30 - بَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اقْتَرَعُوا فَجَرَتْ الْأَقْلَامُ مَعَ الْجِرْيَةِ ، وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الْجِرْيَةَ فَكَفَلَهَا زكَرِيَّاءُ ، وَقَوْلِهِ : فَسَاهَمَ أَقْرَعَ ، فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ مِنْ الْمَسْهُومِينَ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ 2686 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا ، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا ، فَتَأَذَّوْا بِهِ ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : مَا لَكَ ؟ قَالَ : تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ ) أَيْ مَشْرُوعِيَّتِهَا ، وَوَجْهُ إِدْخَالِهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ ، فَكَمَا تُقْطَعُ الْخُصُومَةُ وَالنِّزَاعُ بِالْبَيِّنَةِ كَذَلِكَ تُقْطَعُ بِالْقُرْعَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ ، وَلَيْسَتْ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْقُرْعَةِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِهَا ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ ضَابِطَهَا الْأَمْرَ الْمُشْكِلَ ، وَفَسَّرَهَا غَيْرُهُ بِمَا ثَبَتَ فِيهِ الْحَقُّ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَتَقَعُ الْمُشَاحَحَةُ فِيهِ فَيُقْرَعُ لِفَصْلِ النِّزَاعِ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : لَيْسَ فِي الْقُرْعَةِ إِبْطَالُ الشَّيْءِ مِنَ الْحَقِّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ، بَلْ إِذَا وَجَبَتِ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعَدِّلُوا ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ يَقْتَرِعُوا فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ لَهُ بِالْقُرْعَةِ مُجْتَمِعًا مِمَّا كَانَ لَهُ فِي الْمِلْكِ متاعًا فَيُضَمُّ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْعِوَضِ الَّذِي صَارَ لِشَرِيكِهِ لِأَنَّ مَقَادِيرَ ذَلِكَ قَدْ عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ . وَإِنَّمَا أَفَادَتِ الْقُرْعَةُ أَنْ لَا يَخْتَارَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَيَخْتَارَهُ الْآخَرُ ، فَيُقْطَعُ التَّنَازُعَ ، وَهِيَ إِمَّا فِي الْحُقُوقِ الْمُتَسَاوِيَةِ وَإِمَّا فِي تَعْيِينِ الْمِلْكِ ، فَمِنَ الْأَوَّلِ عَقْدُ الْخِلَافَةِ إِذَا اسْتَوَوْا فِي صِفَةِ الْإِمَامَةِ ، وَكَذَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْمُؤَذِّنِينَ ، وَالْأَقَارِبِ فِي تَغْسِيلِ الْمَوْتَى وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَالْحَاضِنَاتِ إِذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ ، وَالْأَوْلِيَاءِ فِي التَّزْوِيجِ ، وَالِاسْتِبَاقِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَفِي نَقْلِ الْمَعْدِنِ ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ ، وَالتَّقْدِيمِ بِالدَّعْوَى عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالتَّزَاحُمِ عَلَى أَخْذِ اللَّقِيطِ ، وَالنُّزُولِ فِي الْخَانِ الْمُسَبَّلِ وَنَحْوِهِ ، وَفِي السَّفَرِ بِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ وَفِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ ، وَالدُّخُولِ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ ، وَفِي الْإِقْرَاعِ بَيْنَ الْعَبِيدِ إِذَا أُوصِيَ بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يَسَعْهُمُ الثُّلُثُ ، وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ مِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا وَهُوَ تَعْيِينُ الْمِلْكِ ، وَمِنْ صُوَرِ تَعْيِينِ الْمِلْكِ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا تَقْرِيرُهُ ، وَسَاقَهُ مَسَاقَ الِاسْتِحْسَانِ وَالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَهَذَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِمَعْنَاهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّا ) أَيِ ارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَلَا وَفِي نُسْخَةٍ وَعَدَا بِالدَّالِ . وَ الْجِرْيَةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمُ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلَمًا وَأَلْقَوْهَا كُلَّهَا فِي الْمَاءِ ، فَجَرَتْ أَقْلَامُ الْجَمِيعِ مَعَ الْجِرْيَةِ إِلَى أَسْفَلَ وَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّا فَأَخَذَهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْعَدِيمِ فِي تَارِيخِ حَلَبَ بِسَنَدِهِ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّهَرَ الَّذِي أَلْقَوْا فِيهِ الْأَقْلَامَ هُوَ نَهَرُ قُوَيْقٍ ، النَّهَرُ الْمَشْهُورُ بِحَلَبَ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِهِ ) أَيْ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : فَسَاهَمَ أَقْرَعَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَوْلُهُ : فَسَاهَمَ أَيْ قَارَعَ وَهُوَ أَوْضَحُ . قَوْلُهُ : فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ فَكَانَ مِنَ الْمَقْرُوعِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ فَكَانَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ إِلْقَاءِ الْبَعْضِ لِسَلَامَةِ الْبَعْضِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَرْعِنَا لِأَنَّهُمْ مُسْتَوُونَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْفُسِ فَلَا يَجُوزُ إِلْقَاؤُهُمْ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ ) وَصَلَهُ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِي الْيَمِينِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَيْضًا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَات · ص 345 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القرعة في المشكلات · ص 261 ( باب القرعة في المشكلات ) أي هذا باب في بيان مشروعية القرعة في الأشياء المشكلات التي يقع فيها النزاع بين اثنين أو أكثر ، ووقع في رواية السرخسي من المشكلات ، وكلمة في أصوب ، وأما كلمة من إن كانت محفوظة فتكون للتعليل أي لأجل المشكلات كما في قوله تعالى : مما خطاياهم أي لأجل خطاياهم قيل : وجه إدخال هذا الباب في كتاب الشهادات أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق ، قلت : الأحسن أن يقال وجه ذلك أنه كما يقطع النزاع والخصومة بالبينة ، فكذلك يقطع بالقرعة ، وهذا المقدار كاف لوجه المناسبة . وقوله : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وقال ابن عباس : اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم زكرياء الجرية فكفلها زكرياء وقوله بالجر عطفا على القرعة ، وذكر هذه الآية في معرض الاحتجاج لصحة الحكم بالقرعة بناء على أن شرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار ، ولا إنكار في مشروعيتها ، وما نسب بعضهم إلى أبي حنيفة بأنه أنكرها فغير صحيح ، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب في تفسير قصة أهل الإفك ، وأول الآية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ قوله : ذلك إشارة إلى ما ذكر من قضية مريم ، قوله : مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ أي أخبار الغيب ، نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي نقصه عليك ، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي وما كنت يا محمد عندهم إذ يلقون أي حين يلقون الأقلام أيهم يكفل مريم أي يضمها إلى نفسه ويربيها وذلك لرغبتهم في الأجر ، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي حين يختصمون في أخذها ، وأصل القصة أن امرأة عمران ، وهي حنة بنت فاقود ، لا تحمل فرأت يوما طائرا يزق فرخه فاشتهت الولد ، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا ، فاستجاب الله دعاءها فواقعها زوجها فحملت منه ، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا أي خالصا لخدمة بيت المقدس ، فلما وضعت قالت : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ثم خرجت بها في خرقتها إلى بني الكاهن بن هروة أخي موسى بن عمران ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فإني حررتها وهي ابنتي ، ولا تدخل الكنيسة حائض وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا : هذه ابنة إمامنا ، وكان عمران يؤمهم في الصلاة وصاحب القربان ، فقال زكرياء : إدفعوها إلي فإن خالتها تحتي ، فقالوا : لا تطيب نفوسنا هي ابنة إمامنا ، فعند ذلك اقترعوا بأقلامهم عليها ، وهي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة ، فقرعهم زكرياء عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة وغير واحد أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها ، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكرياء فإنه ثبت ، فأخذها فضمها إلى نفسه ، وقد ذكر المفسرون أن الأقلام هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة كما ذكرناه ، ويقال الأقلام السهام ، وسمي السهم قلما لأنه يقلم أي يبرى ، قوله : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أي يأخذها بكفالتها ، قوله : ( اقترعوا ) يعني عند التنافس في كفالة مريم ، قوله : ( مع الجرية ) بكسر الجيم للنوع من الجريان ، وقال ابن التين : صوابه اقرعوا أو قارعوا لأنه رباعي ، قلت : قد جاء اقترعوا كما جاء أقرعوا فلا وجه لدعوى الصواب فيه ، قوله : ( عال ) أي غلب الجرية ، ويروى علا ، ويروى عدا ، حاصله ارتفع قلم زكرياء ، ويقال إنهم اقترعوا ثلاث مرات ، وعن ابن عباس : فلما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القرعة في المشكلات · ص 262 وقوله فساهم أقرع فكان من المدحضين من المسهومين وقوله بالجر عطفا على قوله الأول ، قوله : ( أقرع ) تفسير لقوله فساهم ، والضمير فيه يرجع إلى يونس عليه السلام ، وفسر البخاري المدحضين بمعنى المسهومين يعني المغلوبين ، يقال ساهمته فسهمته كما يقال قارعته فقرعته ، وقوله : فَسَاهَمَ أقرع ، تفسير ابن عباس أخرجه الطبري من طريق معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وروي