14 - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنْ الْإِيمَانِ 21 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ كَرِهَ ) يَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ وَالْإِضَافَةُ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَنْ مُبْتَدَأٌ وَ مِنَ الْإِيمَانِ خَبَرُهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ ، وَمُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لَهُ ظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّبْوِيبِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْمَتْنِ مَعَ أَنَّهُ غَايَرَ الْإِسْنَادَ هُنَا إِلَى أَنَسٍ . وَ مَنْ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مَوْصُولَةٌ بِخِلَافِ الَّتِي بَعْدَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهَا شَرْطِيَّةٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنْ الْإِيمَانِ · ص 91 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان · ص 85 فصل 21 - تقدم عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان . وقد تقدم من رواية أبي قلابة عن أنس ، وزاد في رواية قتادة : ومن كره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه . وقوله : بعد إذ أنقذه الله منه - لا يستلزم أنه كان واقعا فيه ؛ فإن كل من أدخل الله الإسلام في قلبه فقد أنقذه الله من الكفر وإن لم يكن قد وقع في الكفر قبل ذلك ؛ وهذا كما قال شعيب عليه السلام : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وقال تعالى : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا وقال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ والمراد أنه ينجيهم من الشرك ، ويدخلهم في الإيمان ؛ وكثير منهم لم يكن داخلا في الشرك قط .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان · ص 167 باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان أي : هذا باب من كره ، ويجوز في باب التنوين ، والوقف ، والإضافة إلى الجملة ، وعلى كل التقدير . قوله : من مبتدأ ، وخبره قوله : من الإيمان ، وأن في الموضعين مصدرية ، وكذلك كلمة ما ومن موصولة ، وكره أن يعود صلتها ، وفيه حذف تقدير الكلام باب كراهة من كره العود في الكفر ككراهة الإلقاء في النار من شعب الإيمان ، والكراهة ضد الإرادة ، والرضا والعود بمعنى الصيرورة . وقال الكرماني ضمن فيه معنى الاستقرار حتى عدى بفي ، ونحوه . قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قلت : في تجيء بمعنى إلى كما في قوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وجه المناسبة بين البابين أن في الباب الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أصحابه بعمل كانوا يسألونه أن يعملوا بأكثر من ذلك ، وذلك لوجدانهم حلاوة الإيمان من شدة محبتهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وهذا الباب أيضا يتضمن هذا المعنى ؛ لأن فيه من أحب الله ، ورسوله أكثر مما يحب غير الله ورسوله فإنه يفوز بحلاوة الإيمان . 1 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه ، وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث مشتمل على ثلاثة أشياء ، وفيما مضى بوبه على جزء منه ، وهاهنا بوب على جزء آخر ؛ لأن عادته قد جرت في التبويب على ما يستفاد من الحديث ، ولا ، يقال : : إنه تكرار ؛ لأن بينه ، وبين ما سبق تفاوت كثير في الإسناد والمتن ، أما في الإسناد ففيما مضى عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وهاهنا عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس . وأما في المتن ففيما مضى لفظه أن يكون الله ورسوله أحب ، وأن يحب المرء ، وأن يكره ، وأن يقذف موضع أن يلقى ، وهاهنا كما تراه مع زيادة بعد أن أنقذه الله على أن المقصود من إيراده هاهنا تبويب آخر غير ذلك التبويب لما قلنا ، وأما شيخ البخاري هاهنا فهو أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل ، بفتح الباء الموحدة ، والجيم المكسورة ، بعدها الياء آخر الحروف الساكنة ، وفي آخره لام . الأزدي الواشحي بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة البصري ، وواشح بطن من الأزد سكن مكة ، وكان قاضيها سمع شعبة ، والحمادين ، وغيرهم . وعنه أحمد والذهلي ، والحميدي والنجاري ، وهؤلاء شيوخه ، وقد شاركهم في الرواية عنه ، وروى عنه أبو داود أيضا ، وروى مسلم ، والترمذي ، وابن ماجه ، عن رجل ، عنه . قال أبو حاتم : هو إمام من الأئمة لا يدلس ، ويتكلم في الرجال والفقه ، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف ما رأيت في يده كتابا قط ، ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحرزوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل . قال البخاري : ولد سنة أربعين ومائة ، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين ، وكانت وفاته بالبصرة ، وكان قد عزل من قضاء مكة ، ورجع إليها . ( ومن لطائف إسناده ) أنهم كلهم بصريون ، وهو أحد ضروب علو الرواية . قوله : ثلاث ، أي : ثلاث خصال أو خلال ، وقد مر الإعراب فيه . قوله : من كان الله يجوز في إعرابه الوجهان أحدهما أن يكون بدلا من ثلاث أو بيانا ، والآخر أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، وتقدير الأول : من الذين فيهم الخصال الثلاث من كان الله إلى آخره ، ويجوز أن يكون خبرا لقوله ثلاث على تقدير كون الجملة الشرطية صفة لثلاث ، وقال الكرماني : يقدر قبل من الأولى والثانية لفظة محبة ، وقيل : من الثالثة : لفظ كراهة ، أي : محبة من كان ومن أحب ، وكراهة من كره ، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه ، وغلبة المحبة والكراهة عليهم جاز حذف المضاف منها . قلت : لا حاجة إلى هذا التقدير لاستقامة الإعراب ، والمعنى بدونه على ما لا يخفى . قوله : بعد إذ أنقذه الله بعد نصب على الظرف ، وإذ كلمة ظرف كما في قوله تعالى : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومعنى أنقذه الله : خلصه ونجاه ، وهو من الإنقاذ ، وثلاثيه النقذ . قال ابن دريد : النقذ مصدر نقذ بالكسر ينقذ نقذا بالتحريك إذا نجى . قال تعالى : فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا أي : خلصكم ، يقال : أنقذته ، واستنقذته ، وتنقذته إذا خلصته ، ونجيته . قال تعالى : لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ وفي ( العباب ) : والتركيب يدل على الاستخلاص .