67 - بَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ ، وَقَالَ حَمَّادٌ : لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى - نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ - أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ : وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ . 235 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : أَلْقُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ ) أَيْ هَلْ يُنَجِّسُهُمَا أَمْ لَا ، أَوْ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ أَثَرٍ وَحَدِيثٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ) وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ ) أَيْ لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ ، وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ ، وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ ، لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ . وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، إِلَّا أَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ احْتِيَاطًا ، وَخَصَّصَ بِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِلْقَوْلِ فِي هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ ، لَكِنْ لَا أَعْلَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ، يَعْنِي فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ ) أَيْ لَيْسَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رِيشَ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوِ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ ) أَيْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ ( أَدْرَكْتُ نَاسًا ) أَيْ كَثِيرًا وَالتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَيَدَّهِنُونَ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانُ الدَّالِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِطَهَارَتِهِ ، وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمُ ) لَمْ يَذْكُرِ السَّرْخَسِيُّ ، إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَأَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالتِّجَارَةِ فِي الْعَاجِ بَأْسًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ طَاهِرًا ; لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ بَيْعَ النَّجِسِ وَلَا الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِدَلِيلِ قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الزَّيْتِ . وَالْعَاجُ هُوَ نَابُ الْفِيلِ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : لَا يُسَمَّى غَيْرُهُ عَاجًا ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : أَنْكَرَ الْخَلِيلُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُ نَابِ الْفِيلِ عَاجًا ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ ، وَالْجَوْهَرِيُّ : الْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ ، فَلَمْ يُخَصِّصَاهُ بِالنَّابِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ : الْعَاجُ الذَّبْلُ وَهُوَ ظَهْرُ السُّلَحْفَاءِ الْبَحْرِيَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَفِي الصِّحَاحِ : الْمِسْكُ السِّوَارُ مِنْ عَاجٍ أَوْ ذَبْلٍ ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا . لَكِنْ قَالَ الْقَالِي : الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِي الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى طَهَارَةِ عَظْمِ الْفِيلِ ، لَكِنَّ إِيرَادَ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ أَثَرِ الزُّهْرِيِّ فِي عَظْمِ الْفِيلِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مَا قَالَ الْخَلِيلُ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَظْمِ الْفِيلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ هَلْ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ أَمْ لَا ، فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الشَّافِعِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَظْمَ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ بِطَهَارَةِ الْعِظَامِ مُطْلَقًا ، وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ طَاهِرٌ إِنْ ذُكِّيَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ إِنَّ غَيْرَ الْمَأْكُولِ يَطْهُرُ بِالتَّذْكِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مَيْمُونَةَ ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَالسَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ هِيَ مَيْمُونَةُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَجُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَمَاتَتْ . قَوْلُهُ : ( وَمَا حَوْلَهَا ) أَيْ مِنَ السَّمْنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ · ص 408 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقع من النجاسات في السمن والماء · ص 157 ( باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء ) أي هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء ، فكلمة " ما " مصدرية ، وكلمة " من " بيانية ، وقال بعضهم : باب ما يقع إلخ ، أي هل ينجسهما أم لا ، أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره ، قلت : لا حاجة إلى هذا التفسير ، فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه قدر ما قدره . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ؟ قلت : من حيث إن في الباب السابق ذكر بول ما يؤكل لحمه ، والبول في نفسه نجس ، وكذلك في هذا الباب ذكر الفأرة التي هي نجس ، وذكر الدم كذلك ، والإشارة إلى أحكامهما على ما جاء من السلف ، ومن الحديث . ( وقال الزهري : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون ) . الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الفقيه المدني نزيل الشام ، ثم الكلام فيه على أنواع ، الأول أن هذا تعليق من البخاري ، ولكنه موصول عن عبد الله بن وهب في مسنده ، حدثنا يونس عن ابن شهاب أنه قال : كل ما فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ، ولا لونه ، ولا ريحه ، فلا بأس أن يتوضأ به ، وورد في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ، وطعمه ، ولونه ، رواه ابن ماجه ، حدثنا محمود بن خالد ، والعباس بن الوليد الدمشقيان ، قال : حدثنا مروان بن محمد ، حدثنا رشدين ، أخبرنا معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وقال الدراقطني : إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد ، ولم يرفعه غير رشدين ، قلت : وفيه نظر ؛ لأن أبا أحمد بن عدي رواه في ( الكامل ) من طريق أحمد بن عمر ، عن حفص بن عمر ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة ، فرفعه ، وقال : لم يروه عن ثور إلا حفص ، قلت : وفيه نظر أيضا ؛ لأن البيهقي رواه من حديث أبي الوليد ، عن الساماني ، عن عطية بن بقية بن الوليد ، عن أبيه ، عن ثور ، وقال البيهقي : والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافا . النوع الثاني في معناه قوله : " لا بأس " أي : لا حرج في استعمال ماء مطلقا ما لم يغيره طعم ، أو ريح ، أو لون ، وقوله : " لم يغيره " جملة من الفعل والمفعول ، وقوله : " طعم " بالرفع فاعله ، وحاصل المعنى : كل ماء طاهر في نفسه ، ولا يتنجس بإصابة الأذى ، أي : النجاسة إلا إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه ، وهي الطعم ، والريح ، واللون ، فإن قلت : الطعم ، أو الريح ، أو اللون هو المغير بفتح الياء آخر الحروف المشددة لا المغير على صيغة الفاعل ، والمغير بالكسر هو الشيء النجس الذي يخالطه ، فكيف يجعل الطعم ، أو الريح ، أو اللون مغيرا على صيغة الفاعل على ما وقع في رواية البخاري ؟ وأما الذي في عبارة عبد الله بن وهب ، فهو على الأصل ، قلت : المغير في الحقيقة هو الماء ، ولكن تغييره لما كان لم يعلم إلا من جهة الطعم ، أو الريح ، أو اللون ، فكأنه صار هو المغير ، وهو من قبيل ذكر السبب ، وإرادة المسبب ، وقال الكرماني : لا بأس أي لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلا ، أو كثيرا ، بل لا بد من تغير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه ، والمراد من لفظ : " ما لم يغيره طعمه " : ما لم يتغير طعمه ، فنقول : لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور في لفظ الزهري طعم الماء ، أو طعم الشيء المنجس ، فعلى الأول معناه : ما لم يغير الماء عن حاله التي خلق عليها طعمه ، وتغيره طعمه لا بد أن يكون بشيء نجس إذ البحث فيه ، وعلى الثاني معناه : ما لم يغير الماء طعم النجس ، ويلزم منه تغير طعم الماء إذ لا شك أن الطعم هو المغير للطعم ، واللون للون ، والريح للريح ، إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة ، وجعل الشيء متصفا بوصف نفسه ، ولهذا يقال : لا يسخن إلا الحار ، ولا يبرد إلا البارد ، فكأنه قال : ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس ، أو لا بأس ، معناه : لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة ، أو النجسة ، نعم ، إن كان المغير طعما نجسا ينجسه ، وإن كان طاهرا يزيل طهوريته لا طهارته ، ففي الجملة في اللفظ تعقيد انتهى . قلت : تفسيره هكذا ، هو عين التعقيد ، لأنه فسر قوله : " لا بأس " بمعنيين أحدهما بقوله : " أي لا يتنجس " إلى آخره ، والآخر بقوله : " لا يزول طهوريته " ، وكلا المعنيين لا يساعدهما اللفظ ، بل هو خارج عنه ، وقوله : " المغير للطعم هو الطعم " غير سديد لأن المغير للطعم غير الطعم ، وهو الشيء الملاقي له ، وكذلك اللون ، والريح ، وكذلك قوله : " والمراد " من لفظ ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه غير موجه ، لأنه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم من غير وجه ، وكذلك ترديده بقوله : لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور إلى آخره غير موجه ؛ لأن الضمير المنصوب في " لم يغيره " يرجع إلى الماء ، فيكون المعنى على هذا : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء ، وطعم الماء ذاتي ، فكيف يغير ذات الماء ، وإنما يغيره طعم الشيء الملاقي ، والفرق بين الطعمين ظاهر . ( النوع الثالث في استنباط الحكم منه ) استنبط منه أن مذهب الزهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغيره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير ، وهو مذهب جماعة من العلماء ، وشنع أبو عبيد في ( كتاب الطهور ) على من ذهب إلى هذا بأنه يلزم منه أن من بال في إبريق ، ولم يغير للماء وصفا أنه يجوز له التطهر به ، وهو مستشنع ، قال بعضهم : ولهذا نصر قول التفريق بالقلتين ، قلت : كيف ينصر هذا بحديث القلتين ؟ وقد قال ابن العربي : مداره على علته ، أو مضطرب في الرواية ، أو موقوف ، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير ، وهو إباضي ، واختلفت روايته ، فقيل : قلتين ، وقيل : قلتين ، أو ثلاثا ، وروي أربعون قلة ، وروي أربعون فرقا ، ووقف على أبي هريرة ، وعبيد الله بن عمرو ، قال اليعمري : حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة ، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها ، والاضطراب ، ولعل مسلما تركه لذلك ، قلت : وكذلك لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ، وقال الدبوسي في كتاب ( الأسرار ) : هو خبر ضعيف ، ومنهم من لم يقبله ؛ لأن الصحابة ، والتابعين لم يعملوا به ، وقال ابن بطال : ومذهب الزهري هو قول الحسن ، والنخعي ، والأوزاعي ، ومذهب أهل المدينة ، وهي رواية أبي مصعب ، عن مالك ، وروى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن لم يظهر فيه ، وهو قول الشافعي ، وروي هذا المعنى عن عبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الليث ، وابن صالح بن حي ، وداود بن علي ، ومن تبعه ، وهو مذهب أهل البصرة ، وقد قال بعض أصحابنا : هو الصحيح في النظر ، وثابت بالأثر من ذلك صب الماء على بول الأعرابي ، وحديث بئر بضاعة ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " الماء لا ينجسه شيء " ، ومذهب أصحابنا الماء إما جار ، أو راكد ، قليل ، أو كثير ، فالجاري إذا وقعت فيه النجاسة ، وكانت غير مرئية كالبول ، والخمر ، ونحوهما ، فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه ، وإن كانت مرئية كالجيفة ، ونحوها ، فإنه لا ينجس ، فإن كان يجري عليها جميع الماء لا يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وإن كان يجري أكثرها عليها ، فكذلك اعتبارا للغالب ، وإن كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف ، فالقياس جواز التوضؤ ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا ، والراكد اختلفوا فيه ، فقالت الظاهرية : لا ينجس أصلا ، وقالت عامة العلماء : إن كان الماء قليلا ينجس ، وإن كثيرا لا ينجس لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما ، فعندنا بالخلوص ، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض ، فهو قليل ، وإلا فهو كثير ، واختلف أصحابنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك ، وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر ، فهو مما يخلص ، وإلا فهو مما لا يخلص ، واختلفوا في جهة التحريك ، فعن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف ، وعن محمد أنه يعتبر بالوضوء ، وروي أنه باليد من غير اغتسال ، ولا وضوء ، وأما اعتبارهم في تفسير الخلوص ، فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ ، وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير ، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة ، فقال : إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص ، وإن كان دونه ، فهو مما يخلص ، وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولا ، ثم بخمسة عشر ، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي ، فقال : إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز ، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئا ، وعن محمد أنه قدره بمسجده ، وكان ثمانيا في ثمان ، وبه أخذ محمد بن سلمة ، وقيل : كان مسجده عشرا في عشر ، وقيل : كان داخله ثمانيا في ثمان ، وخارجه عشرا في عشر ، وعن الكرخي : لا عبرة للتقدير ، وإنما المعتبر هو التحري ، فلو كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز ، وإن كان أكثر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز ، وقد استقصينا الكلام فيه في ( شرحنا لمعاني الآثار ) للطحاوي رحمه الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقع من النجاسات في السمن والماء · ص 160 ( وقال حماد : لا بأس بريش الميتة ) . حماد على وزن فعال بالتشديد ، هو الإمام ابن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، تقدم في باب قراءة القرآن بعد الحدث ، قوله : " لا بأس " أي لا حرج بريش الميتة ، يعني : ليس بنجس ، ولا ينجس الماء الذي وقع فيه ، سواء كان ريش المأكول لحمه ، أو غيره ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه ، حدثنا معمر ، عن حماد بن أبي سليمان أنه قال : لا بأس بصوف الميتة ، ولكن يغسل ، ولا بأس بريش الميتة ، وهذا مذهب أبي حنيفة أيضا ، وأصحابه . ( وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره : أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ، ويدهنون فيها لا يرون به بأسا ) . الزهري هو محمد بن مسلم ، قوله : " وغيره " أي غير الفيل ، مما لا يؤكل ، وقال الكرماني : قوله : " غيره " يحتمل أن يريد به ما هو من جنسه من الذي لا تؤثر الذكاة فيه ، أي ما لا يؤكل لحمه ، وأن يريد أعم من ذلك قلت : هذا الذي ذكره يمشي على مذهب الشافعي ، وعندنا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها كالقرن ، والسن ، والظلف ، والحافر ، والخف ، والوبر ، والصوف طاهر ، وفي العصب روايتان ، وذهب عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، والمزني ، وابن المنذر إلى أن الشعر ، والصوف ، والوبر ، والريش طاهرة لا تنجس بالموت كمذهبنا ، والعظم ، والقرن ، والظلف ، والسن نجسة ، وقال الشافعي : الكل نجس إلا الشعر ، فإن فيه خلافا ضعيفا ، وفي العظم أضعف منه ، وأما الفيل : ففيه خلاف بين أصحابنا ، فعند محمد هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه ، ولا يطهر جلده بالدباغ ، ولا بالذكاة ، وعند أبي حنيفة ، وأبي يوسف : هو كسائر السباع ، فيجوز الانتفاع بعظمه ، وجلده بالدباغ ، قوله : " أدركت ناسا " التنوين فيه للتكثير ، أي ناسا كثيرين ، قوله : " يمتشطون بها " أي بعظام الموتى ، يعني : يجعلون منها مشطا ، ويستعملونه ، فهذا يدل على طهارته ، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا ، قوله : " ويدهنون فيها " أي في عظام الموتى ، يعني : يجعلون منها ما يحط فيه الدهن ، ونحوه ، وأصل يدهنون يتدهنون ، لأنه من باب الافتعال ، فقلبت التاء دالا ، وأدغمت الدال في الدال ، وقال بعضهم : يجوز ضم أوله ، وإسكان الدال ، قلت : فعلى هذا يكون من باب الادهان ، فلا يناسب ما قبله إلا إذا جاءت فيه رواية بذلك ، وذلك لأن معناه بالتشديد : هم يدهنون أنفسهم ، وإذا كان من باب الإفعال يكون المعنى : هم يدهنون غيرهم ، فلا منع من ذلك إلا أنه موقوف على الرواية ، ونقل بعض الشراح عن السفاقسي فيه ثلاثة أوجه ، اثنان منها ما ذكرناهما الآن ، والوجه الثالث هو بتشديد الدال وتشديد الهاء أيضا ، قلت : لا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف ، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه ، قوله : " لا يرون به بأسا " أي حرجا ، فلو كان نجسا لما استعملوه امتشاطا ، وادهانا ، وعلم منه أنه إذا وقع منه شيء في الماء لا يفسده ، وقال ابن بطال : ريش الميتة ، وعظم الفيلة ، ونحوها طاهر عند أبي حنيفة كأنه تعلق بحديث ابن عباس الموقوف : إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها ، وهو اللحم ، فأما الجلد ، والسن ، والعظم ، والشعر ، والصوف فهو حلال ، قال يحيى بن معين : تفرد به أبو بكر الهذلي ، عن الزهري ، وهو ليس بشيء ، وقال البيهقي : وقد روى عبد الجبار بن مسلم ، وهو ضعيف عن الزهري شيئا في معناه ، وحديث أم سلمة مرفوعا : " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء " ، إنما رواه يوسف بن أبي السفر ، وهو متروك ، وقال ابن بطال : عظم الفيلة ونحوه نجس عند مالك ، والشافعي كلاهما احتجا بما روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل ، وفي ( المصنف ) ، وكرهه عمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، وقال ابن المواز : نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة ، والفيل ، ولم يطلق تحريمها ؛ لأن عروة ، وابن شهاب ، وربيعة أجازوا الامتشاط بها ، وقال ابن حبيب : أجاز الليث ، وابن الماجشون ، وابن وهب ، ومطرف وأصبغ : الامتشاط بها ، والادهان فيها ، وقال مالك : إذا ذكي الفيل ، فعظمه طاهر ، والشافعي يقول : الذكاة لا تعمل في السباع ، وقال الليث ، وابن وهب : إن غلي العظم في ماء سخن ، وطبخ جاز الادهان منه ، والامتشاط ، قلت : حديث ابن عباس الذي تعلق به أبو حنيفة أخرجه الدارقطني ، وقال : أبو بكر الهذلي ضعيف ، وذكر في ( الإمام ) أن غير الهذلي أيضا رواه ، وحديث أم سلمة أيضا رواه الدارقطني ، وقال : يوسف بن أبي السفر متروك ، قلنا : لا يؤثر فيه ما قال إلا بعد بيان جهته ، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين ، وهو كان كاتب الأوزاعي . ( وقال ابن سيرين ، وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج ) . ابن سيرين : هو محمد ، تقدم في باب اتباع الجنائز من الإيمان ، وإبراهيم : هو النخعي ، تقدم في باب ظلم دون ظلم ، في كتاب الإيمان ، أما التعليق عن ابن سيرين ، فذكره عبد الرزاق في مصنفه ، عن الثوري ، عن همام ، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج بأسا ، وأما التعليق عن إبراهيم فلم يذكره السرخسي في روايته ، ولا أكثر الرواة عن الفربري ، والعاج بتخفيف الجيم جمع عاجة ، قال الجوهري : العاج عظم الفيل ، وكذا قال في العباب ، ثم قال : والعاج أيضا الذبل ، وهو ظهر السلحفاة البحرية ، يتخذ منه السوار ، والخاتم ، وغيرهما ، قال جرير : ترى العيس الحولي جريا بكرعها لها مسكا من غير عاج ولا ذبل فهذا يدل على أن العاج غير الذبل ، وفي ( المحكم ) : والعاج أنياب الفيلة ، ولا يسمى غير الناب عاجا ، وقد أنكر الخليل أن يسمى عاجا سوى أنياب الفيلة ، وذكر غيره أن الذبل يسمى عاجا ، وكذا قاله الخطابي ، وأنكروا عليه ، والذبل بفتح الذال المعجمة ، وسكون الباء الموحدة ، قال الأزهري : الذبل القرون ، فإذا كان من عاج ، فهو مسك ، وعاج ، ووقف ، وإذا كان من ذبل فهو مسك لا غير ، وفي ( العباب ) : الذبل ظهر السلحفاة البحرية كما ذكرنا الآن ، وقال بعضهم : قال القالي : العرب تسمي كل عظم عاجا ، فإن ثبت هذا فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل ، قلت : مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر بنقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقا . 98 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن ، فقال : ألقوها وما حولها ، فاطرحوه ، وكلوا سمنكم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، ( بيان رجاله ) : وهم ستة : إسماعيل هو ابن أبي أويس تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان ، وعبيد الله هو سبط عتبة بن مسعود ، وهو في قصة هرقل ، ومالك هو ابن أنس ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وميمونة أم المؤمنين بنت الحارث خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم تقدمت في باب السمر بالعلم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، وبصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته مدنيون ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابية . ( بيان ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الذبائح عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن مالك به ، وعن الحميدي ، عن سفيان ، عن الزهري به ، وهو من أفراده ، عن مسلم ، وأخرجه أبو داود في الأطعمة ، عن مسدد ، عن سفيان به ، وعن أحمد بن صالح ، والحسن بن علي كلاهما عن عبد الرزاق ، عن عبد الرحمن بن بزدويه ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ، وأخرجه الترمذي فيه عن سعيد بن عبد الرحمن ، وأبي عثمان وهو الحسين بن حريث ، كلاهما عن سفيان به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الذبائح عن قتيبة ، عن سفيان به ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، ومحمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك به ، وعن خشيش بن أصرم ، عن عبد الرزاق ، عن عبد الرحمن بن بزدويه أن معمرا ذكر عن الزهري به . ( ذكر لغاته ومعناه ) قوله : " فأرة " بهمزة ساكنة وجمعها فأر بالهمز أيضا ، قوله : " سقطت في سمن " ، وفي رواية البخاري أيضا في الذبائح من رواية ابن عيينة ، عن ابن شهاب : " فماتت " ، وزاد النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك : " في سمن جامد " ، قوله : " وألقوها " أي : الفأرة ، أي : ارموها ، " وما حولها " أي : وما حول الفأرة من السمن ، ويعلم من هذه الرواية أن السمن كان جامدا كما صرح به في الرواية الأخرى ؛ لأن المائع لا حول له إذ الكل حوله . ( بيان ذكر استنباط الحكم ) يستنبط منه : أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة ، أو نحوها تطرح الفأرة ، ويؤخذ ما حولها من السمن ، ويرمى به ، ولكن إذا تحقق أن شيئا