عن السدى قال : قوله فساهم أي قارع ، قال بعضهم : هو أوضح ، قلت : كونه أوضح باعتبار أنه من باب المفاعلة التي هي للاشتراك بين اثنين ، وحقيقة المدحض المزلق عن مقام الظفر والغلبة ، وقال القرطبي : يونس بن متى لما دعا قومه أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة للدخول في دينه أبطئوا عليه ، فدعا عليهم ووعدهم العذاب بعد ثلاث وخرج عنهم ، فرأى قومه دخانا ومقدمات العذاب فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله عز وجل وردوا المظالم حتى ردوا حجارة مغصوبة كانوا بنوا بها ، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه ولم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب ، ثم إن يونس ركب سفينة فلم تجر ، فقال أهلها : فيكم آبق ، فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فالتقمه الحوت ، وقد اختلف في مدة لبثه في بطنه من يوم واحد إلى أربعين يوما ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت أن يلتقمه ولا يكسر له عظما ، وذكر مقاتل أنهم قارعوه ست مرات خوفا عليه من أن يقذف في البحر وفي كلها خرج عليه ، وفي يونس ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمزة وتركه ، والأشهر ضم النون بغير همز .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القرعة في المشكلات · ص 263 وقال أبو هريرة : عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف هذا التعليق قد مر موصولا في باب إذا سارع قوم في اليمين ، وقد مر عن قريب ، وهذا أيضا يدل على مشروعية القرعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القرعة في المشكلات · ص 263 49 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به ، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : ما لك ؟ قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوا أهلكوه وأهلكوا أنفسهم . مطابقته للترجمة في قوله : استهموا سفينة وهذا الحديث مضى في الشركة في باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ، فإنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن زكرياء قال : سمعت عامرا وهو الشعبي يقول : سمعت النعمان بن بشير إلى آخره ، وفي بعض النسخ وقع حديث النعمان هكذا في آخر الباب . قوله : ( مثل المدهن ) وهناك مثل القائم على حدود الله تعالى ، والمدهن بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء وفي آخره نون من الإدهان وهو المحاباة في غير حق ، وهو الذي يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر ، ووقع عند الإسماعيلي في ( الشركة ) : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها ، وهذه ثلاث فرق وجودها في المثل المضروب هو أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزلة الواقع في حدود الله ، ثم من عداهم إما منكر وهو القائم ، وإما ساكت وهو المداهن . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : قال ثمة يعني في كتاب ( الشركة ) مثل القائم على حدود الله ، وقال هاهنا مثل المدهن ، وهما نقيضان إذ الآمر هو القائم بالمعروف والمدهن هو التارك له فما وجهه ؟ ( قلت ) : كلاهما صحيح ، فحيث قال القائم نظر إلى جهة النجاة ، وحيث قال المدهن نظر إلى جهة الهلاك ، ولا شك أن التشبيه مستقيم على كل واحد من الجهتين ، واعترض عليه بعضهم بقوله كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن وهو التارك للأمر بالمعروف ، وعلى ذكر الواقع في الحد وهو العاصي وكلاهما هالك ، والحاصل أن بعض الرواة ذكر المدهن والقائم ، وبعضهم ذكر الواقع والقائم ، وبعضهم جمع الثلاثة ، وأما الجمع بين المدهن والواقع دون القائم فلا يستقيم ، انتهى . ( قلت ) : لا وجه لاعتراضه على الكرماني لأن سؤال الكرماني وجوابه مبنيان على القسمين المذكورين في هذا الحديث ، وهما المدهن المذكور هنا والقائم المذكور هناك ، وهو لم يبين كلامه على التارك الآمر بالمعروف والواقع في الحد فلا يرد عليه شيء أصلا ، تأمل فإنه موضع يحتاج فيه إلى التأمل . قوله : ( استهموا سفينة ) أي اقترعوها فأخذ كل واحد منهم سهما أي نصيبا من السفينة بالقرعة ، وقال ابن التين : وإنما يقع ذلك في السفينة ونحوها فيما إذا أنزلوا معا ، أما لو سبق بعضهم بعضا فالسابق أحق بموضعه ، وقال بعضهم : هذا فيما إذا كانت مسبلة ، أما إذا كانت مملوكة لهم مثلا فالقرعة مشروعة إذا تنازعوا ، ( قلت ) : إذا وقعت المنازعة تشرع القرعة سواء كانت مسبلة أو مملوكة ما لم يسبق أحدهم في المسبلة ، قوله : ( فتأذوا به ) أي بالمار عليهم أو بالماء الذي مع المار عليهم ، قوله : ( ينقر ) بفتح الياء وسكون النون وضم القاف من النقر وهو الحفر سواء كان في الخشب أو الحجر أو نحوهما ، قوله : ( فإن أخذوا على يديه ) أي منعوه من النقر ، ويروى على يده ، قوله : ( نجوه ) أي نجوا المار ، ويروى أنجوه بالهمزة ، ونجوا أنفسهم بتشديد الجيم ، وهكذا إقامة الحدود تحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه ، وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها . وقال المهلب : في هذا الحديث تعذيب العامة بذنب الخاصة ، واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف ، وتبيين العالم الحكم بضرب المثل .