6 - بَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ 12 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) هُوَ مُنَوَّنٌ ، وَفِيهِ مَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْإِسْلَامِ ) لِلْأَصِيلِيِّ مِنَ الْإِيمَانِ أَيْ : مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ . وَلَمَّا اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ بِحَدِيثِ الشُّعَبِ تَتَبَّعَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ الصَّحِيحَةِ مِنْ بَيَانِهَا ، فَأَوْرَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا ، وَتَرْجَمَ هُنَا بِقَوْلِهِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلَمْ يَقُلْ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ . كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ إِشْعَارًا بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَيْنِ وَتَعَدُّدِ السُّؤَالَيْنِ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ) هُوَ الْحَرَّانِيُّ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَصَحَّفَ مَنْ ضَمَّهَا . قَوْلُهُ : ( اللَّيْثُ ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ فَقِيهُ أَهْلِ مِصْرَ ، عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْفَقِيهُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ ، وَقِيلَ إِنَّهُ أَبُو ذَرٍّ ، وَفِي ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ هَانِئُ بْنُ يَزِيدَ وَالِدُ شُرَيْحٍ . سَأَلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ) فِيهِ مَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ السُّؤَالِ ، وَالتَّقْدِيرِ : أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ ؟ وَإِنَّمَا لَمْ أَخْتَرْ تَقْدِيرَ خِصَالٍ فِي الْأَوَّلِ فِرَارًا مِنْ كَثْرَةِ الْحَذْفِ ، وَأَيْضًا فَتَنْوِيعُ التَّقْدِيرِ يَتَضَمَّنُ جَوَابَ مَنْ سَأَلَ فَقَالَ : السُّؤَالَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْجَوَابُ مُخْتَلِفٌ . فَيُقَالُ لَهُ : إِذَا لَاحَظْتَ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ بَانَ الْفَرْقُ . وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ ، إِذِ الْإِطْعَامُ مُسْتَلْزِمٌ لِسَلَامَةِ الْيَدِ وَالسَّلَامُ لِسَلَامَةِ اللِّسَانِ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْغَالِبِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَفْضَلِيَّةِ ، إِنْ لُوحِظَ بَيْنَ لَفْظِ أَفْضَلَ وَلَفْظِ خَيْرٍ فَرْقٌ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْفَضْلُ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِلَّةِ ، وَالْخَيْرُ بِمَعْنَى النَّفْعِ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرِّ ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْكَمِّيَّةِ وَالثَّانِي مِنَ الْكَيْفِيَّةِ فَافْتَرَقَا . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَرْقَ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا اخْتَصَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ الْمَقُولَةِ ، أَمَّا إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُعْقَلُ تَأَتِّيهِ فِي الْأُخْرَى فَلَا . وَكَأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ خَيْرٍ اسْمٌ لَا أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اتِّحَادِ السُّؤَالَيْنِ جَوَابٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ السَّائِلِينَ أَوِ السَّامِعِينَ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ تَحْذِيرُ مَنْ خُشِيَ مِنْهُ الْإِيذَاءُ بِيَدٍ أَوْ لِسَانٍ فَأُرْشِدَ إِلَى الْكَفِّ ، وَفِي الثَّانِي تَرْغِيبُ مَنْ رُجِيَ فِيهِ النَّفْعُ الْعَامُّ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فَأُرْشِدَ إِلَى ذَلِكَ ، وَخَصَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ ، وَلِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَثَّ عَلَيْهِمَا أَوَّلَ مَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ . قَوْلُهُ : ( تُطْعِمُ ) هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ ، أَيْ : أَنْ تُطْعِمَ ، وَمِثْلُهُ تَسْمَعَ بِالْمُعَيْدِيِّ . وَذَكَرَ الْإِطْعَامَ لِيَدْخُلَ فِيهِ الضِّيَافَةُ وَغَيْرُهَا . قَوْلُهُ : ( وَتَقْرَأُ ) بِلَفْظِ مُضَارِعِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى تَقُولُ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : تَقُولُ اقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، وَلَا تَقُولُ أَقْرِئْهُ السَّلَامَ ، فَإِذَا كَانَ مَكْتُوبًا قُلْتُ أَقْرِئْهُ السَّلَامَ ، أَيِ : اجْعَلْهُ يَقْرَؤُهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) أَيْ : لَا تَخُصَّ بِهِ أَحَدًا تَكَبُّرًا أَوْ تَصَنُّعًا ، بَلْ تَعْظِيمًا لِشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاةً لِأُخُوَّةِ الْمُسْلِمِ . فَإِنْ قِيلَ : اللَّفْظُ عَامٌّ فَيَدْخُلُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ وَالْفَاسِقُ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى أَوْ أَنَّ النَّهْيَ مُتَأَخِّرٌ وَكَانَ هَذَا عَامًّا لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ ، وَأَمَّا مَنْ شَكَّ فِيهِ فَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَثْبُتَ الْخُصُوصُ . ( تَنْبِيهَانِ ) : الْأَوَّلُ : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَظِيرَ هَذَا السُّؤَالِ ، لَكِنْ جَعَلَ الْجَوَابَ كَالَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، فَادَّعَى ابْنُ مَنْدَهْ فِيهِ الِاضْطِرَابَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ اتَّحَدَ إِسْنَادُهُمَا ، وَافَقَ أَحَدُهُمَا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى . وَلِثَانِيهِمَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ . الثَّانِي : هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَالَّذِي قَبْلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا كُوفِيُّونَ ، وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقَيْهِ بَصْرِيُّونَ ، فَوَقَعَ لَهُ التَّسَلْسُلُ فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَلَاءِ . وَهُوَ مِنَ اللَّطَائِفِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ · ص 71 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إطعام الطعام من الإسلام · ص 37 فصل خرج البخاري ومسلم : 12 - من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وخرجه مسلم أيضا . جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام . وفي المسند عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : لين الكلام ، وإطعام الطعام . ومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا . وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى . وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان . وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ؛ فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا . وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص . ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : ذاك إبراهيم . وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول أفضل بمعنى فاضل ، وقال : إن أفعل لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه . وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله : وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعا : إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة . ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إطعام الطعام من الإسلام · ص 136 باب إطعام الطعام من الإسلام الكلام مثل الكلام فيما قبله في الإعراب وتركه ، وفي رواية الأصيلي من الإيمان موضع من الإسلام ، والتقدير : إطعام الطعام من شعب الإسلام أو الإيمان ، وذلك ؛ لأنه لما قال أولا باب أمور الإيمان ، وذكر فيه أن الإيمان له شعب ، ذكر عقيبه أبوابا كل باب منها يشتمل على شيء من الشعب ، وهذا الباب فيه شعبتان : الأولى : إطعام الطعام ، والثانية إقراء السلام مطلقا ، وبقيت المناسبة بين البابين ، وهي أن الباب الأول فيه أفضلية من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وقد ذكرنا أن المراد من الأفضلية الخيرية ، وأكثرية الثواب ، وهذا الباب فيه خيرية من يطعم الطعام ، ويقرأ السلام ، ولا شك أن المطعم في سلامة من لسانه المطعم ويده ؛ لأنه لم يطعمه إلا عن قصد خير له ، وكذلك المسلم عليه في سلامة من لسان المسلم ويده ؛ لأن معنى السلام عليك أنت سالم مني ومن جهتي . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : باب : أي الإسلام خير ، كما قال في الباب الأول : أي الإسلام أفضل ؟ قلت : لاختلاف المقام ؛ لأن أفضليته هناك راجعة إلى الفاعل ، والخيرية هاهنا راجعة إلى الفعل ، وهذا وجه ، وأحسن من الذي قاله الكرماني ، وهو أن الجواب هاهنا ، وهو تطعم الطعام صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإطعام من الإسلام بخلاف ما تقدم إذ ليس صريحا في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام ، انتهى . قلت : إذا كان من سلم المسلمون من لسانه ويده أفضل ذوي الإسلام فبالضرورة إطعام الطعام يكون بكون السلامة منه من الإسلام على أن الكناية أبلغ من التصريح فافهم . فإن قلت : هل فرق بين أفضل وبين خير . قلت : لا شك أنهما من باب التفضيل ، لكن الفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة ، والخير يعني النفع في مقابلة الشر ، والأول من الكمية ، والثاني من الكيفية ، وتعقبه بعضهم بقوله : الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة ، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا ، وكأنه بني على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل ، انتهى . قلت : الفرق تام بلا شك ؛ لأن الفضل في اللغة الزيادة ، ويقابله القلة ، والخير إيصال النفع ، ويقابله الشر ، والأشياء تتبين بضدها ، وفي العباب الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة ، وقال الخير ضد الشر ، وقوله : كأنه بنى على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل ليس موضع التشكيك ؛ لأن لفظة خير هاهنا أفعل التفضيل قطعا ؛ لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية ، وإنما السؤال عن وصف زائد ، وهو الأخيرية غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه ، فيقال : زيد خير من عمرو ، على معنى أخير منه ، ولهذا لا يثنى ، ولا يجمع ، ولا يؤنث . 