليمان بن كثير : حدثني الزهري قال : حدثني من سمع جابرا رضي الله عنه ) سليمان بن كثير ضد قليل العبدي أبو محمد ، قال النسائي : ليس به بأس إلا في الزهري ، وقال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال الكرماني : واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر ، والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما ، وسليمان ذكر واسطة مجهولا فاعلم ذلك ، وقال الدارقطني : اضطرب فيه الزهري ومنع بعضهم الاضطراب بقوله : لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهري حمله عن شيخين ، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهري وصدق الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه لأن الحجة لمن ضبط وزاد إذا كان ثقة لا سيما إذا كان حافظا . ( قلت ) : الاختلاف على الثقات والإبهام مما يورث الاضطراب ولا يندفع ذلك بما ذكره .