17 - بَاب حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ 152 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ . الْعَنَزَةُ : عَصًا عَلَيْهِ زُجٌّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ) الْعَنَزَةُ بِفَتْحِ النُّونِ عَصًا أَقْصَرُ مِنَ الرُّمْحِ لَهَا سِنَانٌ ، وَقِيلَ هِيَ الْحَرْبَةُ الْقَصِيرَةُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ : الْعَنَزَةُ عَصًا عَلَيْهَا زُجٌّ بِزَايٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ : سِنَانٍ ، وَفِي الطَّبَقَاتِ لِابْنِ سَعْدٍ : أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَهَا كَانَتْ عَلَى صِفَةِ الْحَرْبَةِ لِأَنَّهَا مِنْ آلَاتِ الْحَبَشَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ) أَيْ : أَنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظَةَ أَنَّهُ تُحْذَفُ فِي الْخَطِّ عُرْفًا . قَوْلُهُ : ( يَدْخُلُ الْخَلَاءَ ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْفَضَاءُ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ وَلِقَرِينَةِ حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ إِلَيْهَا إِنَّمَا تَكُونُ حَيْثُ لَا سُتْرَةَ غَيْرَهَا . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخْلِيَةَ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ كَانَ خِدْمَتُهُ فِيهَا مُتَعَلِّقَةً بِأَهْلِهِ . وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تُحْمَلُ لِيَسْتَتِرَ بِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ضَابِطَ السُّتْرَةِ فِي هَذَا مَا يَسْتُرُ الْأَسَافِلَ وَالْعَنَزَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ . نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْكُزَهَا أَمَامَهُ وَيَضَعَ عَلَيْهَا الثَّوْبَ السَّاتِرَ ، أَوْ يَرْكَزَهَا بِجَنْبِهِ لِتَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَنْعِ مَنْ يَرُومُ الْمُرُورَ بِقُرْبِهِ ، أَوْ تُحْمَلُ لِنَبْشِ الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ ، أَوْ لِمَنْعِ مَا يَعْرِضُ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ ، لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعُدُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، أَوْ تُحْمَلُ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَنْجَى تَوَضَّأَ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ صَلَّى ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَوْجُهِ ، وَسَيَأْتِي التَّبْوِيبُ عَلَى الْعَنَزَةِ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ . وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى غَسْلِ الْبَوْلِ كَمَا سَيَأْتِي . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الْأَحْرَارِ - خُصُوصًا إِذَا أُرْصِدُوا لِذَلِكَ - لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ عَلَى التَّوَاضُعِ . وَفِيهِ أَنَّ فِي خِدْمَةِ الْعَالِمِ شَرَفًا لِلْمُتَعَلِّمِ ; لِكَوْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَدَحَ ابْنَ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ . وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ حَيْثُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَ عَذْبًا . وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَضُّؤِ مِنَ الْأَوَانِي دُونَ الْأَنْهَارِ وَالْبِرَكِ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا لَوْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ الْأَنْهَارَ وَالْبِرَكَ فَعَدَلَ عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ النَّضْرُ ) أَيِ : ابْنُ شُمَيْلٍ ، تَابَعَ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَشَاذَانُ ) أَيِ : الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّلَاةِ وَلَفْظُهُ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي لِتَوَافُقِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذِكْرِ الْعَنَزَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَجَمِيعُ الرُّوَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ بَصْرِيُّونَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ · ص 303 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء · ص 292 باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء أي : هذا باب في بيان حمل العنزة ، وهي بفتح العين المهملة وفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح ، وفي طرفها زج كزج الرمح ، والزج الحديدة التي في أسفل الرمح ، يعني السنان ، وفي التلويح : العنزة عصا في طرفها الأسفل زج يتوكأ عليها الشيخ ، وفي البخاري : قال الزبير بن العوام : رأيت سعيد بن العاصي ، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينه حتى أخرجتها متفقئة على حدقته ، فأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت تحمل بين يديه ، وبعده بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ، ثم طلبها ابن الزبير رضي الله عنهما ، فكانت عنده حتى قتل ، وفي مفاتيح العلوم لأبي عبد الله محمد بن أحمد الخوارزمي : هذه الحربة وتسمى العنزة كان النجاشي أهداها للنبي عليه الصلاة والسلام ، فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلى ، وتوارثها من بعده الخلفاء رضي الله تعالى عنهم ، وفي الطبقات : أهدى النجاشي إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - ثلاث عنزات ، فأمسك واحدة لنفسه ، وأعطى عليا واحدة ، وأعطى عمر واحدة ، وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى . 18 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، سمع أنس بن مالك يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « وعنزة يستنجي بالماء » . ( بيان رجاله ) وهم خمسة ، قد ذكروا غير مرة ، ومحمد بن بشار لقبه بندار ، ومحمد بن جعفر لقبه غندر ، وقد ذكرناه مبسوطا . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن فيه سمع أنس بن مالك ، وفي الرواية السابقة : سمعت أنسا ، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الأول : إخبار عن عطاء ، والثاني : حكاية عن لفظه ، ومحصلهما واحد ، ومنها أن رواته أئمة أجلاء . ( بيان اللغات والإعراب والمعنى ) . قوله : « الخلاء » بالمد هو التبرز ، والمراد به هاهنا الفضاء ، ويدل عليه الرواية الأخرى : كان إذا خرج لحاجته ، ويدل عليه أيضا حمل العنزة مع الماء ؛ فإن الصلاة إليها إنما تكون حيث لا سترة غيرها ، وأيضا فإن الأخلية التي هي الكنف في البيوت يتولى خدمته فيها عادة أهله ، قوله : « يدخل الخلاء » جملة في محل النصب على أنها خبر كان ، والخلاء منصوب بتقدير في ، أي : في الخلاء ، وهو من قبيل دخلت الدار ، قوله : « وعنزة » بالنصب عطف على قوله : « إداوة » قوله : « يستنجي بالماء » جملة استئنافية كأن قائلا يقول : ما كان يفعل بالماء ؟ قال : يستنجي به . قوله : « سمع أنس بن مالك » تقديره أنه سمع ، ولفظة أنه تحذف في الخط وتثبت في التقدير ، قوله : « وعنزة » أي : ونحمل أيضا عنزة ، وكانت الحكمة في حملها كثيرة ، منها ليصلي إليها في الفضاء ، ومنها ليتقي بها كيد المنافقين واليهود ؛ فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حالة ، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها ، ومنها لاتقاء السبع والمؤذيات من الحيوانات ، ومنها لنبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشاش ، ومنها لتعليق الأمتعة ، ومنها للتوكؤ عليها ، ومنها ما قال بعضهم : أنها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة ، وهذا بعيد ؛ لأن ضابط السترة في هذا مما يستر الأسافل والعنزة ليست كذلك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء · ص 293 تابعه النضر وشاذان عن شعبة أي تابع محمد بن جعفر النضر بن شميل ، وحديثه موصول عند النسائي ، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل ، بضم الشين المعجمة المازني البصري أبو الحسن من تبع التابعين ، الساكن بمرو ، وقال ابن المبارك : هو درة بين مروين ضائعة ، يعني كورة مرو وكورة مرو الروذ ، وهو إمام في العربية والحديث ، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان ، وكان أروى الناس عن شعبة ، ألف كتبا لم يسبق إليها ، مات آخر سنة ثلاث أو أربع ومائتين عن نيف وثمانين سنة . قوله : « وشاذان » بالرفع عطف على النضر ، أي : تابع محمد بن جعفر بن شاذان وحديثه موصول عند البخاري في الصلاة على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، وشاذان بالشين المعجمة والذال المعجمة ، وفي آخره نون ، وهو لقب الأسود بن عامر الشامي البغدادي أبو عبد الرحمن ، روى عن شعبة وخلق ، وعنه الدارمي وخلق ، مات سنة ثمان ومائتين ، وشاذان أيضا لقب عبد العزيز بن عثمان بن جبلة الأزدي مولاهم المروزي ، أخرج له البخاري والنسائي ، وهو والد خلف بن شاذان ، وكأنه معرب ، ومعناه بالفارسية فرحان ، وقال الكرماني : ويحتمل أن البخاري روى عنه ، أي : بلا واسطة ، أو روى له ، أي : بالواسطة ، فهو إما متابعة تامة أو متابعة ناقصة ، وفائدتها التقوية . قلت : روى له البخاري كما ذكرنا بواسطة ، فقال : حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال : حدثنا شاذان ، عن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول : كان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام معنا عكازة أو عصا أو عنزة ومعنا إداوة ؛ فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإداوة . العنزة عصا عليه زج هذا التفسير وقع في رواية كريمة لا غير ، والزج بضم الزاي المعجمة وبالجيم المشددة هو السنان ، وفي العباب : الزج نصل السهم ، والحديدة في أسفل الرمح ، والجمع زججة وزجاج ، ولا تقل أزجة ، ثم اعلم أن العنزة هل هي قصيرة أو طويلة ؟ فيه اضطراب لأهل اللغة ، صحح الأول القاضي عياض ، والثاني النووي في شرحه ، وجزم القرطبي في باب من قدم من سفر بأنها عصا مثل نصب الرمح أو أكثر ، وفيها زج ، ونقله عن ابن عبيد ، وفي غريب ابن الجوزي أنها مثل الحربة ، قال الثعالبي : فإن طالت شيئا فهي النيزك ، ومطرد ؛ فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة ، وقال ابن التين : العنزة أطول من العصا وأقصر من الرمح ، وفيه : زج كزج الرمح ، وعبارة الداودي : العنزة العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها ، يكون في أسفلها قرن أو زج ، وقال الحربي عن الأصمعي : العنزة ما دور نصله ، والآلة والحربة العريضة النصل ، وقيل : الحربة ما لم يعرض نصله . والله أعلم .