1 - حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزءا منه فبوب عليه . فإن قلت : لم بوب على الجزء الأول ، ولم يقل : باب إقراء السلام على من عرف ، ومن لم يعرف من الإسلام . قلت : لا شك أن كون إطعام الطعام من الإسلام أقوى وآكد من كون إقراء السلام منه ، ولأن السلام لا يختلف بحال من الأحوال بخلاف الإطعام فإنه يختلف بحسب الأحوال ، فأدناه مستحب ، وأعلاه فرض ، وبينهما درجات أخر ، ولأن التبويب بالمقدم ، والمصدر أولى على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو الحسن عمرو ، بفتح العين بن خالد بن فروخ ، بفتح الفاء ، وتشديد الراء المضمومة ، وفي آخره خاء معجمة ابن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد بن عبد الله الحراني ، سكن مصر ، روى عن الليث بن سعد ، وعبيد الله بن عمر ، وغيرهما ، روى عنه الحسن بن محمد الصباح ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقال : صدوق ، وقال أحمد بن عبد الله : ثبت ثقة مصري ، انفرد البخاري بالرواية عنه دون أصحاب الكتب الخمسة ، وروى ابن ماجه عن رجل عنه ، توفي بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : الليث بن سعد المصري الإمام المشهور المتفق على جلالته ، وإمامته ، ويكنى بأبي الحارث مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، وأهل بيته يقولون : نحن من الفرس من أهل أصبهان ، والمشهور أنه فهمي ، وفهم من قيس غيلان ، ولد بقلقشندة قرية على نحو أربعة فراسخ من مصر ، روى عن جماعة كثيرين ، وروى عن أبي حنيفة ، وعده أصحابنا من أصحاب أبي حنيفة ، وكذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان ، وروى عنه خلق كثير ، وقال أحمد : ثقة ثبت ، وكان سريا نبيلا ، سخيا له ضيافة ، ولد في سنة أربع وتسعين ، ومات يوم الجمعة النصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة . الثالث : يزيد بن أبي حبيب ، واسم أبي حبيب سويد المصري ، أبو رجاء تابعي جليل سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة ، وخلقا من التابعين ، روى عنه سليمان التيمي ، وإبراهيم بن يزيد ، ويحيى بن أيوب ، وخلق كثير من أكابر مصر . قال ابن يونس : كان يفتي أهل مصر في زمانه ، وكان حليما عاقلا ، وهو أول من أظهر العلم بمصر ، والفقه ، والكلام بالحلال والحرام ، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون بالفتن والملاحم ، وكان أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الفتيا بمصر ، وعنه قال كان يزيد نوبيا من أهل دنقلة فابتاعه شريك بن الطفيل العامري فأعتقه ، ولد سنة ثلاث وخمسين ، وقال ابن سعد : مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة أيضا . الرابع : أبو الخير بالخاء المعجمة . مرثد ، بفتح الميم ، وسكون الراء ، وفتح الثاء المثلثة أبو عبد الله اليزني المصري ، روى عن عمرو بن العاص ، وسعيد بن زيد ، وأبي أيوب الأنصاري ، وغيرهم ، توفي سنة تسعين ، روى له الجماعة . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد تقدم . ( بيان الأنساب ) الحراني نسبة إلى حران ، بفتح الحاء ، وتشديد الراء المهملتين في آخره نون بعد الألف مدينة عظيمة قديمة تعد من ديار مصر ، واليوم خراب ، وقيل : هي مولد إبراهيم الخليل ، ويوسف ، وإخوته عليهم الصلاة والسلام . اليزني ، بفتح الياء آخر الحروف ، والزاي المعجمة ، بعدها نون نسبة إلى ذي يزن ، وهو عامر بن أسلم بن الحارث ابن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر ، وإليه تنسب الأسنة اليزنية ، وهو أول من عمل سنان حديد ، وإنما كانت أسنتهم صياصي البقر ، وقيل : يزن موضع . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ليس إلا ، ومنها أن رواته كلهم مصريون ، وهذا من الغرائب ؛ لأنه في غاية القلة ، ومنها أن رواته كلهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في باب الإيمان بعد هذا بأبواب عن قتيبة بن سعيد ، وفي الاستئذان أيضا في باب السلام للمعرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف ، كلهم قالوا : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد ، عن ابن عمرو رضي الله عنه . وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ، وابن رمح عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير عنه . وأخرجه النسائي في الإيمان ، وأبو داود في الأدب جميعا عن قتيبة به ، وابن ماجه في الأطعمة عن محمد بن رمح به . ( بيان الإعراب ) قوله : أن رجلا لم يعرف هذا من هو ، وقيل : أبو ذر . قوله : أي الإسلام خير مبتدأ وخبر ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : قال الضمير فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : تطعم