منها لم يصل إلى شيء خارج عما حولها ، والباقي يؤكل ، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كان جامدا ، وأما المائع : فقد اختلفوا فيه ، فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلا كان أو كثيرا ، وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ولا يعتبر ذلك ، وسلك داود بن علي في ذلك مسلكهم إلا في السمن الجامد ، والذائب ، فإنه تبع ظاهر هذا الحديث ، وخالف معناه في العسل ، والخل ، وسائر المائعات ، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها ، فشذ أيضا ، ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن ، قال أبو عمرو : اختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته ، فقالت طائفة من العلماء : لا يستصبح به ، ولا ينتفع بشيء منه ، وممن قال ذلك : الحسن بن صالح ، وأحمد بن حنبل محتجين بالرواية المذكورة ، وإن كان مائعا فلا تقربوه ، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز ، وقال الآخرون : يجوز الاستصباح به ، والانتفاع في كل شيء إلا الأكل ، والبيع ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، أما الأكل فمجمع على تحريمه إلا الشذوذ الذي ذكرناه ، وأما الاستصباح ، فروي عن علي ، وابن عمر أنهما أجازا ذلك ، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ، فباعوها ، وأكلوا ثمنها ، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه " ، وقال آخرون : ينتفع به ، ويجوز بيعه ، ولا يؤكل ، وممن قال ذلك : أبو حنيفة ، وأصحابه ، والليث بن سعد ، وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، والقاسم ، وسالم محتجين بالرواية الأخرى : وإن كان مائعا ، فاستصبحوا به ، وانتفعوا " ، والبيع من باب الانتفاع ، وأما قوله في حديث عبد الرزاق : " وإن كان مائعا فلا تقربوه " فيحتمل أن يراد به الأكل ، وقد أجرى صلى الله عليه وسلم التحريم في شحوم الميتة من كل وجه ، ومنع الانتفاع بها ، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة الانتفاع به ، فدل على جواز وجوه الانتفاع بشيء منها غير الأكل ، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين ، والذات ، وأما الزيت ، ونحوه يقع فيه الميتة ، فإنما ينجس بالمجاورة ، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز كالثوب تصيبه النجاسة من الدم ، وغيره ، وأما قوله : " إن الله تعالى إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه " فإنما خرج على لحوم الميتة التي حرم أكلها ، ولم يبح الانتفاع بشيء منها ، وكذلك الخمر ، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة ، وروي عن مالك أيضا ، وصفته أن يعمد إلى ثلاث أواني أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه ، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ، ثم يؤخذ الزيت من علاء الماء ، ثم يجعل في آخر ، ويعمل به كذلك ، ثم في آخر ، وهو قول ليس لقائله سلف ، ولا تسكن إليه النفس ، قلت : هذا مما لا ينعصر بالعصر ، وفيه خلاف بين أبي يوسف ، ومحمد ، فقال أبو يوسف : يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثا ، وتجفيفه في كل مرة ، وذلك كالحنطة ، والخزفة الجديدة ، والحصير ، والسكين المموه بالماء النجس ، واللحم المغلي بالماء النجس ، فالطريق فيه أن تغسل الحنطة ثلاثا ، وتجفف في كل مرة ، وكذلك الحصير ، ويغسل الخزف حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ، ولا لون ، ولا رائحة ، ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات ، ويطبخ اللحم ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة ، ويبرد من الطبخ ، وأما العسل ، واللبن ، ونحوهما إذا مات فيها الفأرة ، أو نحوها يجعل في الإناء ، ويصب فيه الماء ، ويطبخ حتى يعود إلى ما كان ، وهكذا يفعل ثلاثا ، وقال محمد : ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس لا يطهر أبدا ، وقد روي عن عطاء قوله : " تفرد به " ، روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج عنه قال : ذكروا أنه يدهن به السفن ، ولا يمس ذلك ، ولكن يؤخذ بعود ، فقلت : يدهن به غير السفن ، قال : لا أعلم ، قلت : وأين يدهن به من السفن ، قال : ظهورها ، ولا يدهن بطونها ، قلت : فلا بد أن يمس ، قال : يغسل يديه من مسه ، وقد روي عن جابر المنع من الدهن به ، وعن سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار ، وليس الزيت كالماء ، وعن عبد الملك : إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت ، أو بئر ، فإن لم يتغير طعمه ، ولا ريحه أزيل ذلك منه ، ولم يتنجس ، وإن ماتت فيه تنجس وإن كثر ، ووقع في كلام ابن العربي : أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، ولا نعلم عندنا خلافا في طهارتها في حال حياتها .