249 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَذَى ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي وُضُوءِ الْغُسْلِ إِلَخْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ نَظِيفٍ فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُهُمَا أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ ، قَالَ : لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ كَذَلِكَ ، انْتَهَى ، كَذَا قَالَ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمَلَةٌ كَرِوَايَةِ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ ظَاهِرَةٌ تَأْخِيرُهُمَا كَرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَشَاهِدُهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَيُوَافِقُهَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَيْمُونَةَ ، أَوْ صَرِيحَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا كَحَدِيثِ الْبَابِ ، وَرَاوِيهَا مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ مُتَعَقَّبٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ ، وَلَفْظُهُ : كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِيَحْصُلَ الِافْتِتَاحُ وَالِاخْتِتَامُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ . قَوْلُهُ : ( وَغَسَلَ فَرْجَهُ ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ; لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ كَانَ قَبْلَ الْوُضُوءِ إِذِ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ السَّتْرِ فِي الْغُسْلِ ، فَذَكَرَ أَوَّلًا غَسْلَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ غَسْلَ الْفَرْجِ ثُمَّ مَسْحَ يَدَهُ بِالْحَائِطِ ثُمَّ الْوُضُوءَ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ غُسْلُهُ ) الْإِشَارَةُ إِلَى الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ ، أَوِ التَّقْدِيرُ هَذِهِ صِفَةُ غُسْلِهِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ هَذَا غُسْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، وَأَنَّ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِفْرَاغِ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِلْمُغْتَرِفِ مِنَ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ ، وَحَفْصٍ وَغَيْرِهِمَا : ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَعَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّكْرَارِ وَفِيهِ خِلَافٌ . انْتَهَى . وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْظِيفِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ ، وَأَمَّا دَلْكُ الْيَدِ بِالْأَرْضِ فَلِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِيَكُونَ أَنْقَى كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ أَوْ عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ ; لِأَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَذًى لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي النَّجَاسَةِ أَيْضًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ أَكْمَلَ بَاقِيَ أَعْضَاءِ بَدَنِهِ لَا يُشْرَعُ لَهُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ، وَعَلَى جَوَازِ نَفْضِ الْيَدَيْنِ مِنْ مَاءِ الْغُسْلِ وَكَذَا الْوُضُوءِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَفْظُهُ لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَمْ أَجِدْهُ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسَتُّرِ فِي الْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ . وَقَدْ عَقَدَ الْمُصَنِّفُ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بَابًا وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ وَمَدَارُهَا عَلَى الْأَعْمَشِ ، وَعِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ فَوَائِدَهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ مِنْ سَالِمٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى الْوَلَاءِ : الْأَعْمَشُ ، وَسَالِمٌ ، وَكُرَيْبٌ ، وَصَحَابِيَّانِ : ابْنُ عَبَّاسٍ وَخَالَتُهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِإِحْضَارِ مَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَفِيهِ خِدْمَةُ الزَّوْجَاتِ لِأَزْوَاجِهِنَّ ، وَفِيهِ الصَّبُّ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِغَسْلِ الْفَرْجِ بِهَا ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْصِيصُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ ، وَتَمَسَّكَ بِه الْمَالِكِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ : إِنَّ وُضُوءَ الْغُسْلِ لَا يُمْسَحُ فِيهِ الرَّأْسُ بَلْ يُكْتَفَى عَنْهُ بِغَسْلِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْغُسْلِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : يُحْتَمَلُ تَرْكُهُ الثَّوْبَ ; لِإِبْقَاءِ بَرَكَةِ الْمَاءِ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ أَوْ لِشَيْءٍ رَآهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ وَسَخٍ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ ، وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً . وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي شَرْحِهِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : نَفْضُهُ الْمَاءَ بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ ، وَقِيلَ : مَكْرُوهٌ ، وَقِيلَ : مُبَاحٌ ، وَقِيلَ : مُسْتَحَبٌّ ، وَقِيلَ : مَكْرُوهٌ فِي الصَّيْفِ مُبَاحٌ فِي الشِّتَاءِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ · ص 431 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ · ص 240 الحديث الثاني : 249 - من رواية : الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة ، غير رجليه . وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليهِ الماء ، ثم نحى رجليه فغسلهما . هذه غسله من الجنابة . خرجه عن الفريابي ، عن الثوري ، عن الأعمش - هكذا . وفيه التصريح بأنه لم يغسل رجليه في أول وضوئه ، بل أخر غسل رجليه حتى فرغ من غسله . وخرجه فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من حديث ابن عيينة ، عن الأعمش ، وقال في حديثه : ( فتوضأ وضوءه للصلاة ، فلما فرغ من غسله غسل رجليه ) . وهذه الرواية تحتمل أن يكون أعاد غسل رجليه لما أصابهما من التراب ، حيث كانَ يغتسل على الأرض في مكان غير مبلط ولا مقير ، لكن رواية سفيان صريحة باستثناء غسل رجليه في أول الوضوء . وخرجه - أيضًا - من طريق حفص بن غياث ، عن الأعمش ، وفي حديثه ( ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه وأفاض الماء على رأسه ، ثم تنحى فغسل قدميه ) . وهذه الرواية تدل على أنه لم يمسح رأسه ، ولا غسل قدميه أولًا في الوضوء ، بل أفاض الماء على رأسه عندَ مسحه . وخرجه - أيضًا - من طريق عبد الواحد ، عن الأعمش ، وفي حديثه ( ثم غسل رأسه ثلاثًا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مقامه ، فغسل رجليه ) . وخرجه من طريق أبي عوانة والفضل بن موسى وأبي حمزة ، عن الأعمش كذلك ، إلا أنه لم يذكر التثليث في غسل رأسه . وقد رواه وكيع ، عن الأعمش ، فذكر في حديثه أنه غسل وجهه ثلاثًا ، وذراعيه ثلاثًا . خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه . وقوله في هذه الرواية : ( هذا غسله من الجنابة ) - مما يشعر بأنه ليس من تمام حديث ميمونة . وقد رواه زائدة ، عن الأعمش ، وذكر فيهِ أن ذكر غسل الجنابة إنما هوَ من قول سالم بن أبي الجعد . خرجه من طريقه ابن جرير الطبري والإسماعيلي في ( صحيحه ) . وقد خرج البخاري الحديث في موضع آخر ، من رواية سفيان الثوري ، عن الأعمش ، بأبسط من هذا السياق ، وفيه : عن ميمونة ، قالت : ( سترت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل من الجنابة ) - فذكر الحديث . وخرجه - أيضًا - من رواية ابن عيينة ، عن الأعمش ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة ، فغسل فرجه ) - وذكر الحديث . ومن رواية الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، وفي حديثه وضع النبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا للجنابة ، فأكفأ بيمينه على شماله ) - وذكر الحديث . وفي هذين الحديثين دليل على استحباب الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ، وأنه لا يؤخر كله إلى بعد كمال الغسل . وقد روي عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لا يتوضأ بعد الغسل . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن صحيح . وسئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل ، فقالَ : وأي وضوء أعم من الغسل ؟ وخرجه الطبراني والحاكم عنه مرفوعًا ، ووقفه أصح . وعن جابر بن عبد الله قالَ : يكفيك الغسل . وروي إنكاره عن ابن مسعود أيضًا . وروي عن أصحاب ابن مسعود علقمة وغيره . وعن سعيد بن جبير والنخعي . وروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل . وكذا روي عن الشعبي أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة . ولكن قد صحت السنة بالوضوء قبل الغسل . وأما الوضوء بعد الغسل فلم يصح فيهِ شيء . وروي الرخصة فيهِ عن علي رضي الله عنه . وأنكر صحة ذَلِكَ عنه النخعي . ونقل يعقوب بن بختان ، عن أحمد في الحائض : أنها إن شاءت أخرت الوضوء عن الغسل ، وإن شاءت بدأت به . ولعل هذا يختص بغسل الحيض . وكذا قالَ أصحاب الشافعي : إن الجنب مخير ؛ إن شاء توضأ قبل الغسل ، وإن شاء بعده . وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل فإنه يتوضأ بعد الغسل ، نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد . وأصل هذا أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور ، لكن الأفضل أن يتوضأ قبل الغسل ، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل . فإن اغتسل ولم يتوضأ ، فهل يرتفع حدثاه بذلك ، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة ، ويبقى حدثه الأصغر ، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء ؟ هذا فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد : أشهرهما : أنه يرتفع حدثاه بذلك إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعًا . والثانية : لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء . وحكي عن مالك وأبي ثور وداود . فإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر ، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ . ومن حكى عن أبي ثور وداود أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل فالظاهر أنه غالط عليهما . وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك . ومذهب الشافعي أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة ، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر . وذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده ، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء ، من الترتيب والموالاة . وأما المضمضة والاستنشاق فقد ذكرنا حكمهما في الوضوء فيما سبق . وأما في الغسل فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة ، والثوري ، وأحمد في المشهور عنه . وعنه : يجب الاستنشاق وحده . واختلف أصحابنا : هل يجب المبالغة فيهما في الغسل إذا قلنا : لا يجب ذَلِكَ في الوضوء ، أم لا ؟ على وجهين . ومذهب مالك والشافعي أن المضمضة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 193 2 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه ، وغسل فرجه ، وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما هذه غسله من الجنابة . هذا الثاني من حديثي الترجمة . ذكر رجاله وهم سبعة : محمد بن يوسف البيكندي ، وسفيان الثوري ، وسليمان الأعمش بن مهران ، تقدموا مرارا ، وسالم بن أبي الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة مر في باب التسمية . والخامس كريب بضم الكاف تقدم في باب التخفيف في الوضوء ، والسادس عبد الله بن عباس ، والسابع ميمونه بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وخالة ابن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه سفيان غير منسوب . قالت جماعة من الشراح وغيرهم : إنه سفيان الثوري . وقال الكرماني : سفيان بن عيينة . وقال الحافظ المزي في كتابه ( الأطراف ) حديث في غسل النبي عليه الصلاة والسلام من الجنابة منهم من طوله ومنهم من اختصره ، ثم وضع صورة ( خ ) بالأحمر بمعنى أخرجه البخاري في الطهارة عن محمد بن يوسف . وعن عبدان عن عبد الله بن المبارك ، كلاهما عن سفيان الثوري ، وعن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة . فهذا دل على أن سفيان في رواية محمد بن يوسف الذي هاهنا هو الثوري . وأما ابن عيينة فروايته ، عن عبدان ، عن ابن المبارك ، ولم يميز الكرماني ذلك فخلط ، وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا عن موسى ابن إسماعيل ومحمد بن محبوب ، كلاهما عن عبد الواحد ، وعن موسى ، عن أبي عوانة ، وعن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، وعن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، وعن عبدان ، عن أبي حمزة ، سبعتهم عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، به . ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه رواية التابعي عن التابعي عن التابعي على الولاء ، وفيه صحابيان . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) قد مر الآن أن البخاري أخرجه في مواضع عشرة أو نحوها ، وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن محمد بن الصباح وإسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وأبي سعيد الأشج ، خمستهم عن وكيع وعن يحيى بن يحيى وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن إدريس ، وعن علي بن حجر ، وعن عيسى بن يونس ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن موسى القاري ، عن زائدة ، خمستهم عن الأعمش به ، وأخرجه أبو داود ، عن عبد الله بن داود ، عن الأعمش به . وأخرجه الترمذي عن هناد عن وكيع به ، وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به ، وعن يوسف بن عيسى به ، وعن محمد بن العلاء عن أبي معاوية به ، وعن محمد بن علي بن ميمون ، عن محمد بن يوسف به ، وعن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ، وعن قتيبة عن عبيدة بن حميد ، كلاهما عن الأعمش به . وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن وكيع بقصة نفض الماء وترك التنشيف . ( ذكر بيان ما فيه ) لم يذكر في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قوله : غير رجليه فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل ، وبه احتج أصحابنا على أن المغتسل إذا توضأ أو لا يؤخر رجليه ، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانتا في مجتمع الماء توضأ ويؤخرهما وإن لم تكونا فيه لا يؤخرهما ، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين صريحا محمول على ما قلنا ، وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحا لا مثل ما قاله بعضهم ، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز ، وأما على حالة أخرى قلت هذا خطأ ؛ لأن المجاز لا يصار إليه إلا عند الضرورة وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز ، وما الصواب الذي يرجع إليه إلا ما قلنا . وقال الكرماني : غير رجليه ، فإن قلت : ما التوفيق بينه وبين رواية عائشة . قلت : زيادة الثقة مقبولة ، فيحمل المطلق على المقيد ، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره ، وهو ما سوى الرجلين . قلت : قد ذكرنا الآن ما يرد ما ذكره ، ثم قال الكرماني : ويحتمل أن يقال إنهما كانا في وقتين مختلفين ، فلا منافاة بينهما قلت هذا في الحقيقة حاصل ما ذكرنا عن قريب عند قولنا لكن أكثر أصحابنا... إلخ . قوله : وغسل فرجه ، أي : ذكره ، فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر . قال الكرماني : فإن قلت : غسل الفرج مقدم على التوضؤ ، فلم أخره ؟ قلت : لا يجب التقديم إذ الواو ليس للترتيب ، أو أنه للحال ، انتهى . قلت : كيف يقول : لا يجب التقديم ، وهذا ليس بشيء ، وقوله : إذا الواو ليس للترتيب حجة عليه ؛ لأنهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب ، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه ، وقوله : أو أنه للحال غير سديد ولا موجه ، لأنه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه ، وقال بعضهم : فيه تقديم وتأخير ؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب ، انتهى . قلت : هذا تعسف ، وهو أيضا حجة عليه مع أن ما ذكره خلاف الأصل ، والصواب أن الواو للجمع في أصل الوضع ، والمعنى أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج ، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين فقد بين ذلك فيما رواه البخاري من طريق ابن المبارك عن الثوري ، فذكر أولا غسل اليدين ، ثم غسل الفرج ، ثم مسح يده على الحائط ، ثم الوضوء غير رجليه ، وذكره بثم الدالة على الترتيب في جميع ذلك . والأحاديث يفسر بعضها بعضا . قوله : وما أصابه من الأذى أي : المستقذر الطاهر . وقال بعضهم : قوله : وما أصابه من الأذى ليس بظاهر في النجاسة . قلت : هذا مكابرة فيما قاله . قوله : هذا غسله هكذا في رواية الكشميهني ، وهي على الأصل ، وعند غيره : هذه غسله بالتأنيث فيكون إشارة إلى الأفعال المذكورة ، أي : الأفعال المذكور صفة غسله صلى الله عليه وسلم بضم الغين . ( ومما لم يذكر في حديث عائشة ) وذكر في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها من الزيادة تأخير الرجلين إلى الفراغ من الاغتسال ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفيه التعرض لغسل الفرج ، وفيه غسل ما أصابه من الأذى ومما ذكره البخاري من حديث ميمونة على ما يأتي ، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه . وفي آخره : ثم أتى بالمنديل فرده . وفي رواية : وجعل يقول بالماء هكذا ينقضه . وفي لفظ : ثم غسل فرجه ، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب ، ثم غسلها . وفي لفظ : وضعت له غسلا فسترته بثوب . وفي لفظ : فأكفا بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا . وفي لفظ : : ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره . وفيه : ثم غسل رأسه ثلاثا ، وفي لفظ : فلما فرغ من غسل غسل رجليه ، وفي لفظ : فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا . وعند مسلم : فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح يده بالحائط أو الأرض ، وفي ( صحيح ) الإسماعيلي : مسح يده بالجدار ، وحين قضى غسله غسل رجليه ، وفي لفظ : فلما فرغ من غسل فرجه ذلك يده بالحائط ثم غسلها ، فلما فرغ من غسلها غسل قدميه . قال الإسماعيلي : وقد بين زائدة أن قوله : من الجنابة ليس من قول ميمونة ولا ابن عباس ، إنما هو عن سالم . وعند ابن خزيمة : ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه ، فأتى بمنديل فأبى أن يقبله . وعند أبي علي الطوسي في كتاب ( الأحكام ) مصححا : فأتيته بثوب فقال بيده هكذا . وعند الدارقطني : ثم غسل سائر جسده قبل كفيه . وعند أبي محمد الدارمي : فأعطيته ملحفة فأبى . قال أبو محمد : هذا أحب إلي من حديث عائشة . وعند ابن ماجه : فأكفا الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ثلاثا ثم أفاض على فرجه ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه . وفي هذه الروايات استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء . وفيها مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ، وقال بعضهم : وتمسك الحنفية للقول بوجوبهما ، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب ، وليس الأمر هنا كذلك . قلت : ليس الأمر هنا كذلك ؛ لأنهم أنما أوجبوهما في الغسل بالنص لقوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا ، أي : طهروا أبدانكم ، وهذا يشمل الأنف والفم ، وقد حققناه فيما مضى ، وفيها استحباب مسح اليد بالتراب في الحائط أو في الأرض ، وقال بعضهم : وأبعد من استدل به على نجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج . قلت : هذا القائل هو الذي أبعده ؛ لأن من استدل بنجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج ما اكتفى بهذا في احتجاجه ، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصى ، وفيها استحباب التستر في الغسل ولو كان في البيت ، وفيها جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل أو الوضوء ، وفيها خدمة الزوجات للأزواج ، وفيها الصب باليمين على الشمال ، وفيها كراهة التنشيف بالمنديل ونحوه . وقال النووي : اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه ، أشهرها أن المستحب تركه ، وقيل : مكروه ، وقيل : مباح ، وقيل : مستحب ، وقيل : مكروه في الصيف مباح في الشتاء ، ويقال : لا حجة في الحديث لكراهة التنشيف لاحتمال أن إباءه صلى الله عليه وسلم : من أخذ ما يتنشف به لأمر آخر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلا أو غير ذلك ، وقال المهلب : يحتمل تركه الثوبة لإبقاء تركه بلل الماء أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ ، وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش ، قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي ، فقال : لا بأس بالمنديل ، وإنما رده مخافة أن يصير عادة ، وقال التيمي في شرحه لهذا الحديث : فيه دليل على أنه كان يتنشف ، ولولا ذلك لم يأته بالمنديل ، وقال ابن دقيق العيد : نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف ؛ لأن كلا منهما إزالة . قلت : ليس فيه دليل على ذلك ؛ لأن التنشيف من عادة المتكبرين ، ورده صلى الله عليه وسلم الثوب لأجل التواضع مخالفة لهم . وقد ورد أحاديث في هذا الباب منها حديث أم هانئ عند الشيخين : قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى غسله ، فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبه فالتحف به . هذا ظاهر في التنشيف ، ومنها حديث قيس بن سعد رواه أبو داود : أتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضعنا له ماء فاغتسل ، ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها ، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه . وصححه ابن حزم ، ومنها حديث الوضين بن عطار ، رواه ابن ماجه عن محفوظ بن علقمة عن سلمان ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه . وهذا ضعيف عند جماعة ، ومنها حديث عائشة : كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء ، رواه الترمذي وضعفه ، وصححه الحاكم . ومنها حديث معاذ رضي الله تعالى عنه : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه . رواه الترمذي وضعفه . ومنها حديث أبي بكر : كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء . رواه البيهقي ، وقال : إسناده غير قوي . ومنها حديث أنس مثله وأعله . ومنها حديث أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان رجل من الصحابة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ . رواه النسائي في ( الكنى ) بسند صحيح ، ومنها حديث منيب ابن مدرك المكي الأزدي قال : رأيت جارية تحمل وضوأ ومنديلا فأخذ صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ ومسح بالمنديل وجهه . أسنده الإمام مغلطاي في شرحه . وقال ابن المنذر : أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود ، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك ، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا ، وكره عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية . وقال بعضهم : استدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر خلافا لمن غلا من الحنفية ، فقال بنجاستة . قلت : هذا القائل هو الذي أتى بالغلو حيث لم يدرك حقيقة مذهب الحنفية ؛ لأن الذي عليه الفتوى في مذهبهم أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبيخ والعجين ، والذي ذهب إلى نجاسته لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر ، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر واجتمع في مكان .