في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير أن ، أي : هو أن تطعم ، فـإن مصدرية ، والتقدير ، هو إطعام الطعام ، وهذا نظير قولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، أي : أن تسمع ، أي : سماعك ، غير أن في هذا المؤول مبتدأ ، وفي الحديث المؤول خبر . قوله : وتقرأ بفتح التاء ، وضم الهمزة ؛ لأنه مضارع قرأ . قوله : السلام بالنصب مفعوله ، وقوله : على يتعلق بقوله : تقرأ ، وكلمة من موصولة ، وعرفت جملة صلتها ، والعائد محذوف ، والتقدير : عرفته ، وقوله : ومن لم تعرف عطف على من عرفت ، وهذه الجملة نظير الجملة السابقة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها أن فيه حثا على إطعام الطعام الذي هو أمارة الجود والسخاء ، ومكارم الأخلاق ، وفيه نفع للمحتاجين ، وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها أن فيه إفشاء السلام الذي يدل على خفض الجناح للمسلمين ، والتواضع ، والحث على تألف قلوبهم ، واجتماع كلمتهم ، وتواددهم ، ومحبتهم . ومنها الإشارة إلى تعميم السلام ، وهو أن لا يخص به أحدا دون أحد كما يفعله الجبابرة ؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة ، وهم متساوون في رعاية الإخوة ، ثم هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تبدءوا اليهود ، ولا النصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه . رواه البخاري ، وكذلك خص منه الفاسق بدليل آخر ، وأما من يشك فيه فالأصل فيه البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص ، ويمكن أن يقال : إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ، ثم ورد النهي . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم قال : تطعم الطعام ، ولم يقل : تؤكل ونحوه من الألفاظ الدالة عليه ، وأجيب بأن لفظة : الإطعام عام يتناول الأكل والشرب ، والذوق . قال الشاعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا فإنه عطف البرد الذي هو النوم على النقاخ ، بضم النون ، وبالقاف والخاء المعجمة ، الذي هو الماء العذب ، وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي : ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، وبعمومه يتناول الضيافة ، وسائر الولائم ، وإطعام الفقراء وغيرهم ، ومنها ما قيل : إن باب أطعمت يقتضي مفعولين ، يقال : أطعمته الطعام ، فما المفعول الثاني هنا ، ولم حذفه ، وأجيب بأن التقدير أن تطعم الخلق الطعام ، وحذف ليدل على التعميم إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد ، سواء كان المطعم مسلما أو كافرا أو حيوانا ، ونفس الإطعام أيضا سواء كان فرضا أو سنة أو مستحبا . ومنها ما قيل : لم قال : وتقرأ السلام ، ولم يقل : وتسلم . أجيب بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن بالسلام . قال أبو حاتم السجستاني : تقول : اقرأ عليه السلام ، وأقرئه الكتاب ، ولا تقول : أقرئوه السلام إلا في لغة إلا أن يكون مكتوبا ، فتقول : أقرئه السلام ، أي : اجعله يقرؤه ، وفيه إشارة أيضا إلى أن تحية المسلمين بلفظ السلام ، وزيدت لفظة القراءة تنبيها على تخصيص هذه اللفظة في التحيات مخالفة لتحايا أهل الجاهلية بألفاظ ، وضعوها لذلك . ومنها ما قيل : لم خص هاتين الخصلتين في هذا الحديث ؟ وأجيب بأن المكارم لها نوعان : أحدهما : مالية ، أشار إليها بقوله : تطعم الطعام ، والآخر : بدنية ، أشار إليها بقوله : وتقرأ السلام . ويقال : وجه تخصيص هاتين الخصلتين وهو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد ، ولمصلحة التأليف ، ويدل على ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث عليهما أول ما دخل المدينة . كما رواه الترمذي مصححا من حديث عبد الله بن سلام ، قال : أول ما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت ممن جاءه ، فلما تأملت وجهه ، واشتبهته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب . قال : وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال : أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام . وقال الخطابي : جعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان ، ثم جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص من عرف ومن لم يعرف حتى يكون خالصا لله تعالى ، بريئا من حظ النفس ، والتصنع ؛ لأنه شعار الإسلام ، فحق كل مسلم فيه شائع . ورد في حديث : إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون . ومنها ما قيل : جاء في الجواب هاهنا أن الخير أن تطعم الطعام ، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون فما وجه التوفيق بينهما ، أجيب بأن الجوابين كانا في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس ، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ، ولسانه ، وإيذاء المسلمين ، ومن الثاني : إمساك من الطعام ، وتكبر فأجابهما على حسب حالهما ، أو علم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك ، والثاني عن خير الأفعال ، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار ، والثاني عما يجلب المسار ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد ، والسلام لسلامة اللسان . قلت : ينبغي أن يقيد هذا بالغالب أو في العادة فافهم .